


فاروق الدباغ
حُسمت انتخابات السويد البرلمانية بعد أيام من الترقب وتقلب الأرقام، وانتهى الفرز الأولي لجميع الدوائر الانتخابية بفوز أحزاب المعارضة بأغلبية ضيقة بلغت 176 مقعدًا مقابل 173 مقعدًا لأحزاب اتفاقية تيدو الحاكمة، وبفارق بلغ 50,359 صوتًا بين المعسكرين. وتبقى إجراءات التدقيق والاعتماد النهائي التي تتولاها السلطات الانتخابية، لكن النتيجة السياسية باتت واضحة بعد اكتمال فرز الأصوات.

وبعد ساعات من اتضاح النتيجة، أعلن رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون استقالته، وقدم طلب إعفائه من منصبه إلى رئيس البرلمان أندرياس نورلين، فاتحًا بذلك الطريق رسميًا أمام بدء مشاورات تشكيل حكومة جديدة.
وقال كريسترشون إن رئيس البرلمان سيتولى قيادة الخطوات المقبلة نحو تشكيل الحكومة. وبموجب النظام السويدي تستمر الحكومة المستقيلة في تسيير الأعمال إلى أن تتولى حكومة جديدة مهامها، لضمان ألا تبقى البلاد من دون حكومة خلال فترة المفاوضات.
عودة محتملة لماغدالينا أندرشون
تتصدر زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ماغدالينا أندرشون المشهد السياسي بعد فوز أحزاب المعارضة. وهي ليست جديدة على السلطة؛ فقد تولت وزارة المالية بين عامي 2014 و2021، ثم أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة السويدية قبل أن يخسر معسكرها انتخابات عام 2022.

وحصل الاشتراكيون الديمقراطيون على نحو 28 في المئة و99 مقعدًا، ليظلوا أكبر أحزاب البرلمان. وجاء المحافظون في المرتبة الثانية، بينما تراجع حزب ديمقراطيي السويد إلى المرتبة الثالثة بحصوله على نحو 17.5 في المئة و62 مقعدًا.
لكن فوز المعارضة لا يعني أن أندرشون أصبحت تلقائيًا رئيسة للحكومة.
فالـ176 مقعدًا تتوزع بين أربعة أحزاب: الاشتراكي الديمقراطي واليسار والبيئة والوسط. وهي أحزاب تجمعها الرغبة في إنهاء حكومة تيدو، لكنها تختلف في ملفات اقتصادية وسياسية أساسية.
يريد حزب اليسار دورًا وتأثيرًا واضحين في سياسات الحكومة المقبلة، بينما يتحفظ حزب الوسط على منحه نفوذًا حكوميًا واسعًا. كما تتباعد مواقف الحزبين في الضرائب وسياسات سوق العمل ودور القطاع الخاص.
ولهذا قد تكون المعركة الأصعب بالنسبة إلى أندرشون قد بدأت بعد انتهاء الانتخابات.
ففي النظام السويدي لا يحتاج المرشح لرئاسة الحكومة إلى أغلبية تصوت لمصلحته، وإنما يكفي ألا يصوت ضده 175 نائبًا أو أكثر. وهذه هي قاعدة «البرلمانية السلبية» التي أتاحت للسويد مرارًا تشكيل حكومات أقلية تحتاج إلى تفاهمات مع أحزاب خارج الحكومة.

تراجع ديمقراطيي السويد
ومن أبرز نتائج الانتخابات تراجع حزب ديمقراطيي السويد للمرة الأولى في انتخابات برلمانية منذ تولي يمي أوكيسون قيادته قبل أكثر من عشرين عامًا.
فقد حصل الحزب على 62 مقعدًا، أي أقل بـ11 مقعدًا من انتخابات 2022، رغم أن الأحزاب الثلاثة الأخرى في معسكر تيدو ــ المحافظين والمسيحيين الديمقراطيين والليبراليين ــ زادت عدد مقاعدها.
وعلى امتداد الأعوام الأربعة الماضية لم يكن ديمقراطيو السويد جزءًا رسميًا من الحكومة، لكنهم وفروا لها الدعم البرلماني وكان لهم تأثير كبير في سياسات الهجرة والجنسية والاندماج والجريمة.
وكان كريسترشون قد فتح قبل الانتخابات الباب أمام دخول الحزب الحكومة رسميًا إذا حافظ معسكر تيدو على الأغلبية، وهو ما كان سيمنح ديمقراطيي السويد مقاعد وزارية للمرة الأولى.
وفي الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية احتل ملف الهجرة موقعًا بارزًا في الخطاب السياسي. وقال أوكيسون في المناظرة التلفزيونية الأخيرة إن الانتخابات قد تكون الأولى التي تلعب فيها «الهجرة المسلمة» دورًا حاسمًا.
وردت أندرشون بوصف هذا التفكير بأنه «نظرية مؤامرة»، وقالت إن أي مجموعة من الناخبين يمكن حسابيًا اعتبارها حاسمة عندما يكون الفارق بين المعسكرين محدودًا.
مئتا ألف مواطن… هل حسموا الانتخابات؟
ومع ظهور تقدم المعارضة، انتشر نقاش آخر حول أكثر من مئتي ألف شخص حصلوا على الجنسية السويدية خلال سنوات حكومة تيدو، وطرح سياسيون من ديمقراطيي السويد فرضية أن أصوات المواطنين الجدد كانت وراء تقدم المعارضة.
لكن التحقيق الذي أجرته وحدة التحقق في التلفزيون السويدي SVT خلص إلى أنه لا يمكن إثبات أن هذه المجموعة هي التي حسمت الانتخابات.
فالمواطنون الجدد ينحدرون من مناطق وخلفيات اجتماعية وسياسية متعددة، كما كان نحو ربعهم دون سن التصويت يوم الانتخابات، ولا توجد بيانات متاحة تحدد كيف صوت من يحق لهم الاقتراع بالفعل.
واستخدم التلفزيون السويدي أنماط التصويت في استطلاع الخروج من مراكز الاقتراع ووضع افتراضًا لمشاركة انتخابية بنسبة 60 في المئة، فوصل إلى تقدير نظري يمنح المعارضة أفضلية بنحو 35 ألف صوت، تنخفض إلى قرابة 30 ألفًا عند تقدير أثر القاصرين.
لكن الباحثين شددوا على أن هذه الأرقام ليست إثباتًا وإنما فرضية إحصائية تقوم على عدد من الافتراضات. كما أن الفارق النهائي بين المعسكرين اتسع لاحقًا إلى أكثر من 50 ألف صوت.
وفي انتخابات متقاربة يمكن، بالطريقة الحسابية ذاتها، الإشارة إلى مجموعات مختلفة من العمال أو النساء أو الشباب أو سكان المدن والأقاليم بوصفها مجموعات كان لها تأثير في النتيجة.
ولهذا فإن دراسة أنماط التصويت أمر طبيعي في أي ديمقراطية، لكن خلفية الناخب أو دينه لا تكفيان وحدهما لتفسير اختياره السياسي، خصوصًا أن السويديين من أصول مهاجرة لا يشكلون كتلة انتخابية واحدة.
الناخب الجديد جزء من المعادلة السياسية
تكشف هذه الانتخابات أيضًا تحولًا في الخريطة الديموغرافية والسياسية للسويد.
فالحصول على الجنسية لا يمنح المواطن حق العمل ودفع الضرائب والإقامة فقط، وإنما يمنحه أيضًا الحق الكامل في التأثير في اختيار البرلمان والحكومة. ولهذا يصبح سلوك المواطنين الجدد جزءًا طبيعيًا من الحسابات السياسية مثل سلوك أي مجموعة اجتماعية أخرى.
وفي المقابل لا ينبغي تفسير نتيجة الانتخابات على أنها رفض شامل للسياسات المشددة تجاه الهجرة. فقد تبنت عدة أحزاب سويدية تقليدية خلال السنوات الأخيرة مواقف أكثر تشددًا في قضايا الهجرة والجريمة والاندماج، بما في ذلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي نفسه.
وما تظهره النتيجة بصورة مباشرة هو أن ديمقراطيي السويد خسروا 11 مقعدًا مقارنة بانتخابات 2022، بينما حققت أحزاب أخرى، بينها اليسار والبيئة، مكاسب برلمانية. أما تحديد الأسباب الدقيقة لانتقال الناخبين بين الأحزاب فسيتطلب دراسات لاحقة لتدفقات الأصوات وقضايا الحملة الانتخابية.
فازوا في الانتخابات… وتبدأ معركة الحكومة
باستقالة أولف كريسترشون انتقلت الانتخابات السويدية من معركة الأصوات إلى مرحلة تشكيل الحكومة.
وسيبدأ رئيس البرلمان مشاوراته مع قادة الأحزاب للبحث عن مرشح يمكنه الحصول على قبول البرلمان أو، وفق النظام السويدي، تجنب وجود أغلبية من 175 نائبًا تصوت ضده.
وإذا رُفضت أربعة مقترحات متتالية لرئاسة الحكومة، ينص النظام الدستوري على إجراء انتخابات استثنائية، ما لم يكن موعد الانتخابات العادية التالية قريبًا وفق الشروط الدستورية.
وقد أثبت التاريخ السياسي السويدي أن هذه العملية يمكن أن تكون طويلة. فبعد انتخابات عام 2018 استغرقت مفاوضات تشكيل الحكومة 134 يومًا، بسبب صعوبة بناء أغلبية بين كتل سياسية متعارضة.
واليوم تواجه ماغدالينا أندرشون معادلة مشابهة، وإن كانت بأرقام مختلفة: لديها أربعة أحزاب تجمع 176 مقعدًا، لكنها تحتاج إلى بناء تفاهم بينها قبل أن تتحول نتيجة الانتخابات إلى حكومة مستقرة.
وهكذا انتهت معركة الصناديق بفارق 50,359 صوتًا وثلاثة مقاعد، واستقال رئيس الحكومة، لكن المرحلة الأصعب ربما تبدأ الآن.
فالانتخابات حددت ميزان القوى الجديد في البرلمان، أما من سيحكم السويد وبأي صيغة سياسية، فسيتحدد على طاولة المفاوضات خلال الأيام والأسابيع المقبلة.