ثمانيناتٍ أكلتها الحروب

 

سرى حسين

فأيُّ خيرٍ نتحدث عنه حين نختصر عقداً كاملاً من عمر بلدٍ بحفنة صورٍ قديمة وملابس ملونة ووجوهٍ شابة؟ الصور لا تخبرنا دائماً بما كان خلفها. قد تلتقط الكاميرا ابتسامةً جميلة، لكنها لا تلتقط أمّاً كانت تنتظر ابنها عند الباب، ولا أباً كان ينام وهو لا يعرف إن كان سيصله خبرٌ عن ابنه في الجبهة.

الثمانينات التي يراها البعض اليوم من خلال صورٍ مرّت عليها عقود، لم تكن «أيام الخير» للعراقيين جميعاً. كانت سنواتٍ ثقيلة على عائلات كثيرة، سنواتٍ صار فيها الموت خبراً متوقعاً، وصار غياب الأب أو الأخ أو الابن جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

ولم تكن الخسارة في الأرواح وحدها. الحروب لا تأخذ أبناء الناس فقط؛ تأخذ معها سنواتٍ من التنمية، وفرص العمل، والتعليم، والاستقرار، وتترك اقتصاداً ينوء تحت كلفةٍ لا تظهر في الصور القديمة.

ثم جاءت سنوات الحصار، وكأن العراق لم يكن قد اكتفى من دفع الفاتورة. أصبح الحصول على أبسط الأشياء معركةً أخرى، وصار كثير من العراقيين يقيسون قدرتهم على العيش بما يستطيعون توفيره لأطفالهم، لا بما يستطيعون شراءه لأنفسهم.

لذلك، حين أرى اليوم صور الثمانينات مرفقة بعبارة «أيام الخير»، أتساءل: خيرٌ لمن؟

ربما كانت هناك صداقات أجمل، وجيران أكثر قرباً، وذكريات عائلية دافئة، وهذا كله حقيقي ولا أنكره. لكن جمال بعض التفاصيل لا يجعل المرحلة كلها جميلة، كما أن حزن مرحلةٍ كاملة لا يلغي وجود لحظاتٍ سعيدة عاشها الناس داخلها.

نحن أحياناً نشتاق إلى شبابنا، إلى وجوهٍ غابت، إلى بيوتٍ لم تعد كما كانت، إلى أشخاصٍ كانوا حولنا ثم أخذتهم الحياة. فنسمّي ذلك الحنين إلى الزمن، بينما نحن في الحقيقة نشتاق إلى أنفسنا حين كنّا أصغر، وإلى الذين كانوا معنا آنذاك.

أما العراق، فلا أظن أن من العدل أن نطلب منه أن يحنّ إلى سنواتٍ أكلت الحرب فيها أبناءه ومستقبله.

فلنتذكر الثمانينات كما كانت، لا كما تصنعها لنا الصور اليوم: سنواتٍ فيها ضحكاتٌ وبيوتٌ وعائلات، نعم، ولكن فيها أيضاً جبهاتٌ ومقابر وانتظارٌ وخوفٌ وفقد.

فالحنين حقٌّ شخصي، أما تحويل المأساة إلى «أيام خير» فحكايةٌ أخرى