تخمة‭ ‬الأمية‭ ‬الفاخرة-عدنان أبوزيد

‭ ‬

أصبح‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬ان‭ ‬العراق‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬أزمة‭ ‬تعليم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬تنكر‭ ‬جماعي‭ ‬تُباع‭ ‬فيه‭ ‬العقول‭ ‬بالميزان‭ ‬وتُشترى‭ ‬فيه‭ ‬الهيبة‭ ‬بالدولار‭.‬

المواطنون‭ ‬والمسؤولون،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬طريحة‭ ‬الفراش‭ ‬بميزانية‭ ‬خاوية‭ ‬وهيكل‭ ‬إداري‭ ‬متضخم‭ ‬حتى‭ ‬الاختناق،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تتزاحم‭ ‬الطوابير‭ ‬أمام‭ ‬دكاكين‭ ‬السماسرة‭ ‬لشراء‭ ‬سراب‭ “‬اللقب‭ ‬العلمي‭”.‬

‭ ‬أطاريح‭ ‬تُجهز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬رمق‭ ‬الخزانة‭ ‬العامة،‭ ‬ودكتوراه‭ ‬بالتقسيط‭ ‬تُباع‭ ‬لخوياء‭ ‬الفكر‭ ‬لتغذية‭ ‬سيكولوجية‭ ‬إفلاس‭ ‬جائعة‭ ‬تشعر‭ ‬بالعري‭ ‬التام‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تتستر‭ ‬برداء‭ ‬لقب‭ “‬دكتور‭”‬،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة‭ ‬مزيفة‭ ‬تمنح‭ ‬صاحبها‭ ‬هيبة‭ ‬مستعارة‭ ‬وسلطة‭ ‬زائفة‭ ‬أمام‭ ‬مرؤوسيه‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬تهوى‭ ‬التراجع‭.‬

وبالتأكيد‭ ‬فان‭ ‬هناك‭ ‬استثناءات‭.‬

إنها‭ ‬الهستيريا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬القاتلة‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬الجهل‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬رسمية‭ ‬لها‭ ‬رتب‭ ‬ورتبة‭.‬

‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭ ‬يطارد‭ ‬فتات‭ ‬زيادة‭ ‬إدارية‭ ‬لسد‭ ‬رمقه،‭ ‬بينما‭ ‬المسؤول‭ ‬المتنفّذ‭ ‬يغطي‭ ‬عجز‭ ‬كفاءته‭ ‬وفشله‭ ‬الإداري‭ ‬بتضخم‭ ‬الألقاب‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭.‬

‭ ‬جامعة‭ ‬سمنان‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وبشهادة‭ ‬قيادي‭ ‬في‭ ‬الاطار‭ ‬التنسيقي،‭ ‬هو‭ ‬عامر‭ ‬الفايز،‭ ‬قال‭ ‬انها‭ ‬منحت‭ ‬العراقيين‭ ‬آلاف‭ ‬الشهادات‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬واحدة،‭ ‬فيما‭ ‬لبنان‭ ‬رأس‭ ‬الجبل‭ ‬الجليدي‭ ‬لسوق‭ ‬استيراد‭ ‬الوهم‭.‬

‭ ‬آلاف‭ ‬الشهادات‭ ‬التي‭ ‬تتدفق‭ ‬سنوياً‭ ‬بلا‭ ‬بحث‭ ‬ولا‭ ‬معرفة،‭ ‬بل‭ ‬لتثبيت‭ ‬صنميتهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتفاقم‭ ‬البطالة‭ ‬الإدارية‭.‬

هؤلاء‭ ‬هم‭ ‬دكاترة‭ ‬بلا‭ ‬دفاتر،‭ ‬يُشترون‭ ‬بخمسة‭ ‬أو‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬لغسيل‭ ‬العار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتغطية‭ ‬الانهيار‭ ‬المؤسساتي‭ ‬الشامل‭.‬

تزوير‭ ‬بختم‭ ‬رسمي،‭ ‬ومزاد‭ ‬مفتوح‭ ‬لشرعنة‭ ‬السطحية‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬هيئة‭ ‬النزاهة‭ ‬التي‭ ‬تتكدس‭ ‬لديها‭ ‬ملفات‭ ‬التزوير‭ ‬كأرقام‭ ‬عابرة‭.‬

الكل‭ ‬يشتري،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يقرأ،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يبحث‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬العلم،‭ ‬بل‭ ‬اضطراب‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬هوية‭ ‬بلد‭ ‬خنقته‭ ‬تخمة‭ ‬الأمية‭ ‬الفاخرة‭ ‬بعدما‭ ‬تحولت‭ ‬مؤسساته‭ ‬التعليمية‭ ‬إلى‭ ‬منافذ‭ ‬بيع‭ ‬بالوزن‭.‬

‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نخرّج‭ ‬علماء‭ ‬يخدمون‭ ‬الميدان،‭ ‬بل‭ ‬ننتج‭ ‬أعداداً‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العاطلين‭ ‬الفكريين‭ ‬يتقاضون‭ ‬أجوراً‭ ‬مضاعفة‭ ‬عن‭ ‬جهل‭ ‬مُعترف‭ ‬به‭ ‬رسمياً‭.‬

حين‭ ‬تصبح‭ ‬الشهادة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬مجرد‭ ‬حمولة‭ ‬زائدة‭ ‬فوق‭ ‬سفينة‭ ‬تهوي‭ ‬إلى‭ ‬القاع،‭ ‬وتتحول‭ ‬الألقاب‭ ‬إلى‭ ‬أغطية‭ ‬لخواء‭ ‬فكري‭ ‬وسلوكي،‭ ‬يكون‭ ‬الموت‭ ‬الثقافي‭ ‬قد‭ ‬اكتمل‭ ‬تماماً،‭ ‬وما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬جنازة‭ ‬دولة‭ ‬تتزين‭ ‬بجهلها‭ ‬الأكاديمي‭ ‬المؤطّر‭ ‬بالختم‭ ‬والشرعية‭.‬