أسوار البادية السورية تروي الحضارات

دمشق‭-‬سانا‭ : ‬وسط‭ ‬امتداد‭ ‬البادية‭ ‬السورية،‭ ‬ترتفع‭ ‬أسوار‭ ‬الرصافة‭ ‬بلونها‭ ‬الجصي‭ ‬المضيء‭ ‬كأنها‭ ‬جزيرة‭ ‬عمرانية‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الرمل،‭ ‬تصنع‭ ‬الشمس‭ ‬على‭ ‬حجارتها‭ ‬مشهداً‭ ‬يتبدل‭ ‬بين‭ ‬البياض‭ ‬والذهب،‭ ‬وتفتح‭ ‬البوابات‭ ‬الصامتة‭ ‬طريقاً‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬عبرتها‭ ‬الجيوش‭ ‬والقوافل‭ ‬والحجاج،‭ ‬ثم‭ ‬صارت‭ ‬مقراً‭ ‬لخليفة‭ ‬أموي‭ ‬ترك‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬قصوراً‭ ‬وحدائق‭ ‬ومنشآت‭ ‬مائية‭ ‬تتحدى‭ ‬الجفاف‭.‬

وتخصص‭ ‬زاوية‭ ‬نبض‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬سانا‭ ‬الثقافية‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬الرصافة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬في‭ ‬طبقاتها‭ ‬آثار‭ ‬الحصن‭ ‬الروماني‭ ‬ومدينة‭ ‬الحج‭ ‬المسيحي‭ ‬وإقامة‭ ‬الخليفة‭ ‬هشام‭ ‬بن‭ ‬عبدالملك‭.‬

ويكتسب‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬أهمية‭ ‬متجددة‭ ‬مع‭ ‬نشر‭ ‬المعهد‭ ‬الأثري‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬نيسان‭ ‬2026‭ ‬دراسة‭ ‬تعرض‭ ‬نتائج‭ ‬المسوحات‭ ‬والسبر‭ ‬ودراسة‭ ‬السور،‭ ‬بعد‭ ‬إصدار‭ ‬أطلس‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬يرصد‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬طوراً‭ ‬من‭ ‬تطورها‭ ‬العمراني،‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬حصيلة‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬والخرائط‭ ‬والدراسات‭ ‬المعمارية‭.  ‬تثبت‭ ‬الدراسات‭ ‬الأثرية‭ ‬الميدانية‭ ‬غياب‭ ‬الأدلة‭ ‬المادية‭ ‬الملموسة‭ ‬على‭ ‬العهد‭ ‬الآشوري‭ ‬داخل‭ ‬الحصن،‭ ‬وتؤكد‭ ‬تحول‭ ‬الموقع‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متقدمة‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬العهد‭ ‬الروماني،‭ ‬حيث‭ ‬شكل‭ ‬المكان‭ ‬حلقة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ -‬نظام‭ ‬الدفاع‭ ‬الحدودي‭ ‬الشرقي‭- ‬للامبراطورية‭ ‬الرومانية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الساسانيين‭. ‬وبينت‭ ‬الباحثة‭ ‬الألمانية‭ -‬ميشائيلا‭ ‬كونراد‭- ‬في‭ ‬دراستها‭ ‬المخصصة‭ ‬لحصون‭ ‬البادية‭ ‬السورية،‭ ‬أن‭ ‬الرصافة‭ ‬كانت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬خط‭ ‬دفاعي‭ ‬هندسي‭ ‬دقيق،‭ ‬يمتد‭ ‬بمسافات‭ ‬متساوية‭ ‬تفصل‭ ‬الحصن‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬بنحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬كيلومتراً،‭ ‬ليربط‭ ‬الرصافة‭ ‬بمحطات‭ -‬تدمر‭-‬،‭ -‬السخنة‭-‬،‭ -‬الكوم‭-‬،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ -‬سورا‭- ‬على‭ ‬نهر‭ ‬الفرات‭.  ‬تغيرت‭ ‬البنية‭ ‬الديموغرافية‭ ‬والعمرانية‭ ‬للحاضرة‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭ ‬مع‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬حج‭ ‬ديني‭ ‬مسيحي‭ ‬عالمي‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ -‬سرجيوبوليس‭-‬،‭ ‬حيث‭ ‬وثقت‭ ‬تقارير‭ -‬المعهد‭ ‬الأثري‭ ‬الألماني‭- (‬DAI‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬حفرياته‭ ‬الممنهجة‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭.‬

وأظهرت‭ ‬مجلدات‭ ‬أبحاث‭ ‬المعهد‭ ‬الألماني‭ ‬أن‭ ‬الكاتدرائية‭ ‬الكبرى‭ (‬التي‭ ‬تُعرف‭ ‬علمياً‭ ‬بالباسيلكا‭ ‬A‭) ‬شيدت‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬معماري‭ ‬متطور‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬تدفق‭ ‬آلاف‭ ‬الحجاج‭ ‬والرحالة،‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬تلك‭ ‬التقارير‭ ‬عن‭ ‬دقة‭ ‬نحت‭ ‬التيجان‭ ‬الرخامية‭ ‬والأعمدة‭ ‬والزخارف‭ ‬الهندسية،‭ ‬ما‭ ‬رسخ‭ ‬مكانة‭ ‬المدينة‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬الشواهد‭ ‬البيزنطية‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬المشرق‭.‬

الرصافة‭ ‬تصبح‭ ‬حاضرة‭ ‬للخلافة‭ ‬الأموية

أدار‭ ‬الخليفة‭ ‬الأموي‭ ‬هشام‭ ‬بن‭ ‬عبدالملك‭ ‬من‭ ‬إقامته‭ ‬الصيفية‭ ‬في‭ ‬الرصافة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬724‭ ‬و743‭ ‬ميلادي‭ ‬الدولة‭ ‬الأموية‭ ‬الشاسعة‭ ‬المساحة،‭ ‬والتي‭ ‬تمددت‭ ‬أطرافها‭ ‬لتطرق‭ ‬أبواب‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬وتحولت‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬الصحراوية‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬قرار‭ ‬سياسي‭ ‬وعسكري‭ ‬يُدير‭ ‬الفتوحات‭ ‬والتحركات‭ ‬في‭ ‬قارات‭ ‬ثلاث‭ ‬تقع‭ ‬تحت‭ ‬الراية‭ ‬الأموية‭. ‬وأورد‭ ‬المؤرخ‭ -‬ابن‭ ‬كثير‭- ‬في‭ ‬موسوعته‭ -‬البداية‭ ‬والنهاية‭- ‬تفاصيل‭ ‬هذا‭ ‬النفوذ‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬الواسع،‭ ‬مبيناً‭ ‬أن‭ ‬جيوش‭ ‬الخلافة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬هشام‭ ‬كانت‭ ‬تقاتل‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬متزامنة‭ ‬على‭ ‬جبهات‭ ‬متباعدة‭ ‬تقع‭ ‬خلف‭ ‬حدود‭ ‬الصين‭ ‬شرقاً‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬فرنسا‭ ‬غرباً،‭ ‬ليوضح‭ ‬هذا‭ ‬التوثيق‭ ‬التاريخي‭ ‬عبقرية‭ ‬الإدارة‭ ‬السياسية‭ ‬للخليفة‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬الرصافة‭ ‬أدار‭ ‬أرجاء‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬وثبّت‭ ‬دعائم‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭ ‬الإداري‭ ‬والمالي‭ ‬بكفاءة‭ ‬عالية‭.‬

‭ ‬امتد‭ ‬صدى‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬الواسع‭ ‬المتجاوز‭ ‬للحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬التقليدية‭ ‬ليلهم‭ ‬كبار‭ ‬الأدباء‭ ‬والشعراء‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬والذين‭ ‬استلهموا‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬الخليفة‭ ‬الأموي‭ ‬قصائدهم‭ ‬حيث‭ ‬تراءت‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬السياسية‭ ‬الممتدة‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬المبدعين‭ ‬كعلامة‭ ‬فارقة‭ ‬لسطوة‭ ‬القرار‭ ‬الخارج‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الشام‭. ‬صاغ‭ ‬الشاعر‭ ‬اللبناني‭ ‬الراحل‭ -‬سعيد‭ ‬عقل‭- ‬في‭ ‬ملحمته‭ ‬الشعرية‭ ‬الخالدة‭ -‬سائليني‭ ‬يا‭ ‬شآم‭- ‬بيتاً‭ ‬شهيراً‭ ‬لخص‭ ‬فيه‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬حكم‭ ‬الأمويين‭ ‬إبان‭ ‬خلافة‭ ‬هشام‭ ‬بن‭ ‬عبدالملك‭ ‬الذي‭ ‬ألحق‭ ‬أصقاع‭ ‬الأرض‭ ‬بحاضرته‭ ‬الإدارية‭ ‬والزراعية‭ ‬حين‭ ‬قال‭:‬

أمويون‭ ‬فإن‭ ‬ضقت‭ ‬بهم‭.. ‬ألحقوا‭ ‬الدنيا‭ ‬ببستان‭ ‬هشام

وبلغت‭ ‬الرصافة‭ ‬أوج‭ ‬ازدهارها‭ ‬المدني‭ ‬عندما‭ ‬اتخذها‭ ‬الخليفة‭ ‬الأموي‭ ‬هشام‭ ‬بن‭ ‬عبدالملك‭ ‬مقراً‭ ‬صيفياً‭ ‬دائماً‭ ‬له‭ ‬ولحاشيته،‭ ‬كما‭ ‬عُرف‭ ‬الموقع‭ ‬تجارياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬باسم‭ -‬رصافة‭ ‬هشام‭-‬،‭ ‬وشهد‭ ‬حركة‭ ‬تشييد‭ ‬واسعة‭ ‬خارج‭ ‬الأسوار‭ ‬البيزنطية‭ ‬التقليدية‭. ‬ونشر‭ ‬الباحث‭ -‬مارتن‭ ‬غوسونه‭- ‬دراسة‭ ‬أثرية‭ ‬متخصصة‭ ‬حول‭ ‬الضواحي‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمدينة،‭ ‬ركز‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الآثار‭ ‬السكنية‭ ‬المكتشفة‭ ‬خارج‭ ‬الأسوار،‭ ‬مثبتاً‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬وجود‭ ‬قصرين‭ ‬أمويين‭ ‬محاطين‭ ‬بحدائق‭ ‬ونظم‭ ‬ري‭ ‬متكاملة،‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬رغبة‭ ‬الأمويين‭ ‬في‭ ‬دمج‭ ‬حياة‭ ‬البادية‭ ‬مع‭ ‬الفن‭ ‬المعماري‭ ‬الفخم‭.‬

تمثلت‭ ‬آلية‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصقع‭ ‬الجاف‭ ‬بنظام‭ ‬الصهاريج‭ ‬الأرضية‭ ‬العملاقة‭ ‬المخزنة‭ ‬للمياه،‭ ‬والتي‭ ‬صممت‭ ‬بدقة‭ ‬هندسية‭ ‬بالغة،‭ ‬حيث‭ ‬يذكر‭ ‬الباحثون‭ ‬في‭ ‬المديرية‭ ‬العامة‭ ‬للآثار‭ ‬والمتاحف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخزانات‭ ‬كانت‭ ‬تتسع‭ ‬لملايين‭ ‬اللترات‭ ‬من‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار‭ ‬والسيول‭ ‬المنقولة‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬خاصة‭.‬

وبنيت‭ ‬الصهاريج‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬الكتيم‭ ‬المقاوم‭ ‬للتسرب،‭ ‬ووفرت‭ ‬المخزون‭ ‬المائي‭ ‬الكافي‭ ‬لحاجة‭ ‬السكان‭ ‬والجيوش‭ ‬والقوافل‭ ‬العابرة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬فصول‭ ‬السنة،‭ ‬إذ‭ ‬يبرهن‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬المائي‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المهندس‭ ‬السوري‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬حلول‭ ‬مستدامة‭ ‬تتحدى‭ ‬البيئة‭ ‬الصحراوية‭ ‬الصعبة‭.‬

‭ ‬

أحاط‭ ‬بالمدينة‭ ‬سور‭ ‬مستطيل‭ ‬الضخامة‭ ‬مدعم‭ ‬بقرابة‭ ‬أربعة‭ ‬وخمسين‭ ‬برجاً‭ ‬دفاعياً‭ ‬تتنوع‭ ‬أشكالها‭ ‬بين‭ ‬المستديرة‭ ‬والمضلعة‭ ‬لضمان‭ ‬المراقبة‭ ‬الشاملة،‭ ‬واستخدم‭ ‬البناؤون‭ ‬في‭ ‬تشييد‭ ‬هذه‭ ‬الأسوار‭ ‬الحجر‭ ‬الجصي‭ ‬والرخام‭ ‬الوردي‭ ‬المستخرج‭ ‬من‭ ‬المناجم‭ ‬القريبة،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬المباني‭ ‬بريقاً‭ ‬لافتاً‭ ‬يتلألأ‭ ‬تحت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭.‬

ووثق‭ ‬الباحث‭ ‬السوري‭ ‬الراحل‭ -‬بشير‭ ‬زهدي‭- ‬في‭ ‬كتابه‭ -‬الرصافة‭ ‬لؤلؤة‭ ‬بادية‭ ‬الشام‭: ‬تاريخها‭ ‬وآثارها‭- ‬تفاصيل‭ ‬النهاية‭ ‬التراجيدية‭ ‬لهذه‭ ‬الحاضرة،‭ ‬حيث‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬تعرضت‭ ‬لتدمير‭ ‬وهدم‭ ‬كلي‭ ‬عام‭ ‬1259‭ ‬ميلادي‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المغول‭ ‬بقيادة‭ ‬هولاكو،‭ ‬ونزح‭ ‬سكانها‭ ‬بالكامل‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الفظائع‭ ‬المحيطة‭.‬

وبقيت‭ ‬الرصافة‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬خاوية‭ ‬على‭ ‬عروشها،‭ ‬متحفاً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬يروي‭ ‬في‭ ‬صمته‭ ‬حكاية‭ ‬المجد‭ ‬الكامن‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬البادية،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الأطلال‭ ‬المنعزلة‭ ‬ذاكرة‭ ‬حضارية‭ ‬جعلت‭ ‬صون‭ ‬الحجر‭ ‬مدخلاً‭ ‬لحفظ‭ ‬تاريخ‭ ‬المكان‭ ‬ونقله‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭.‬