لماذا التغافل عن قتلة ثوار تشرين؟ – فارس الخطاب

فارس الخطاب

لم تكن احتجاجات تشرين عام 2019 حدثًا عابرًا في تاريخ العراق الحديث، ولا موجة غضب انتهت بانتهاء التجمعات في الساحات. كانت لحظة عراقية فارقة خرج فيها آلاف الشباب يطالبون بوطن تتقدم فيه الدولة على الأحزاب، والقانون على السلاح، والمواطنة على المحاصصة. وكان الثمن فادحًا؛ سقط أكثر من 1000 قتيل والآف الجرحى امام شاشات التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، بقيت عائلاتهم حتى الآن تبحث عن إجابة عن سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه بالغ الخطورة في دلالته: من قتل أبناءنا؟
لقد كانت ثورة تشرين أكبر حركة احتجاجية في تاريخ العراق بعد عام 2003 حيث أطاحت بالحكومة وأجبرت مجلس النواب على تبني قانون انتخابي جديد. كما أثبتت أن النظام السياسي العراقي في حقبة ما بعد الاحتلال 2003 يواجه أزمة عميقة في شرعيته.

تمر السنوات، تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، ويغادر مسؤولون ويأتي آخرون، لكن السؤال يبقى في مكانه. وهذه، في تقديري، ليست مشكلة تخص تشرين وحدها، بل امتحان لفكرة الدولة العراقية نفسها. فإذا عجزت الدولة عن كشف المسؤولين عن قتل مواطنين كانوا يتظاهرون في شوارعها، فأي معنى يبقى لاحتكار الدولة للقوة، والقضاء، والشرعية؟
المشكلة الأكثر إثارة للقلق أن الحديث عن المسؤولية لم يبقَ كله في دائرة المجهول. فقد ظهرت خلال السنوات الماضية تصريحات ومواقف ومواد إعلامية منسوبة إلى شخصيات وجهات مختلفة تتحدث عن أدوار في مواجهة احتجاجات تشرين أو تقدم روايات عن أحداثها. وهنا ينبغي التمييز بدقة بين أمرين: التصريح العلني ليس وحده حكمًا قضائيًا بالإدانة، ولا يجوز أن نحكم على إنسان بأنه قاتل من منصة إعلامية؛ لكنه، عندما يتضمن إقرارًا أو معلومات يمكن أن ترتبط بجريمة قتل، يصبح مادة تستحق أن يأخذها القضاء وأجهزة التحقيق بمنتهى الجدية.

في آخر تصريح لزعيم منظمة (بدر) هادي العامري اعترف، باسم “المقاومة” الشيعية”، بان ما سمي حينها بــــ”الطرف الثالث” ودوره في قمع التظاهرات والاحتجاجات في ثورة تشرين هي “الفصائل الجهادية” وقال نصاً:”ان المقاومة وقفت بشجاعة أمام (فتنة) تشرين، وحفظت الدولة والنظام السياسي”. وهنا يأتي السؤال: لماذا التغافل؟ ولماذا لا تجمع كل التصريحات والتسجيلات والشهادات المتعلقة بقتل المتظاهرين في ملف قضائي متكامل؟ لماذا لا يُستدعى كل من يملك معلومة أو ورد اسمه في دليل أو شهادة أو قرينة، بصرف النظر عن موقعه السياسي أو انتمائه الحزبي أو قوة الجهة التي تقف خلفه؟ ولماذا يبقى المواطن العراقي أمام مشهد غريب: كلام خطير يقال علنًا، وضحايا معروفون، وعائلات تطالب بالحقيقة، بينما تبدو المساءلة أبطأ بكثير من حجم الجريمة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد سفك الدم ليس الجريمة وحدها، وإنما اعتياد المجتمع على غياب العدالة. فعندما يرى المواطن أن دماءً تسُفك ثم يُعرف من سفكها ولا تتخذ بحقه الإجراءات القانونية، تتراجع ثقته بالدولة. وعندما يشعر بأن قوة السلاح أو النفوذ السياسي قد يوفران حصانة أمر واقع، يصبح القانون في نظره شديدًا على الضعيف، مترددًا، متساهلا أمام القوي. وهذه النتيجة أخطر على استقرار العراق من فتح الملفات نفسها، لأن الدول لا يحميها إخفاء أزماتها، بل قدرتها على مواجهتها بالقانون.
لا يريد الشعب العراقي التعامل مع ملف تشرين بمنطق الانتقام؛ فالعدالة المطلوبة ليست ثأرًا، والتحقيق لا يعني إدانة مسبقة. المطلوب فقط تحديد المسؤولية الفردية بدقة ومعرفة من أصدر الأمر؟ من نفذ؟ من وفر الغطاء؟ ومن ارتكب فعلًا يمكن اعتباره قانونيا في نطاق الجريمة؟

قد تكون أمام حكومة علي الزيدي فرصة تاريخية لإنهاء جانب من هذا الجرح الوطني العميق. فليس المطلوب تشكيل لجنة أخرى تضاف إلى اللجان، ثم توضع نتائجها في الأدراج. بل المطلوب مسار قضائي واضح ومستقل، تُجمع فيه ملفات الضحايا والشهادات والتسجيلات والأدلة الفنية والتصريحات العلنية، وتُراجع التحقيقات السابقة، ثم يحال من تتوافر بحقه أدلة كافية إلى القضاء، مع إطلاع الرأي العام بصورة دورية على ما يمكن إعلانه قانونًا.

وإذا كان بعض الذين تحدثوا علنًا عن أحداث تشرين يعتقدون أنهم لم يرتكبوا جرمًا، فإن القضاء هو المكان الطبيعي لإثبات ذلك. وإذا كانت تصريحاتهم قد أسيء فهمها أو اجتزت من سياقها، فالتحقيق هو الذي يحدد الحقيقة. أما أن تبقى الأقوال الخطيرة معلقة بين وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بينما لا يعرف أهالي الضحايا أين وصلت ملفات أبنائهم، فذلك لا يخدم الدولة ولا الضحايا وعوائلهم، بل هو في صالح المتهمين.

تشرين، مهما اختلف العراقيون في تقييمها السياسي، أصبحت جزءًا منيراً من تاريخ العراق. يمكن الاختلاف حول شعاراتها، وقادتها، وما جرى داخل ساحاتها، والقوى التي حاولت استثمارها، وحتى نتائجها السياسية؛ لكن شيئًا واحدًا يجب ألا يكون موضع خلاف: العراقي الذي قُتل خارج القانون له حق على الدولة في معرفة قاتله.
ولهذا فإن إعادة فتح ملفات ضحايا تشرين لا ينبغي أن تكون تنازلًا سياسيًا من حكومة، ولا ورقة تستخدم ضد خصومها، وإنما واجبًا دستوريًا وقانونيًا وأخلاقيًا. فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، بل ظلم مبطن، كما أن حماية الدم العراقي لا يمكن أن تتغير بتغير الحكومات والتحالفات.
إن الحكومة التي تريد استعادة ثقة المواطن لا تحتاج دائمًا إلى مشاريع بمليارات الدولارات. أحيانًا تبدأ الثقة من ملف قديم يُفتح، ومن لهفة أم تنتظر منذ سنوات أن تسمع خبراً يفضي بها إلى قناعة بإن الدولة لم تنس ابنها، ومن قاض يستطيع أن يستدعي القوي كما يستدعي الضعيف.

في الدول المتمدنة لا تُقاس قوة الحكومات بقدرتها على تفريق المتظاهرين، بل بقدرتها على معرفة من يسيء للمتظاهرين ومحاسبته حال ثبوت مسؤوليته. السؤال يبقى موجهًا إلى الحكومة والقضاء ومؤسسات الدولة جميعًا: إذا كانت هناك شهادات وأدلة وتصريحات علنية كتصريحات العامري، فلماذا لا يُستكمل التحقيق؟ ولماذا يظل دم ثوار تشرين ينتظر الحقيقة؟ إن من مطلوب منه أن يتخذ إجراءاً اليوم ولا يفعل قد يحاسب يوما لإنه تغافل عن تطبيق القانون.