

العشيرة من قدر اجتماعي إلى سؤال أخلاقي في رواية المؤابي
ضحى عبدالرؤوف المل
تجعل رواية المؤابي للروائي سامر المجالي من التاريخ مادة لاختبار الإنسان عندما تضيق المسافة بين الخاص والعام، وبين العشيرة والدولة، وبين الحب والسياسة، وبين البطولة والرغبة في المجد. فالفترة التي تمتد في فضائها الحكائي من مطلع القرن العشرين إلى ما بعد الثورة العربية، مروراً بالكرك ودمشق وإسطنبول، ليست مجرد زمن للأحداث، بل مختبر تتعرى فيه دوافع البشر. وهذا يفسر قدرتها على الانتقال من حادثة محلية إلى سؤال عربي واسع.إذ كيف يصبح الإنسان جزءاً من تاريخ لم يختر شروطه، ثم يكتشف أنه مسؤول عن الطريقة التي اختار بها أن يعيش داخله؟ وقد اتخذت الرواية الكرك مركزاً سردياً تتحرك منه نحو دمشق وإسطنبول، وجعلت البيئة المؤابية والعشائرية جزءاً أساسياً من تكوين عالمها. غير أن عبقرية الرواية، في تقديري، لا تكمن في استحضار الماضي وحده، بل في زحزحة صورته المألوفة، فالثورة ليست بطولة خالصة، والعشيرة ليست فضاء شرف نقياً، والدولة ليست شراً أحادي المصدر، والحب ليس خلاصاً بريئاً، والبطل ليس ذلك الكائن الذي تعرفه الحكايات قبل أن يبدأ الفعل.
ومن هنا تبدو “المؤابي” في جوهرها رواية عن صناعة المعنى أكثر مما هي رواية عن صناعة الأحداث. فكل شخصية تحاول أن تمنح حياتها تفسيراً يجعل ما فعلته قابلًا للفهم مثل عدنان الذي يفسر الثورة ضمن حسابات القوة والكرامة والمصلحة، وفارس يعيد النظر في حياته من مسافة زمنية تسمح له بأن يرى الشاب الذي كانه والرجل الذي صار إليه، وأنيس يبحث عن حقيقة أخلاقية تتجاوز المناورات، وفتحي يحاول أن يفكك العالم عبر الشك والتأويل السياسي، وسلمى تصبح بالنسبة إلى فارس صورة للحياة الممكنة وسط عالم يوشك على الاحتراق. لذلك، فلماذا فعل هؤلاء ما فعلوه، ثم كيف عاشوا مع تفسيرهم لما فعلوه؟ وهذه النقلة هي التي تمنح الرواية بعدها النفسي. ففارس، وهو يستعيد الماضي بعد عقود، لا يقدم شهادة محايدة، إنه يمارس نوعاً من المحاكمة الذاتية. ولذلك تتجاور في وعيه الحب والسياسة والطموح والندم، ويتحول السرد إلى مساحة يتفاوض فيها الإنسان مع ذاكرته، لأن الماضي حين يصبح ذكرى لا يعود مجرد ما حدث، بل يصبح ما استطاع صاحبه أن يحتمل الاعتراف بأنه حدث.
أما العشيرة، وهي القلب الاجتماعي للرواية، فلا يقدمها المجالي بوصفها ديكوراً فولكلورياً أو مخزناً للأزياء والأمثال والأسلحة، وإنما بوصفها نظاماً كاملًا لإنتاج الإنسان. العشيرة تمنح الفرد اسمه، ومكانته، وشبكة حمايته، ومعايير شجاعته، لكنها تمنحه في الوقت نفسه رقابة لا يستطيع الإفلات منها. ولذلك يصبح الشرف فيها رأياً جماعياً قبل أن يكون فضيلة فردية، وتتحول الجرأة إلى واجب، والتراجع إلى وصمة، والصمت إلى موقف، والولاء إلى امتحان دائم. وهذه نقطة شديدة الذكاء، لأن الرواية لا تقع في فخ تمجيد البنية العشائرية ولا في فخ إدانتها إدانة حداثوية سطحية. إنها ترى وجهها المضيء ووجهها المظلم معاً مثل التضامن، والنجدة، والكرم، وحماية الجماعة من جهة، وسهولة الانقياد، والعاطفة الجمعية، وقابلية التلاعب بالرموز من جهة أخرى. وفي القول “عشائرنا عاطفية جداً، ويسهل خداعها” أكثر من ملاحظة اجتماعية، إنها مفتاح سياسي للرواية كلها، لأن الجماعة التي تستطيع أن تنتصر بقوة تماسكها تستطيع أيضاً أن تُقاد بقوة تماسكها نفسها.
استطاع المجالي في هذه الرواية تحويل الحكاية الشعبية إلى قوة سياسية ونفسية. فالأبطال الذين تربوا على الزير سالم وأبي زيد الهلالي وأخبار الفرسان لا يدخلون المعركة بأجسادهم وحدها، إنهم يدخلونها محملين بصور جاهزة عن الرجل الذي ينبغي أن يكونوه. ولذلك يصبح عدنان أكثر تعقيداً من صورة الفارس التقليدي، إنه يعرف أن البطولة قد تكون قيداً مثلما تكون مجداً. حين يفكر الإنسان في الطريقة التي سيُروى بها موته، يصبح الموت نفسه جزءاً من صناعة السمعة. وهنا تكتشف الرواية أن أخطر ما تفعله الجماعة بالفرد ليس أن تأمره بالقتال، بل أن تجعله يخجل من الخوف. إن الخوف غريزة إنسانية، لكن الثقافة العشائرية قد تحوله إلى عار، فيضطر الرجل إلى قتل خوفه داخله قبل أن يواجه عدوه خارجه. ولهذا قوله “كفانا موتاً”، بمثابة انقلاب أخلاقي على البطولة التقليدية. فالحياة نفسها تصبح ميدان شجاعة، ومواجهة العيش قد تكون أشق من مواجهة الرصاص. وقد أشارت المواد التعريفية بالرواية إلى هذا التحول تحديداً، حيث يتغير تصور البطل من منطق الثورة والمواجهة إلى ضرورة استعادة الحياة بعد استنزاف العشائر.
وإذا كانت العشيرة هي البنية الاجتماعية، فإن الأرض والطبيعة هما البنية الوجودية للرواية. فالمؤابي لا يعيش على الخريطة، بل يعيش في رائحة التراب، وصوت الأجراس، وحركة الأغنام، وصهيل الخيل، ودورة الصوف واللبن واللحم والحصاد. “كل شيء ينشأ من التراب وإليه يعود”، فالمجالي لا يقدم وصفاً ريفياً جميلًا، بل يضع فلسفة كاملة في مواجهة التاريخ الدموي. هناك دورة طبيعية هادئة للحياة، في مقابل التاريخ الذي يصنعه الإنسان بالحرب والطموح والخيانة. ولذلك تصبح الأغنام والخبز والبيت والمرأة والأرض علامات على الحياة العادية التي تهددها السياسة باستمرار. وحتى الخيل، وهي رمز الفروسية، تتجاوز وظيفتها الحربية لتصبح امتداداً للذاكرة والحرية والحدس. وفي هذا العالم لا تكون الطبيعة خلفية للمشهد، بل شاهداً عليه، فالإنسان يقتل، بينما الأرض تستمر في إنبات العشب. ومن أجمل مفارقات الرواية أن دورة الحياة تبدو أكثر عقلانية من دورة التاريخ فالأولى تعرف متى تبدأ ومتى تنتهي، أما الثانية فتكرر أخطاءها وهي تتوهم أنها تصنع المجد.
أسلوبياً، تقوم الرواية على مزج شديد الخصوبة بين السرد التاريخي والشعرية والتأمل الفلسفي والحوار الواقعي. المجالي لا يكتب التاريخ بلغة الوثيقة، وإنما يذوبه في لغة حسية تستعيد الأشياء قبل أن تستعيد الوقائع. لذلك نجد الجملة تنتقل من حركة الخيل إلى تأمل في الموت، ومن طعام المائدة إلى السياسة، ومن نافذة دمشق إلى مستقبل الثورة. وهذا التداخل يمنح السرد إيقاعاً يشبه الذاكرة نفسها وهي لا تتحرك في خط مستقيم، بل تقفز بين زمن وآخر لأن لحظة واحدة قادرة على استدعاء حياة كاملة. وتبرز الاستعارة والتشخيص بوضوح، فالموت زائر، والحكايات تسيل، والأرض تكاد تمتلك إرادة، والليل يصبح لغة، والذاكرة تتحول إلى قوة حية. أما التكرار المقصود في بعض البنى الإيقاعية فيمنح النثر نَفَساً شفهياً قريباً من السرد العشائري، في حين تمنح الجمل الطويلة الوعي الداخلي امتداده الطبيعي. وهذه سمة منسجمة مع طبيعة السرد، فالرواية نفسها تقوم على تطويع المادة التاريخية لخدمة الرؤية الفنية لا على إخضاع الفن لوظيفة التوثيق.
لكن القيمة الأسلوبية الأهم تظهر في التباين بين دمشق والكرك. في الكرك يصبح السرد أكثر التصاقاً بالجسد والأرض والسلاح والحيوان والقبيلة، وفي دمشق يتسع المجال للخطاب السياسي، والصالونات، والمراسلات، والمثقفين، والسلطة العثمانية، والاتصالات الأجنبية. وهذا ليس مجرد اختلاف في المكان، بل اختلاف في طريقة إنتاج الحقيقة. في الريف تُختبر الحقيقة بالفعل والموقف والولاء، بينما تُختبر في المدينة بالكلام والحجة والمعلومة والشائعة. لذلك تصبح الموائد والبيوت والحدائق الدمشقية مسارح سياسية مصغرة، ويصبح الطعام نفسه جزءاً من شبكة العلاقات. أما الرسائل العاطفية بين فارس وسلمى فتؤدي وظيفة أخرى لإنها تستعيد اللغة الإنسانية في قلب اللغة السياسية. وحين يكتب فارس لحبيبته بلغة النور والسحاب والأرض العطشى، يبدو كأنه يريد أن يعيد إلى العالم معنى فقده. ثم يأتي خبر إعدام الوطنيين ليقطع هذه الرومانسية كما يقطع الرصاص حلماً. ومن هنا تنجح الرواية في بناء إيقاع دلالي بالغ الذكاء في الحب لا يقع خارج التاريخ، بل يقع تحت ضرباته.
والحب نفسه ليس زينة سردية في المؤابي، بل هو أحد المفاتيح النفسية لفهم فارس. إنه رجل يريد أن يجد في سلمى أكثر من امرأة، يريد أن يجد مستقبلًا يبرر الماضي. لذلك تصبح الحبيبة في رسالته صورة للخلاص، ويصبح الزواج حلماً بحياة يمكن أن تستمر رغم الخراب السياسي. لكن الرواية لا تترك هذا الحب في منطقة البراءة المطلقة، فسلمى، في ردها، تنقل الخطاب من سماء المجاز إلى أرض المسؤولية حين تقول إنها تريد “رجلًا بكل معنى الكلمة”. وهنا يلتقي الحب مع مفهوم الرجولة الذي تصنعه البيئة العشائرية، فالرجل هو الحامي، والمسؤول، والقادر على حمل تبعات اختياره. والمفارقة أن فارس يطبق هذه الفكرة في الحب، بينما تطبقها شخصيات أخرى في السياسة تطبيقاً كارثياً. وهكذا يصبح الإصرار نفسه قيمة مزدوجة. إنه فضيلة حين يكون وفاءً للحب، وقد يتحول إلى تهور حين يصبح عنادا سياسيا. وهذه من أذكى ثنائيات الرواية، لأنها ترفض الحكم الأخلاقي السريع على الصفات، فالصفة الواحدة قد تنقذ الإنسان في مجال وتدمره في مجال آخر.
كما أن المجالي ينزع القداسة عن التاريخ من دون أن ينزع عنه المعنى. فثورة الكرك لا تظهر كحدث نقي صنعه أبطال بلا مصالح شخصية، بل تتداخل فيها المظالم العامة مع الرغبة في المكانة، والكرامة مع الطموح، والانتقام مع الوطنية، والحساب السياسي مع الغيرة الشخصية. وهذا تحديداً ما يجعل اعتراف عدنان بمسؤوليته أكثر أهمية من انتصاره العسكري، فالبطل الحقيقي هنا ليس من يرفض الخطأ، بل من يستطيع أن يرى كيف ساهم في صنعه. ويقول “سلكنا أيسر الطرق وأسرعها إلى الفاجعة”، فإن الجملة تهدم فكرة القدرية التاريخية، فالكارثة لم تكن قدراً هبط من السماء، بل نتيجة اختيارات بشرية. ولهذا تبدو الرواية شديدة القرب من فلسفة السببية. لا حدث بلا دوافع، ولا قرار بلا شخصية، ولا شخصية بلا بيئة، ولا بيئة بلا تاريخ. وقد عُرّفت الرواية أصلًا بوصفها تخييلًا تاريخياً يجعل المادة التاريخية خادمة للرؤية الجمالية والرمزية.
أما الشخصية الأكثر إثارة في الرواية هي التوتر بين صورة البطل العامة وذاته السرية. عدنان يريد أن يبدو داهية، لكنه يخاف من تبعات دهائه، فارس يبدو رجلًا يتحرك في التاريخ، لكنه كثيراً ما يتحرك بدافع الحب والطموح، أنيس يبدو صاحب مبدأ، لكن صدمته بالخيانة تكشف هشاشة العالم الأخلاقي الذي يؤمن به، فتحي يبدو أكثر واقعية، لكن واقعيته نفسها قد تتحول إلى ميل مرضي لتفسير العالم عبر المؤامرة. حتى “البرغوث” لا يعمل فقط بوصفه خصماً، بل بوصفه اختباراً لحدود القوة، فماذا يحدث عندما تنفصل الشجاعة عن الأخلاق؟
لا تقسم المؤابي البشر إلى طيبين وأشرار، وإنما إلى أشخاص تختلط في دواخلهم الحاجات والرغبات والمخاوف. وهذه نقطة مهمة للغاية، فالشر في الرواية ليس دائماً قراراً واعياً بالشر، بل قد يكون نتيجة طموح بلا ضابط، أو خوف مقنّع، أو رغبة في المجد، أو اعتقاد راسخ بأن الغاية تبرر الوسيلة. وفي قلب هذا كله تقف فكرة الموت بوصفها الحقيقة الوحيدة التي لا تستطيع الرواية تزويرها. الموت هو اللحظة التي تسقط فيها الشعارات، وتتساوى الأجساد، وينكشف الإنسان أمام نفسه. ولذلك فإن تأملات فارس في الموت ليست خروجاً فلسفياً عن الحدث، بل هي المركز الخفي للحدث كله. فالذين يرفعون رايات الحرية، والذين يطلبون المجد، والذين يدافعون عن الدولة، والذين يتآمرون عليها، والذين يحبون، جميعهم يعرفون في النهاية أن الجسد محدود. لكن الفرق بينهم يكمن في الطريقة التي يواجهون بها هذا الحد. و”كل الشعارات لا تعدل شيئاً إذا دقت ساعة الحقيقة” هي مفتاح آخر للرواية. فالموت لا يسأل عن الشعار، بل عن الإنسان الذي كان وراءه. ومن ثم تتحول الحرب في “المؤابي” من اختبار للشجاعة إلى اختبار للمعنى. فماذا بقي من الإنسان بعد أن انتهت المعركة؟ ومن يستطيع أن يعود من التاريخ لا بوصفه منتصراً، بل بوصفه أكثر صدقاً مع نفسه؟
ولهذا فإن المغزى العشائري الأبعد في “المؤابي” لا يتمثل في الدفاع عن العشيرة ولا في هدمها، بل في تحرير الإنسان من اختزال نفسه فيها. العشيرة ضرورية حين تكون بيتاً للنجدة والكرامة والذاكرة، لكنها تصبح خطرة حين تتحول إلى عقل مغلق يستبدل ضمير الفرد بصوت الجماعة. والرواية تقول، بذكاء، إن العشيرة قد تكون مصدر البطولة ومصدر الخديعة في الوقت نفسه، فهي تستطيع أن تجمع الرجال حول قضية عادلة، كما تستطيع أن تدفعهم إلى قرار خاطئ لأن أحداً لا يريد أن يبدو أضعف من الآخر. ومن هنا تتجاوز “المؤابي” زمنها التاريخي، فهي تسأل كل جماعة بشرية، لا العشيرة وحدها، ماذا يحدث حين يصبح الانتماء أقوى من العقل؟ وماذا يحدث حين يصبح الحفاظ على صورة الجماعة أهم من إنقاذ أفرادها؟