قراءات في قصائد الشاعر بدل رفو

 
في رحاب ادب المهجر ..قراءات في قصائد الشاعر بدل رفو !!

 الزمان – أربيل

صدر حديثا كتاب «في رحاب أدب المهجر: قراءات نقدية في قصائد الشاعر بدل رفو» للكاتب خيري بوزاني، وهو دراسة أدبية نقدية تتناول جانبا مهما من تجربة الشاعر الكردي بدل رفو، بوصفها نموذجا من نماذج أدب المهجر والشتات.
يقدّم الكتاب مدخلًا إلى مفهوم أدب المهجر، ثم يقف عند المسيرة الثقافية والأدبية للشاعر، قبل أن ينتقل إلى قراءة مجموعة واسعة من قصائده وتحليل عوالمها الشعرية والرمزية.

تتوزع موضوعات الكتاب بين الوطن والمنفى، الهوية والاغتراب، الذاكرة والحنين، الحرية والحب، كوردستان، الموصل ، الطفولة، الإنسان، وأوجاع الهجرة، مع اهتمام واضح بالصورة الشعرية والرمز واللغة ودلالاتها.
ولا يكتفي الكتاب بشرح النصوص، بل يسعى إلى الكشف عن العلاقة العميقة بين تجربة الشاعر الشخصية وأسفاره وذاكرته وبين قضايا الوطن والإنسان.

إنه رحلة نقدية في شعرٍ جعل من الغربة وطنًا آخر، ومن القصيدة جسرًا يصل بين الذاكرة والمكان. ويقع الكتاب في ١٩٦ صفحة من الحجم المتوسط .

ويقول الكاتب د. خيري بوزاني حول عمله الجديد قائلا:

في هذا الكتاب، يلتقي أدبُ المهجر بروح شاعرٍ حمل وطنه في حقيبة قلبه، ومضى بعيدًا دون أن يقطع خيط الانتماء. إنه كتابٌ عن الذاكرة حين تهاجر، عن الروح حين تُخلّف وراءها تضاريس الطفولة وتستيقظ في لغات وثقافات جديدة، وعن الإنسان حين يتشبّث بجذوره وهو يخطو فوق أرصفة الغربة.

​يتقدّم هذا العمل عبر بوابة واسعة من تأملات أدب الشتات، ذلك الأدب الذي وُلد من رحم النزوح والمنفى والبحث عن هوية لا تنطفئ. هنا تتجسد الحكاية الكبرى؛ حكاية الفرد وهو يعيد تشكيل ذاته بين وطنين، وبين لغتين، وبين عالمين لا يتشابهان إلا في عمق الأسئلة التي يطرحانها عليه. إنّ أدب المهجر—بما فيه من شجن وتمرّد، من حنين وقلق، من انتماء وانفصال—هو الذاكرة الحيّة للذين رحلوا بأجسادهم وظلّت أرواحهم تحوم حول أبواب الوطن.

​وفي قلب هذا التيار الإنساني، يبرز اسم بدل رفو، الأديب الكردي العراقي الذي عبَر الحدود لا هربًا من هوية، بل سعيًا لتوسيع قصيدته وإطلاقها في فضاءات أبعد. وُلد في قرية الشيخ حسن، وترعرع في الموصل، ودرس الروسية في بغداد، ثم حمل دفاتر أحلامه إلى النمسا حيث استقر منذ مطلع التسعينيات. من هناك، ومن لغات أربع وذاكرة خامسة اسمها كردستان، صنع لنفسه مكانًا في خارطة الأدب المهجري.

​بأناقة أسلوبه وصريحه الذي لا يهدن، كتب بدل رفو عن الوطن كأنّه حيٌّ في صدره، وعن الغربة كأنها معلّمٌ قاسٍ يفتح نوافذ جديدة في الروح. امتدت تجربته بين الشعر والترجمة والصحافة وأدب الرحلات، فكان جسرًا لغويًا وثقافيًا عابرًا للقارات. شارك في مهرجانات شعرية حول العالم، واحتفت بكتاباته لغات عدة، بينما ظلّ ينسج قصائده بوحدة عضوية دقيقة، تتداخل فيها الرموز وتتماسك فيها الصور كأنها جسدٌ واحد ينبض بالحياة.

​هذا الكتاب لا يقدّم سيرة شاعرٍ فحسب، بل يفتح نافذة على عالم أدب المهجر، بتعقيداته وأسئلته وتحوّلاته التاريخية. فمن جذور الهجرة الطوعية في القرن التاسع عشر، حين أُسست “الرابطة القلمية” أول معالم الإبداع العربي في الأمريكيتين، إلى التحولات القاسية في القرن العشرين حين صار المنفى نتيجة القمع والاستبداد، يتشكّل تاريخ كامل من الصراع بين الحرية والحنين، بين الاضطهاد والإبداع، بين المنفى والهوية.

​وبدل رفو واحد من أحفاد تلك المسيرة؛ شاعرٌ حمل لغته بوضوح، وبنى قصائده ببساطةٍ شفافة، وتمرّد على قيود الوزن ليترك لصورته الشعرية حرية الطيران. في نصوصه، تتداخل الرموز الحسية مع نبض الإنسان، وتصبح الغربة فضاءً لا للهروب، بل لكشف الذات وإعادة تشكيلها.

​هذا العمل هو دعوة للتأمل في معنى أن تكون شاعرًا في المنفى: هل المنفى جغرافيا؟ أم حالة داخلية؟ هل هو فراقٌ دائم؟ أم جسرٌ نحو وعي جديد؟

​هنا، في هذه الصفحات، يجيب الأدب كما يَعرف وحده أن يجيب: بصدق وشعر، وبوطنٍ صغير ينبض في صدر شاعر كبير.