

صباح نوري العجيلي
يُعدّ مضيق باب المندب واحداً من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، فهو يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويشكّل البوابة الجنوبية لحركة السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن أمنه لا يرتبط باليمن ودول المنطقة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية.
وتزداد أهمية باب المندب بسبب موقعه الجغرافي الذي يجعله أحد أبرز الاختناقات البحرية العالمية. وأي تهديد للملاحة فيه يمكن أن يدفع السفن إلى تغيير مساراتها والدوران حول رأس الرجاء الصالح، بما يرفع كلفة النقل ويطيل زمن الرحلات.
التطور الأخطر:
شهدت الأيام الأخيرة تطوراً عسكرياً بالغ الخطورة مع التقدم السريع لجماعة أنصار الله الحوثيين على الساحل الغربي لليمن. فقد سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ثم تقدموا نحو ذباب المطلة مباشرة على باب المندب، ووصلوا إلى جزيرة ميون «بريم» ذات الموقع الحاكم للمضيق، فيما تحدثت تقارير عن سيطرتهم على مواقع وجزر أخرى في البحر الأحمر بعد انسحاب القوات الحكومية.
ولا تمثل هذه التطورات مجرد مكسب في الحرب اليمنية، إذ تمنح الحوثيين مواقع متقدمة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وتتيح لهم مراقبة حركة الملاحة وتهديد السفن بالصواريخ والطائرات المسيّرة، حتى من دون امتلاك سيطرة بحرية كاملة على المضيق.
على طريق هرمز:
من المنظور الاستراتيجي، تفتح هذه التطورات أمام إيران فرصة للاستفادة من باب المندب بالطريقة التي تستخدم بها مضيق هرمز، ولكن من خلال حليف إقليمي مسلح يمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة وخبرة قتالية.
ولا تحتاج طهران بالضرورة إلى نشر قواتها بصورة مباشرة في باب المندب؛ فامتلاك الحوثيين مواقع ساحلية وجزرية استراتيجية يوفر لإيران وسيلة ضغط غير مباشرة على أحد أهم طرق التجارة والطاقة العالمية. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الدعم الإيراني بالسلاح والمشورة كان عاملاً مهماً في التقدم الحوثي الأخير على الساحل الغربي لليمن.
وهنا تبرز الخطورة الحقيقية: هرمز في الخليج وباب المندب في البحر الأحمر يمكن أن يتحولا إلى ورقتي ضغط مترابطتين في الصراع الإقليمي.
باب المندب والطاقة العالمية:
تكمن أهمية باب المندب أيضاً في ارتباطه بقناة السويس وبحركة ناقلات النفط والتجارة بين آسيا وأوروبا. وقد أدت الهجمات الحوثية السابقة إلى انخفاض كبير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، واضطرت شركات الشحن إلى استخدام طرق أطول وأكثر كلفة حول رأس الرجاء الصالح.
وتزداد خطورة الوضع في ظل التوتر حول مضيق هرمز؛ فإذا تعرض الطريقان الرئيسيان للطاقة في الخليج والبحر الأحمر للتهديد في الوقت نفسه، فإن هامش المناورة أمام الدول المنتجة والمستهلكة يتقلص، وترتفع مخاطر اضطراب الأسواق وأسعار النفط.
وتبرز هنا أهمية باب المندب بالنسبة إلى السعودية بصورة خاصة، إذ يمثل البحر الأحمر أحد المسارات التي يمكن أن تستخدمها المملكة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز. ولذلك فإن تهديد باب المندب يضعف أحد البدائل الاستراتيجية أمامها في حال تعطل الملاحة في الخليج.
البعد العسكري:
إن السيطرة على الساحل والجزر القريبة من باب المندب تمنح الحوثيين مزايا عسكرية مهمة، أبرزها مراقبة حركة السفن، وتوفير مواقع متقدمة للاستطلاع والإنذار، وتهيئة مناطق لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين القدرة على تهديد الملاحة والسيطرة الكاملة على المضيق. فإغلاق باب المندب بصورة مستمرة يتطلب قدرات بحرية وجوية وصاروخية متكاملة، فضلاً عن القدرة على مواجهة القوات الدولية التي قد تتدخل لحماية حرية الملاحة.
لكن الحوثيين لا يحتاجون إلى إغلاق المضيق كلياً لتحقيق أثر استراتيجي؛ إذ يكفي أن تصبح حركة السفن محفوفة بالمخاطر لكي تضطر شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، وهو ما يحقق جزءاً كبيراً من الهدف.
الخطر الاستراتيجي:
تكمن الخطورة الأكبر في احتمال تحول باب المندب إلى ورقة ضغط إيرانية غير مباشرة. فإذا امتلكت طهران قدرة على التأثير في هرمز بصورة مباشرة، وفي باب المندب من خلال الحوثيين، فإنها تكون قد أصبحت قادرة على الضغط على طريقين بحريين يرتبطان مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية.
وهذا يعني أن أمن الخليج العربي والبحر الأحمر لم يعد بالإمكان التعامل معهما كساحتين منفصلتين، بل كجزء من منظومة أمن بحري واحدة تمتد من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى بحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
الارتدادات المحتملة:
إذا استمر التوسع الحوثي على الساحل الغربي لليمن، فإن ارتداداته لن تقتصر على ساحة الصراع اليمني، بل قد تمتد إلى منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر والخليج العربي. وقد تدفع هذه التطورات الولايات المتحدة والدول الغربية إلى تعزيز وجودها البحري والجوي في المنطقة، وتشديد إجراءات حماية السفن وطرق التجارة، في مقابل احتمال زيادة الدعم الإيراني للحوثيين وتطوير قدراتهم الصاروخية والمسيّرة.
كما قد تتأثر حركة التجارة العالمية وعمليات نقل النفط والغاز، وترتفع كلف التأمين والشحن، ولا سيما إذا أصبحت شركات الملاحة ترى أن عبور باب المندب ينطوي على مخاطر متزايدة. وقد ينعكس ذلك على قناة السويس وموانئ البحر الأحمر، وعلى اقتصادات الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على استقرار حركة التجارة البحرية.
أما على المستوى الإقليمي، فقد يدفع تهديد باب المندب دول الخليج ومصر والأردن ودول البحر الأحمر إلى إعادة تقييم منظومات الأمن البحري والدفاع الجوي والصاروخي، وتعزيز التعاون في مراقبة الممرات البحرية. وفي حال تزامن التصعيد في باب المندب مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، فإن المنطقة قد تواجه أخطر حالة ضغط متزامن على خطوط الطاقة والتجارة منذ عقود.
التقييم الاستراتيجي:
إن التقدم الحوثي الأخير يمثل تحولاً مهماً في ميزان القوة حول باب المندب. فالوصول إلى المخا وذباب وميون والسيطرة على مواقع ساحلية وجزر استراتيجية يمنح الجماعة قدرة أكبر على تهديد الملاحة الدولية، ويضعها في موقع أكثر تأثيراً في واحدة من أهم نقاط الاختناق البحري في العالم.
والأهم أن هذا التطور يمنح إيران، من خلال حليفها الحوثي، ورقة استراتيجية جديدة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. وإذا اجتمع الضغط على باب المندب مع التهديد المستمر لمضيق هرمز، فقد تصبح طرق الطاقة والتجارة أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً وخطورة.
وعليه، فإن باب المندب لم يعد قضية يمنية محضة، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي. أما السؤال الذي يفرض نفسه فهو: هل يتحول باب المندب إلى نسخة جنوبية من هرمز، بحيث تصبح الممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة أوراقاً متزامنة في الصراع الامريكي الايراني ؟