105 أعوام على تأسيس الدولة العراقية في محاضرة للزرري..

الموصل_- هدير الجبوري
كشف الباحث والمورخ العراقي عدنان سامي الزرري عن جوانب من اسهامات الموصل في نشأة الدولة العراقية الحديثة بعد الخلاص من مرحلة الحكم العثماني ، وأشار الدكتور الزرري في محاضرته في الموصل مساء امس الى ان تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتولي الملك فيصل الأول عرش العراق عام 1921، كان محطة أساسية في تجلي الإمكانات العلمية والقيادية لاهالي الموصل في ترسيخ ركائز العهد الملكي بالرغم من صعوبة الظروف السياسية التي أحاطت بقيام الدولة الجديدة، وما رافق تلك المرحلة من أحداث ومواقف وتطورات أسهمت في تشكيل ملامح العراق الحديث.
وتناول الزرري ابرز القضايا المصيرية لما تعرف بمشكلة الموصل وعلاقاتها الإقليمية مع الدولة التركية ورؤية المدينة في التمسك بالخيار العراقي برغم كل الضغوط والاغراءات والوضع التاريخي الغامض وغير المستقر حينها ، اذ اجترح الموصليون طريقا واضحا نحو الالتحام بالدولة العراقية الملكية الجديد كخيار أخير واستراتيجي وتحولوا الى حصن الملكية في البلاد. وجاءت محاضرة المورخ الزرري المختص بالتاريخ الملكي العراقي ضمن فعاليات مجلس باب البيض الثقافية في أيمن الموصل لمناسبة الذكرى الخامسة بعد المئة على تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
وجاءت المحاضرة لتفتح نافذة واسعة على مرحلة مهمة من تاريخ الموصل، بوصفها مدينة لم يكن تاريخها منفصلا عن تاريخ العراق، بل كانت حاضرة في كثير من التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي أسهمت في رسم ملامح العراق الحديث.
استعرض الدكتور الزرري خلال محاضرته مجموعة من الأحداث والمحطات التاريخية التي مرت بها الموصل، متوقفا عند التحولات التي شهدتها المدينة في أواخر العهد العثماني، وما رافقها من تغيرات سياسية وإدارية وفكرية، ثم انتقالها إلى مرحلة الاحتلال والانتداب البريطاني وما أعقب الحرب العالمية الأولى من تطورات كان لها أثر بالغ في مستقبل العراق والموصل على وجه الخصوص. وانتقل المحاضر إلى المرحلة التي أعقبت تلك الأحداث، والتي وتناول الدكتور الزرري مفهوم (عراقية الموصل) موضحاً أن هذه العراقية لا يمكن اختزالها في موقف سياسي عابر، وإنما ترتبط بسياق تاريخي طويل، وبالدور الذي أداه أبناء الموصل في الحياة السياسية والثقافية والتعليمية والوطنية في العراق. وقد شهدت المدينة في السنوات التي سبقت تأسيس الدولة العراقية الحديثة نشاطا فكريا وسياسيا متنامياً، وأسهمت مدارسها ومثقفوها وشبابها في تشكيل وعي وطني كان له حضوره في الأحداث اللاحقة. كما توقف الدكتور الزرري عند عدد من المواقع والمناطق الموصلية القديمة، موضحا دلالاتها في زمنها، ومشيرا إلى مواقعها أو ما يقابلها في جغرافية الموصل اليوم، في محاولة لربط المكان بالتاريخ واستعادة صورة المدينة كما كانت قبل أن تغيرها العقود والتحولات العمرانية والسياسية. ولم تكن المحاضرة مجرد استعراض للتواريخ والأحداث، بل محاولة لإعادة قراءة التاريخ من خلال المدينة وأبنائها؛ فتناول المحاضر شخصيات وأدوارا ومواقف ارتبطت بالمرحلة الانتقالية من الحكم العثماني إلى الاحتلال البريطاني، ثم إلى تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتولي الملك فيصل الأول الحكم، وهي مرحلة كانت الموصل فيها أمام تحديات سياسية كبيرة، خصوصا في ظل التطورات التي شهدتها البلاد وقضية الموصل ومكانتها ضمن الدولة العراقية الناشئة. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة لأن قضية الموصل لم تكن شأنا محليا محدودا، بل ارتبطت بمسار تأسيس العراق الحديث وبالتطورات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. كما أن أبناء الموصل كان لهم حضور في الحياة السياسية والبرلمانية والإدارية خلال العهد الملكي، وهو ما يعكس الدور الذي أدته المدينة في مسيرة الدولة العراقية الحديثة.
ومن المحطات اللافتة التي حضرت في سياق المحاضرة، الحراك الثقافي والتعليمي والسياسي في الموصل قبيل الحرب العالمية الأولى، وما شهدته المدينة من نشاط فكري ووطني أسهم في تنامي الوعي السياسي لدى جيل من الطلبة والمثقفين، وصولا إلى المراحل اللاحقة التي شهدت التحولات الكبرى في العراق.
وفي هذا السياق، بدا واضحا أن المحاضرة أرادت أن تقول إن تاريخ الموصل لا يكتب من خارج تاريخ العراق، وأن قراءة نشأة الدولة العراقية الحديثة تظل ناقصة ما لم تستحضر الدور الموصلي في تلك المرحلة.
وقدم الباحث مادة تاريخية غنية، امتزج فيها التاريخ السياسي بتاريخ المكان والإنسان، واستعاد من خلالها محطات ربما غابت عن ذاكرة الأجيال الجديدة، داعيا بصورة غير مباشرة إلى العودة إلى الوثيقة والكتاب والمكان، وقراءة التاريخ بعيدا عن الاختزال والتفسيرات السريعة.
وكان اختيار مجلس باب البيض فضاء لهذه المحاضرة موفقا بدلالته أيضا فالمكان الموصلي القديم يلتقي هنا مع الذاكرة التاريخية، لتتحول المحاضرة من مجرد حديث عن الماضي إلى حوار بين المكان والتاريخ والهوية.
وفي ختام المحاضرة، بدا أن السؤال الذي طرحه التاريخ لم يكن عن الماضي وحده، وإنما عن الحاضر أيضا: كيف نقرأ تاريخ مدينتنا؟ وكيف نحفظ دورها في الذاكرة العراقية؟ وكيف ننقل هذه الذاكرة إلى الأجيال القادمة بوصفها جزءا أصيلا من تاريخ العراق؟
ورأي بعض الحاضرين ان محاضرة الدكتور الزرري ، في جوهرها، دعوة في ألا نترك تاريخ الموصل للذاكرة المنسية، وأن نعيد قراءة صفحات المدينة بوصفها صفحات أساسية من كتاب العراق الحديث.