بغداد‭ ‬تلوّح‭ ‬بالاتفاقيات‭ ‬الثنائية‭ ‬والمعاملة‭ ‬بالمثل

القضاء‭ ‬العراقي‭ ‬يحدد‭ ‬معايير‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأجانب‭ ‬المنقولين‭ ‬من‭ ‬سوريا

بغداد‭ – ‬الزمان

بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬مقاربة‭ ‬قضائية‭ ‬جديدة‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬إزاء‭ ‬ملف‭ ‬الأجانب‭ ‬المنقولين‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬بعدما‭ ‬أعاد‭ ‬مجلس‭ ‬القضاء‭ ‬الأعلى‭ ‬ترتيب‭ ‬أولويات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬المعقد‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬لسنوات‭ ‬رهينة‭ ‬التفاهمات‭ ‬الأمنية‭ ‬مع‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الاعتبارات‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

وقال‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬إن‭ ‬اجتماعاً‭ ‬موسعاً‭ ‬ترأسه‭ ‬رئيسه‭ ‬فائق‭ ‬زيدان،‭ ‬وشارك‭ ‬فيه‭ ‬مسؤولون‭ ‬أمنيون‭ ‬وقضائيون‭ ‬وحكوميون،‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬صيغة‭ ‬موحدة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الموقوفين‭ ‬والمحكومين‭ ‬الأجانب‭ ‬الذين‭ ‬جرى‭ ‬نقلهم‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬إلى‭ ‬العراق،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تجزئة‭ ‬الملفات‭ ‬وفق‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬بغداد‭ ‬والدول‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬هؤلاء،‭ ‬وعلى‭ ‬أساس‭ ‬القوانين‭ ‬العراقية‭ ‬ومبدأ‭ ‬المعاملة‭ ‬بالمثل،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استكملت‭ ‬محكمة‭ ‬تحقيق‭ ‬الكرخ‭ ‬الأولى‭ ‬مرحلة‭ ‬التحقيق‭ ‬والاستجواب‭ ‬وانتقلت‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬المحاكمة‭.‬

وتشير‭ ‬مصادر‭ ‬قضائية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬عراقية‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬للملف،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬تزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬بغداد‭ ‬لإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬للمحكومين‭ ‬الأجانب،‭ ‬وسط‭ ‬عروض‭ ‬متباينة‭ ‬من‭ ‬دولهم‭ ‬الأصلية‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬طلب‭ ‬الاسترداد‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية‭ ‬ولوجستية‭ ‬مقابل‭ ‬استمرار‭ ‬احتجازهم‭ ‬داخل‭ ‬العراق‭.‬

واتفق‭ ‬المجتمعون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬للتعاون‭ ‬القضائي‭ ‬الدولي‭ ‬دراسة‭ ‬أي‭ ‬مبادرة‭ ‬أو‭ ‬عرض‭ ‬تقدمه‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬أو‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬بشأن‭ ‬تقديم‭ ‬المعونات‭ ‬والمساعدات،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تُقرأ‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬القانونية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬ومنع‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬أمني‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭.‬

وكان‭ ‬العراق‭ ‬قد‭ ‬استقبل‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية،‭ ‬وبعلم‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي،‭ ‬وجبات‭ ‬من‭ ‬المحكومين‭ ‬الأجانب‭ ‬المنقولين‭ ‬من‭ ‬سوريا،‭ ‬بينهم‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬تنظيمات‭ ‬متطرفة،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬نقاشات‭ ‬داخلية‭ ‬حول‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬القضائية‭ ‬والسجون‭ ‬العراقية‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬هذا‭ ‬العدد،‭ ‬وحول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬تحاول‭ ‬نقل‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬الأمنية‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭. ‬وتقول‭ ‬شخصيات‭ ‬قانونية‭ ‬إن‭ ‬اعتماد‭ ‬مبدأ‭ ‬التجزئة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الملفات‭ ‬سيمنح‭ ‬العراق‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للمناورة‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬ويتيح‭ ‬له‭ ‬فرض‭ ‬شروطه‭ ‬القانونية‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬المعنية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬استرداد‭ ‬مواطنيها‭ ‬أو‭ ‬تتعامل‭ ‬ببرود‭ ‬مع‭ ‬طلبات‭ ‬التعاون‭ ‬القضائي،‭ ‬فيما‭ ‬يرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬ترتيبات‭ ‬جديدة‭ ‬تشمل‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات،‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬للسجون‭ ‬والمحاكم،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬اتفاقات‭ ‬خاصة‭ ‬لإعادة‭ ‬التأهيل‭. ‬وتبقى‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الملف‭ ‬يحمل‭ ‬أبعاداً‭ ‬أمنية‭ ‬حساسة،‭ ‬إذ‭ ‬تخشى‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬تراكم‭ ‬أعداد‭ ‬المحكومين‭ ‬الأجانب‭ ‬داخل‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬ضغط‭ ‬أو‭ ‬ابتزاز‭ ‬سياسي،‭ ‬فيما‭ ‬يعتقد‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬تنظيمه‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬سيعزز‭ ‬مكانة‭ ‬القضاء‭ ‬العراقي‭ ‬ويمنح‭ ‬بغداد‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الضوضاء‭ ‬السياسية‭.‬

وبدأت‭ ‬عمليات‭ ‬نقل‭ ‬الموقوفين‭ ‬والمحكومين‭ ‬الأجانب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬عندما‭ ‬بدأت‭ ‬الإدارة‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرقي‭ ‬سوريا‭ ‬تعلن‭ ‬صراحة‭ ‬عن‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بآلاف‭ ‬المعتقلين‭ ‬المنتمين‭ ‬إلى‭ ‬تنظيمات‭ ‬متطرفة،‭ ‬وسط‭ ‬انهيار‭ ‬البنى‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬الاحتجاز‭ ‬وتزايد‭ ‬محاولات‭ ‬الهروب،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬ترتيبات‭ ‬بديلة‭ ‬تضمن‭ ‬استمرار‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬منظومة‭ ‬الاحتجاز‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬الهول‭ ‬ومراكز‭ ‬الاعتقال‭ ‬التابعة‭ ‬لقوات‭ ‬سوريا‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وافق‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬دفعات‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬المحكومين‭ ‬الأجانب،‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬العملية‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬مباشر‭ ‬من‭ ‬التحالف‭ ‬الدولي،‭ ‬وأن‭ ‬يخضع‭ ‬جميع‭ ‬المنقولين‭ ‬لتحقيق‭ ‬قضائي‭ ‬كامل‭ ‬داخل‭ ‬بغداد‭ ‬قبل‭ ‬إحالتهم‭ ‬إلى‭ ‬المحاكمة‭ ‬وفق‭ ‬القوانين‭ ‬العراقية‭. ‬وأولى‭ ‬عمليات‭ ‬النقل‭ ‬بدأت‭ ‬بشكل‭ ‬محدود‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتسع‭ ‬تدريجياً‭ ‬خلال‭ ‬عامي‭ ‬2020‭ ‬و2021،‭ ‬حيث‭ ‬استقبل‭ ‬العراق‭ ‬وجبات‭ ‬متفرقة‭ ‬ضمت‭ ‬عشرات‭ ‬الموقوفين‭ ‬من‭ ‬جنسيات‭ ‬مختلفة،‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬وأوروبا‭ ‬الشرقية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬وغربية‭.‬

‮ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬ارتفع‭ ‬نسق‭ ‬النقل‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬انهيارات‭ ‬أمنية‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬الهول،‭ ‬حيث‭ ‬نقلت‭ ‬دفعات‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬وسط‭ ‬تنسيق‭ ‬مكثف‭ ‬بين‭ ‬بغداد‭ ‬والتحالف‭ ‬الدولي،‭ ‬فيما‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العدد‭ ‬الإجمالي‭ ‬للمنقولين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬تجاوز‭ ‬عدة‭ ‬مئات،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬العراقية‭ ‬تتجنب‭ ‬إعلان‭ ‬رقم‭ ‬نهائي‭ ‬بسبب‭ ‬حساسية‭ ‬الملف‭ ‬وتعدد‭ ‬جنسيات‭ ‬المنقولين‭.‬

‮ ‬وتقول‭ ‬مصادر‭ ‬قضائية‭ ‬إن‭ ‬جميع‭ ‬المنقولين‭ ‬خضعوا‭ ‬لتحقيقات‭ ‬مطولة‭ ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬تحقيق‭ ‬الكرخ‭ ‬الأولى،‭ ‬شملت‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬ارتباطاتهم،‭ ‬والجرائم‭ ‬المنسوبة‭ ‬إليهم،‭ ‬والوثائق‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬الدول‭ ‬الأصلية،‭ ‬قبل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬المحاكمة‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬إجراءات‭ ‬دقيقة‭ ‬نظراً‭ ‬لتعدد‭ ‬الجنسيات‭ ‬وتباين‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الثنائية‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وتلك‭ ‬الدول‭.‬