رؤية الحياة بأكثر من عدسة في كتاب موغي

رؤية الحياة بأكثر من عدسة واحدة في كتاب كين موغي

ضحى عبدالرؤوف المل

يُسمي كين موغي (وهم التركيز) أي التركيز على جانب محدد من الحياة حتى يبدو في وعينا أكبر من حجمه الحقيقي. في كتاب الإيكيغاي الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون خطورة هذا الوهم أنه لا يكذب علينا كذباً صريحاً، إنه يستعمل جزءاً صحيحاً من الحقيقة ليصنع منه حقيقة كاملة. الزواج قد يمنح دفئا ومعنى، والمال قد يخفف القلق، والنجاح قد يرفع تقدير الذات، والعمل المحبب قد يمنح الإنسان شعوراً بالجدوى. لكن تحويل أي واحدة من هذه الخبرات إلى المصدر الوحيد للسعادة يشبه تحويل نافذة إلى بيت كامل. نحن لا نخطئ في الرغبة، بل في تحميل الشيء وظيفة نفسية أكبر من قدرته. وعندما يحدث ذلك، يصبح فقدان الشيء مساوياً في مخيلتنا لفقدان الحياة نفسها، مع أن الحياة أوسع بكثير من ذلك العنصر.

ولعل أكثر ما يكشف هذا الوهم هو اختلاف البشر في تقدير الشيء نفسه. شخص يرى الزواج شرطاً للمعنى، وآخر يراه قيداً، وثالث يراه تجربة جميلة لا تستحق أن تكون مركز الكون. شخص يعتقد أن المال هو الطمأنينة، وآخر يكتشف أن القلق لم يغادره. وشخص يظن أن وظيفة مرموقة ستمنحه احترام الذات، ثم يكتشف أن الإنجاز الخارجي لا يعالج بالضرورة فراغاً داخلياً. لذلك لا يمكن أن تكون السعادة نتيجة ميكانيكية لامتلاك الأشياء، فالشيء يدخل إلى النفس محمولًا على تاريخها وتوقعاتها ومخاوفها، وطريقة تفسيرها لما يحدث.

لهذا تصبح السعادة ظاهرة اجتماعية بقدر ما هي تجربة فردية. نحن لا نختار دائماً ما نعتقد أنه سيجعلنا سعداء من داخلنا، وبإرادتنا الحرة وحدها، المجتمع يعلّمنا منذ الطفولة ما الذي ينبغي أن نرغبه، ومتى ينبغي أن نشعر بأننا نجحنا. يضع أمامنا سلّماً جاهزاً مثل شهادة، وظيفة، زواج، بيت، أبناء، مكانة، دخل، ثم يترك لنا مهمة الصعود. المشكلة ليست في هذه الأشياء، بل في تحويلها إلى معيار وحيد للحياة الجيدة. عندئذ يبدأ الإنسان في مقارنة حياته بمخطط اجتماعي لا يشبه بالضرورة حاجاته العميقة، فيشعر بالنقص لأنه يقيس حياته بما قيل له إن عليه أن يملكه.

لهذا تتصل فكرة (وهم التركيز) بآلية أكثر خفاء وهي المقارنة. فالإنسان لا يرى سعادته مباشرة، بل يراها أحياناً من خلال الآخرين. ينظر إلى من تزوج فيظن أن الزواج هو النقص الذي ينقصه، وينظر إلى من جمع المال فيظن أن المال هو الحل، ويرى من سافر أو نجح أو اشتهر فيعيد تفسير حياته على ضوء ما لدى الآخر. وسائل التواصل الاجتماعي ضاعفت الظاهرة، إذ تقدم نتائج الآخرين دون كواليسهم، فتجعل السعادة تبدو صورة مكتملة. ويتساءل القارىء بعد هذا هل أنا بخير؟ ولماذا لا أعيش مثلهم؟ وهذه نقلة خطيرة، لأنها تستبدل التجربة الشخصية بمشهد اجتماعي مصمم بعناية.والأكثر عمقًا في المسألة هو أن الإنسان لا يعتاد النعمة فقط، بل يعيد بناء توقعاته حولها. ما كان حلماً قد يصبح بعد امتلاكه أمراً عادياً، وما كان سبباً للفرح قد يتحول إلى خط أساس جديد يطالب بالمزيد. ولهذا تبدو بعض أشكال السعادة قصيرة العمر رغم أن موضوعها لم يتغير. المشكلة ليست بالضرورة في الشيء، بل في قدرة الوعي على الاعتياد. نحن نستهلك المفاجأة بسرعة، ثم نطالب الحياة بمفاجأة أخرى. وقد يظن الإنسان أن سعادته ناقصة، فيطارد جديداً ، بينما حاجته الحقيقية إعادة اكتشاف علاقته بما يمتلكه.
كما تبرز قيمة التكيف، لا بوصفه استسلاماً، وإنما بوصفه إحدى القوى التي تحمي الإنسان من عبودية التوقع. الإنسان القادر على التكيف يستطيع أن يعيد ترتيب معنى حياته حين تتغير الظروف. فإذا فقد وظيفة، لم يفقد بالضرورة قيمته؛ وإذا لم يتزوج، لم يفقد إمكانية الحب، وإذا لم يحصل على المال الذي تخيله، لم يصبح عاجزاً عن بناء حياة ذات معنى أو كرامة. التكيف لا يلغي الألم، لكنه يمنع الألم من تفسير الحياة كلها. إنه يمنح النفس قدرة على إنتاج بدائل للمعنى، وهذه القدرة قد تكون أثمن من امتلاك الظرف المثالي.
إن العبارة التي تقول إن (لا يوجد معادلة ثابتة مؤكدة للسعادة) تحمل نتيجة اجتماعية شديدة الأهمية. المجتمع الذي يبيع معادلة واحدة للسعادة ينتج، بالضرورة، أشكالًا من الفشل الوهمي. من لا يتزوج في الوقت المتوقع يشعر أنه متأخر، ومن لا يملك المال يشعر أنه أقل قيمة، ومن لا يحقق النجاح المهني يشعر أنه أخفق كإنسان، حتى لو كان يعيش علاقات غنية أو يملك سلاماً داخلياً. وأخطر ما تفعله المعايير الموحدة أنها تحول اختلاف البشر إلى عيوب، والمسارات الفردية إلى أخطاء، لمجرد أنها لا تطابق النموذج السائد.

كما تكشف الفكرة أن السعادة ليست كمية مخزنة داخل الإنسان، بل قدرة على توزيع الانتباه. حين ينهار جانب واحد من الحياة، يستطيع الإنسان الذي بنى وجوده على عدة دوائر أن يحزن دون أن ينهار بالكامل. لديه صداقة، وأسرة، وفضول، وعمل، وفن، وذاكرة، وطبيعة، ومشروع، وربما فلسفة تمنحه إطاراً للفهم. هذه الدوائر لا تمنع الجرح، لكنها تمنعه من احتلال الخريطة كلها. ولذلك قد تكون الحكمة في الحياة ليست أن نعثر على أكبر مصدر للسعادة، بل أن نبني حياة لا يستطيع غياب مصدر واحد أن يطفئها بأكملها.

يؤكد كين موغي في كتابه أن السعادة لا تكمن في أن تصبح الحياة مطابقة لما نريد، بل في أن يصبح وعينا قادراً على رؤية الحياة بأكثر من عدسة واحدة. إن (السعادة مرتبطة بتقبل النفس كما هي) ليست دعوة إلى الرضا السلبي، بل إلى المصالحة مع حقيقة أن الإنسان ناقص، وظروفه متغيرة، وأن ما يريده اليوم قد لا يحتاجه غداً في لحظة مختلفة من حياته. فهل نستطيع أن نجد سعادتنا حتى حين يتغيّر ما ظنناه يوماً معنى حياتنا؟