

اليمن يعود إلى الحرب.. وإيران منشغلة بأزماتها والمبعوث الأممي أمام أصعب اختبار للحياد
لم تعد صنعاء بعيدة كما كانت قبل أسابيع.
ولا يبدو اليمن اليوم كما بدا طوال سنوات الهدنة الهشة، حين تجمدت الجبهات تقريباً، وبقي الحوثيون يحتفظون بما أخذوه بالسلاح، فيما كان العالم ينتظر سلاماً لم يصل.
في الثامن من أيلول/سبتمبر، أعلنت القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً هجمات مضادة على عدة جبهات، وقال مسؤول في وزارة الدفاع إن القرار اتُخذ لاستعادة صنعاء.
الجوف والبيضاء وتعز والحديدة عادت إلى واجهة الحرب، فيما تحدثت القوات الحكومية عن مكاسب ميدانية، بعد أن كان الحوثيون قد حاولوا التقدم باتجاه المخا وباب المندب.
لا يعني ذلك أن صنعاء ستسقط غداً، ولا أن الحوثيين انهاروا.
فالجماعة ما زالت تسيطر على العاصمة ومناطق واسعة ومكتظة بالسكان، وتمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على نقل المعركة خارج الحدود. وقد أثبتت ذلك مجدداً بهجمات على جنوب السعودية أدت، بحسب السلطات السعودية، إلى إصابة العشرات وتعطيل عمليات في بعض منشآت الطاقة.
لكن شيئاً تغير.
للمرة الأولى منذ سنوات لم يعد السؤال فقط: إلى أين سيتقدم الحوثي؟
بل أصبح ممكناً أن نسأل:
إلى أي مدى يمكن دفعه إلى الخلف؟
إيران التي تقاتل من أجل نفسها
لا يمكن قراءة هذا التحول من داخل اليمن وحده.
فخلف الحوثيين تقف إيران التي ساعدتهم طوال سنوات، لكن إيران 2026 ليست إيران السنوات التي بنت فيها ما سمي بـ«محور المقاومة» وهي تنقل السلاح والمال والخبرة إلى حلفائها من موقع أكثر راحة.
طهران نفسها تواجه اليوم حرباً وضغوطاً أمريكية وعقوبات وخنقاً متزايداً لصادراتها النفطية، إضافة إلى تضخم وتراجع العملة وارتفاع كلفة المعيشة.
وهنا يجب الحذر من استنتاج متسرع.
لا يوجد حتى الآن ما يكفي للقول إن الدعم الإيراني للحوثيين توقف، بل توجد تقارير تشير إلى استمرار دعم إيراني بالسلاح والمعلومات والخبرات.
لكن السؤال أصبح مشروعاً:
كم تستطيع دولة تقاتل لحماية اقتصادها ومنشآتها وممراتها البحرية أن تنفق على حلفائها خارج حدودها؟
فالوكيل يصبح أكثر استقلالاً عندما يضعف المركز، لكنه يصبح أيضاً أكثر انكشافاً عندما تقل قدرة ذلك المركز على تعويض خسائره.
وقد يكون الحوثيون أمام هذا الاختبار للمرة الأولى بهذا الحجم.
من باب المندب إلى صنعاء
المعركة الحالية لا تدور حول مدينة يمنية فقط.
الحوثيون حاولوا أخيراً توسيع الضغط باتجاه الساحل الغربي والمخا وباب المندب، بعد إعلانهم حصاراً بحرياً على السفن السعودية.
وهنا تتجاوز الحرب حدود اليمن.
فبعد اضطراب مضيق هرمز، أصبح البحر الأحمر وطريق السعودية إلى موانئها الغربية أكثر أهمية لتجارة الطاقة. وبالتالي فإن وجود قوة مسلحة مرتبطة بإيران قرب باب المندب يمنح طهران وحليفها اليمني ورقة استراتيجية تتجاوز بكثير الصراع الداخلي.
لهذا فإن الجوف مهمة لأنها تفتح الطريق باتجاه صنعاء وصعدة.
والحديدة والمخا مهمتان لأن خلفهما البحر.
واليمن كله يعود فجأة من حرب منسية إلى قلب معادلة الطاقة والممرات البحرية في الشرق الأوسط.
ولكن أين يقف المبعوث الأممي؟
هنا تبدأ القصة الأكثر حساسية.
في السابع من أيلول، أصدر المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ بياناً بشأن التصعيد.
وكان واضحاً في تحديد نقطة البداية، إذ قال إن الهجمات الأخيرة التي شنتها أنصار الله على عدة جبهات أدت إلى تصاعد حدة الاشتباكات.
وهذه نقطة مهمة ينبغي عدم تجاهلها.
لكن المبعوث انتقل بعد ذلك إلى دعوة «الأطراف» إلى وقف الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس والعودة إلى قنوات خفض التصعيد.
وهو موقف مفهوم من وسيط أممي مهمته منع الحرب.
لكنه يفتح سؤالاً سياسياً بالغ الحساسية:
متى يصبح الحياد بين طرفين مساواة بين أفعال ليست متساوية؟
وإذا حاول طرف تغيير خطوط التماس بالقوة، ثم جاءت الدعوة الدولية عند الهجوم المضاد لتطلب من الجميع وقف القتال، فهل يحمي وقف النار المدنيين فقط، أم يحمي أيضاً الخريطة التي صنعتها القوة؟
هذا السؤال لا يعني اتهام غروندبرغ بالانحياز إلى الحوثيين.
لا توجد أدلة تسمح بمثل هذا الاتهام.
لكن من حق اليمنيين أن يسألوا عن نتائج الوساطة، لا عن نيات الوسيط فقط.
73 موظفاً في السجون
وتصبح المسألة أكثر غرابة عندما ننظر إلى علاقة الحوثيين بالأمم المتحدة نفسها.
بحسب الأمم المتحدة، كان 73 من موظفيها ما يزالون محتجزين تعسفياً لدى سلطات الحوثيين حتى حزيران/يونيو الماضي.
أحد موظفي المنظمة مات أثناء الاحتجاز، وبعض المحتجزين ظلوا معزولين عن العالم الخارجي.
ولم يتوقف الأمر عند الأشخاص.
في كانون الثاني/يناير دخل الحوثيون ما لا يقل عن ستة مكاتب تابعة للأمم المتحدة في صنعاء، وأخذوا معدات اتصالات ومركبات ونقلوها إلى مكان مجهول، بحسب الأمم المتحدة.
كما واجهت الرحلات الجوية الإنسانية الأممية قيوداً، واضطرت المنظمة إلى نقل قاعدة المنسق المقيم إلى عدن.
أي أننا أمام جماعة تحتجز موظفي المنظمة الدولية، وتقتحم مكاتبها، وتصادر معداتها، ثم تبقى المنظمة نفسها وسيطاً أساسياً في عملية السلام معها.
وهذا يخلق مفارقة يصعب تجاوزها:
كيف يمكن للأمم المتحدة أن تفاوض بحرية طرفاً يحتجز موظفي الأمم المتحدة؟
والأصعب:
هل تستطيع المنظمة ممارسة الضغط السياسي الكامل على طرف تظل في الوقت نفسه بحاجة إلى موافقته للوصول إلى ملايين المدنيين الموجودين في المناطق التي يسيطر عليها؟
ربما هنا تكمن إحدى مشكلات الوساطة اليمنية التي لا يقال عنها الكثير.
سلام أم تجميد للحرب؟
منذ هدنة 2022، عاش اليمن حالة غريبة.
الحرب الكبرى توقفت إلى حد بعيد، لكنها لم تنته.
الدولة لم تستعد صنعاء.
الحوثيون لم يتحولوا إلى حزب سياسي منزوع السلاح.
الاقتصاد ظل منقسماً.
المؤسسات ظلت مجزأة.
والعملية السياسية لم تنتج التسوية التي كان يفترض أن تفتح الهدنة الطريق إليها.
بل إن غروندبرغ نفسه أقر أمام مجلس الأمن في آب/أغسطس بأن الهدنة كانت وسيلة وليست غاية، وأن خارطة الطريق لم تنضج إلى عملية سياسية.
وهنا يظهر السؤال الذي ستفرضه المعارك الحالية بقوة:
هل كانت سنوات الهدوء طريقاً إلى السلام، أم تحولت تدريجياً إلى تثبيت للأمر الواقع؟
لأن السلام الذي يوقف إطلاق النار من دون معالجة مصدر القوة والسلاح والسلطة الموازية يمكن أن يمنع الموت اليوم، لكنه قد يؤجل الحرب إلى الغد.
وهذا ما يبدو أننا نشاهده الآن.
اختبار غروندبرغ
المبعوث الأممي أمام اختبار ربما يكون الأصعب منذ توليه مهمته.
ليس المطلوب منه تشجيع الحرب، ولا منح أي طرف تفويضاً مفتوحاً لاستخدام القوة.
فاليمن دفع من الدم والجوع والنزوح ما يكفي.
لكن الوساطة تحتاج أيضاً إلى وضوح سياسي.
لا يمكن أن تصبح عبارة «ضبط النفس» بديلاً دائماً عن تحديد من بدأ التصعيد، ومن يعرقل العملية السياسية، ومن يحتجز موظفي الأمم المتحدة، ومن يهدد الملاحة الدولية.
فالحياد لا يعني أن يقف الوسيط في منتصف المسافة الحسابية بين الطرفين.
الحياد يعني أن يقف على المسافة نفسها من القواعد التي يجب أن يلتزم بها الطرفان.
ومن يخالفها يجب أن يسمع ذلك بوضوح.
اليمن أمام لحظة مختلفة
ليس من الممكن اليوم الجزم بأن الحوثيين يتجهون إلى هزيمة عسكرية.
وقد يكون من المبكر جداً الحديث عن معركة صنعاء.
فالطريق طويل، والحرب اليمنية أثبتت مراراً قدرتها على خداع من يعتقد أنه يستطيع حسمها سريعاً.
لكن الواضح أن التوازن الذي عاش عليه اليمن منذ 2022 بدأ يهتز.
إيران تواجه ضغوطاً لم تعرفها بهذه الصورة منذ سنوات.
السعودية تتعرض مجدداً لهجمات حوثية.
باب المندب أصبح أكثر أهمية بعد أزمة هرمز.
والقوات الحكومية تحاول للمرة الأولى منذ فترة طويلة نقل الحرب من الدفاع عن خطوطها إلى الحديث علناً عن استعادة العاصمة.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط ماذا سيفعل الحوثيون.
هناك سؤال يجب أن يوجَّه أيضاً إلى المجتمع الدولي:
إذا تغير ميزان القوة على الأرض، هل تسمح عملية السلام بأن تتغير معه شروط التسوية، أم تتحول الدبلوماسية إلى حارس لخريطة صنعتها الحرب؟
اليمن يحتاج إلى السلام بالتأكيد.
لكنه يحتاج إلى سلام يعيد الدولة، لا إلى هدنة تمنح كل طرف الوقت ليستعد للجولة التالية.
وإذا كان المبعوث الأممي يريد إنقاذ العملية السياسية، فإن أصعب ما سيواجهه الآن ليس إقناع المتحاربين بوقف النار.
بل إقناع اليمنيين بأن السلام الذي يعرضه عليهم لن يكون مجرد اسـم آخر لبقاء الأمر الواقع.
المصادر
1. مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، 7 أيلول/سبتمبر 2026: بيان هانس غروندبرغ بشأن التصعيد الأخير، وفيه نسب بداية التصعيد إلى هجمات أنصار الله على عدة جبهات ودعا جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية.
2. مكتب المبعوث الأممي، إحاطة مجلس الأمن، 13 آب/أغسطس 2026: تحذير من أعلى خطر للعودة إلى حرب واسعة منذ هدنة 2022، والإقرار بأن الهدنة كانت وسيلة للوصول إلى تسوية وأن خارطة الطريق لم تتحول إلى عملية سياسية.
3. الأمم المتحدة، 10 حزيران/يونيو 2026: تأكيد استمرار الاحتجاز التعسفي لـ73 موظفاً أممياً لدى سلطات الحوثيين ووفاة موظف أثناء الاحتجاز.
4. مجلس الأمن، 5 حزيران/يونيو 2026: إدانة احتجاز الحوثيين لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات والمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.
5. Reuters، 30 كانون الثاني/يناير 2026: استيلاء الحوثيين على معدات اتصالات ومركبات من ستة مكاتب أممية في صنعاء والقيود على العمليات الإنسانية.
6. Reuters، 8 أيلول/سبتمبر 2026: الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية وإصابة 73 شخصاً وتعطل عمليات في بعض منشآت الطاقة، بالتزامن مع الهجوم المضاد للقوات الحكومية.
7. تقارير ميدانية، 8 أيلول/سبتمبر 2026: تقدم القوات الحكومية على جبهات الجوف والبيضاء وتعز والحديدة وإعلان مسؤول بوزارة الدفاع أن الهدف هو استعادة صنعاء، مع بقاء الادعاءات الميدانية المتبادلة بحاجة إلى تحقق مستقل.
8. Reuters، 24 تموز/يوليو 2026: تصاعد الاستعدادات العسكرية في اليمن، ارتباط باب المندب بأزمة هرمز، واستمرار الدعم الإيراني للحوثيين ضمن الصراع الإقليمي.