المسيحيون العراقيون.. الهجرة والعودة:من الأقوال إلى الأفعال-د.ليون برخو

كثر‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬المسؤولين‭ ‬العراقيين‭ ‬عن‭ ‬رغبتهم‭ ‬الصادقة‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬المسيحيين‭ ‬العراقيين‭ ‬الذين‭ ‬غادروا‭ ‬البلاد،‭ ‬وعن‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مسيحييه‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬فسيفساؤه‭ ‬الحضارية‭ ‬والإنسانية‭ ‬الجميلة‭. ‬وقد‭ ‬صدرت‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬عن‭ ‬السيد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬علي‭ ‬الزيدي،‭ ‬كما‭ ‬كررها‭ ‬مراراً‭ ‬السيد‭ ‬محافظ‭ ‬نينوى‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الدخيل،‭ ‬وعبّر‭ ‬عنها‭ ‬أيضاً‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬السيد‭ ‬مسعود‭ ‬بارزاني‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬العراقيين‭ ‬بأبناء‭ ‬الوطن‭ ‬المهاجرين،‭ ‬مسيحيين‭ ‬كانوا‭ ‬أم‭ ‬غير‭ ‬مسيحيين،‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬يستحق‭ ‬التقدير‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬التصريحات‭ ‬والنوايا‭ ‬الحسنة،‭ ‬لأن‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬لصالح‭ ‬الوجود‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬فقبل‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬مصير‭ ‬المسيحيين‭ ‬العراقيين‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬مصير‭ ‬اليهود‭ ‬العراقيين،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬للدولة‭ ‬من‭ ‬التحرك‭ ‬السريع‭ ‬والجاد‭.‬

لقد‭ ‬غادر‭ ‬اليهود‭ ‬العراقيون‭ ‬وطنهم‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬قاهرة‭ ‬دفعتهم‭ ‬إلى‭ ‬الرحيل،‭ ‬وكثير‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬يحن‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬ويستذكر‭ ‬أيامه‭ ‬فيه‭ ‬بكل‭ ‬محبة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬يتحسرون‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الشريحة‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭. ‬ولو‭ ‬بقي‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬لربما‭ ‬تجاوز‭ ‬عددهم‭ ‬اليوم‭ ‬المليون‭ ‬نسمة‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬ولكان‭ ‬لهم‭ ‬شأن‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬والتعليم‭ ‬والفنون‭ ‬وسائر‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬برعوا‭ ‬فيها‭ ‬وأسهموا‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬بلادهم‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬اليهود‭ ‬العراقيين‭ ‬قبل‭ ‬هجرتهم‭ ‬يناهز‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف،‭ ‬فإن‭ ‬عدد‭ ‬المسيحيين‭ ‬العراقيين‭ ‬كان‭ ‬يتجاوز‭ ‬المليون‭ ‬ونصف‭ ‬المليون‭ ‬نسمة،‭ ‬وكان‭ ‬لهم‭ ‬دور‭ ‬وطني‭ ‬وحضاري‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬وتأثيراً‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬وبحسب‭ ‬أغلب‭ ‬التقديرات،‭ ‬فلم‭ ‬يبق‭ ‬منهم‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬ربع‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭ ‬أو‭ ‬أقل‭.‬

ولن‭ ‬نبتعد‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬إذا‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المسيحيين‭ ‬الذين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬تفكر‭ ‬بالهجرة‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬سنحت‭ ‬لها‭ ‬الفرصة،‭ ‬وذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬متعددة‭ ‬ومعروفة‭ ‬للمسؤولين‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬وتقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬ملموسة‭ ‬وحقيقية،‭ ‬فلن‭ ‬يعود‭ ‬الذين‭ ‬غادروا،‭ ‬ولن‭ ‬يبقى‭ ‬الذين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬الوطن‭.‬

ويتركز‭ ‬الوجود‭ ‬المسيحي‭ ‬اليوم‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬نينوى‭ ‬وفي‭ ‬محافظات‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬دهوك‭ ‬وأربيل‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬أو‭ ‬محافظ‭ ‬نينوى‭ ‬أو‭ ‬قيادة‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬جادين‭ ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬وقف‭ ‬نزيف‭ ‬الهجرة‭ ‬وتشجيع‭ ‬العودة،‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الضرورية‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬اتخاذها،‭ ‬وإلا‭ ‬بقيت‭ ‬التصريحات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التمنيات‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬السياسات‭ ‬الفاعلة‭.‬

أول‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأرض‭. ‬فهل‭ ‬ستعمل‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬وأربيل‭ ‬ودهوك‭ ‬ونينوى‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬واللغوي‭ ‬والتراثي‭ ‬لمناطق‭ ‬الوجود‭ ‬المسيحي‭ ‬التاريخية؟‭ ‬وهل‭ ‬ستتخذ‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬لإعادة‭ ‬الأراضي‭ ‬المتنازع‭ ‬عليها‭ ‬إلى‭ ‬أصحابها‭ ‬الشرعيين‭ ‬ومنع‭ ‬مصادرتها‭ ‬أو‭ ‬توزيعها‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬ديمغرافيتها‭ ‬تحت‭ ‬ذرائع‭ ‬مختلفة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬زراعية‭ ‬أو‭ ‬أميرية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك؟

أما‭ ‬الإجراء‭ ‬الثاني‭ ‬فيتعلق‭ ‬بمنح‭ ‬مناطق‭ ‬الوجود‭ ‬المسيحي‭ ‬التاريخية‭ ‬صلاحيات‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونها‭ ‬الثقافية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والمحلية‭. ‬فالحفاظ‭ ‬على‭ ‬المسيحيين‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬السريانية‭ ‬وتراثها‭ ‬وآدابها‭ ‬وفنونها،‭ ‬وضمان‭ ‬استمرار‭ ‬تعليمها‭ ‬وممارستها‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬جزءاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬من‭ ‬تاريخها‭.‬

ويتطلب‭ ‬الإجراء‭ ‬الثالث‭ ‬إطلاق‭ ‬مبادرة‭ ‬وطنية‭ ‬جادة‭ ‬ومعلنة‭ ‬لعودة‭ ‬المهاجرين،‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬رسمية‭ ‬صادرة‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬المستويات‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬والحكومة‭ ‬الاتحادية‭ ‬وحكومة‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان،‭ ‬وتتضمن‭ ‬التزامات‭ ‬واضحة‭ ‬ومتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والعائدين‭ ‬تضمن‭ ‬لهم‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬ممتلكاتهم‭ ‬وحقوقهم‭.‬

أما‭ ‬الإجراء‭ ‬الرابع‭ ‬فيتعلق‭ ‬بالتمثيل‭ ‬السياسي‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمسيحيين‭. ‬فالكوتا‭ ‬المخصصة‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬الاتحادي‭ ‬وبرلمان‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬إرادتهم‭ ‬الفعلية،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬عرضة‭ ‬لتأثير‭ ‬الأحزاب‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬توظفها‭ ‬لخدمة‭ ‬مصالحها‭ ‬السياسية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬آليات‭ ‬التمثيل‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المقاعد‭ ‬معبرة‭ ‬حقاً‭ ‬عن‭ ‬أبناء‭ ‬المكونات‭ ‬التي‭ ‬خُصصت‭ ‬لها‭.‬

ويتمثل‭ ‬الإجراء‭ ‬الخامس‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬هيئة‭ ‬أو‭ ‬مديرية‭ ‬عامة‭ ‬اتحادية‭ ‬تتمتع‭ ‬بتمويل‭ ‬كافٍ‭ ‬وصلاحيات‭ ‬واضحة‭ ‬لرعاية‭ ‬اللغة‭ ‬السريانية‭ ‬والثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬والتراث‭ ‬السرياني‭. ‬فالثقافة‭ ‬السريانية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬السماح‭ ‬بتراجعها‭ ‬أو‭ ‬اندثارها،‭ ‬لأنها‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الحضاري‭ ‬العراقي‭ ‬والرافديني،‭ ‬وإحياؤها‭ ‬وحمايتها‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مسؤولية‭ ‬أبناء‭ ‬هذه‭ ‬المكونات‭.‬

أما‭ ‬الإجراء‭ ‬السادس‭ ‬والأخير،‭ ‬فيقضي‭ ‬بتشكيل‭ ‬مؤسسة‭ ‬أو‭ ‬لجنة‭ ‬حكومية‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى‭ ‬تُعنى‭ ‬بشؤون‭ ‬المغتربين‭ ‬العراقيين‭ ‬عموماً،‭ ‬وبشؤون‭ ‬المسيحيين‭ ‬والإيزيديين‭ ‬والصابئة‭ ‬المندائيين‭ ‬وسائر‭ ‬الأقليات‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬للظلم‭ ‬والتهجير‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭. ‬وتكون‭ ‬مهمتها‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الجاليات،‭ ‬ومعالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها،‭ ‬ووضع‭ ‬برامج‭ ‬عملية‭ ‬تشجع‭ ‬أبناءها‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ارتباطهم‭ ‬بوطنهم،‭ ‬بل‭ ‬والعودة‭ ‬إليه‭ ‬متى‭ ‬توافرت‭ ‬الظروف‭ ‬المناسبة‭.‬

إن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ليس‭ ‬قضية‭ ‬تخص‭ ‬المسيحيين‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قضية‭ ‬عراقية‭ ‬بامتياز‭. ‬فالعراق‭ ‬الذي‭ ‬يفخر‭ ‬بتنوعه‭ ‬الحضاري‭ ‬والديني‭ ‬والثقافي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يخسر‭ ‬أحد‭ ‬مكوناته‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخسر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ذاته‭ ‬وذاكرته‭ ‬وهويته‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬مستقبل‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬لن‭ ‬يُصان‭ ‬بالخطابات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بإرادة‭ ‬سياسية‭ ‬حقيقية‭ ‬تترجم‭ ‬الأقوال‭ ‬إلى‭ ‬أفعال،‭ ‬والوعود‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬ملموسة‭ ‬على‭ ‬الأرض