

موسكو وكييف تحت النار: حرب المدن تفتح جبهة جديدة
صباح نوري العجيلي
دخلت الحرب الروسية–الأوكرانية عامها الخامس، من دون بوادر حاسمة وقريبة لإنهاء الصراع، في ظل استمرار القتال والاستنزاف على جبهات عدة. ومع استمرار الجمود النسبي في بعض المحاور، أخذت الحرب تنتقل بصورة متزايدة إلى العمق الاستراتيجي بخاصة استهداف العواصم موسكو وكييف بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتختلف حرب المدن عن المعارك التقليدية على خطوط الجبهة؛ فهي لا تستهدف القوات فقط، بل تمتد إلى مراكز القيادة والسيطرة، البنية التحتية، منشئات الطاقة، المطارات، والمراكز الصناعية، وشبكات النقل والاتصالات، فضلاً عن تأثيرها في معنويات السكان وعلى قدرة الدولة على مواصلة إدارة الحرب. وبذلك لم تعد المدن الكبرى بعيدة عن مسرح العمليات، بل أصبحت جزءاً من معادلة الردع والاستنزاف والضغط السياسي والنفسي.
موسكو تحت نيران المسيّرات الأوكرانية:
تمثل الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي تحولاً مهماً في طبيعة الحرب، إذ أصبحت المسيّرات بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى مسافات عميقة داخل الأراضي الروسية، وفرض تهديد متكرر على موسكو ومدن أخرى.
وقد أعلنت السلطات الروسية في مناسبات عديدة إسقاط أعداد كبيرة من المسيّرات الأوكرانية، فيما شهدت مناطق روسية، بما فيها محيط العاصمة، هجمات متكررة. وبغض النظر عن حجم الأضرار المباشرة، فإن الأهمية الاستراتيجية لهذه الهجمات تتجاوز نتائجها المادية؛ فهي تؤكد أن العمق الروسي لم يعد بمنأى عن الحرب، وأن موسكو، بما تمثله من مركز سياسي واقتصادي ورمزي، أصبحت جزءاً من معادلة الاستهداف.
وتبرز هنا أهمية المسيّرات باعتبارها سلاحاً مؤثراً في حرب المدن؛ فهي أقل كلفة نسبياً من الصواريخ، ويمكن إنتاجها بأعداد كبيرة وإطلاقها في موجات متتابعة، بما يفرض على الدفاعات الجوية حالة إنذار مستمرة، ويستهلك جزءاً من قدراتها وذخائرها، ويجبرها على حماية مساحة جغرافية واسعة.
كما أن تأثيرها لا يقتصر على إصابة الأهداف، بل يمتد إلى خلق حالة من عدم اليقين والضغط النفسي، وإثبات قدرة المهاجم على اختراق المسافات والوصول إلى مناطق كانت تُعد سابقاً آمنة نسبياً
كييف في مرمى الصواريخ والمسيّرات؛
في المقابل، تواصل روسيا استخدام مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة لضرب كييف ومدن أوكرانية أخرى.
وتكتسب كييف أهمية استثنائية باعتبارها مركز القرار السياسي والإداري والاقتصادي للدولة الأوكرانية، ولذلك فإن استهدافها يحمل أبعاداً عسكرية وسياسية ونفسية في آن واحد.
كما ترفع الضربات المتواصلة كلفة الحرب على السكان، وتضغط على منظومات الدفاع الجوي والطاقة والخدمات، وتجعل الحياة اليومية جزءاً من معركة الاستنزاف. وتسعى روسيا، إلى جانب التأثير العسكري المباشر، إلى إضعاف البنية التحتية الحيوية وتعطيل الخدمات وإجبار أوكرانيا على تخصيص موارد كبيرة لحماية المدن والمنشآت الحيوية بدلاً من تركيز كامل إمكاناتها على جبهات القتال.
العواصم في حرب الاستنزاف:
أصبحت موسكو وكييف وجهين لمعركة واحدة؛ فكل طرف يحاول نقل الحرب إلى عمق الطرف الآخر وإثبات أن لا أحد محصن من آثارها.
تحاول أوكرانيا، من خلال المسيّرات بعيدة المدى، تهديد العمق الروسي والمنشآت الاستراتيجية، بينما تستخدم روسيا الصواريخ والمسيّرات لضرب كييف والمدن والبنية التحتية الأوكرانية.
وبذلك توسعت الجبهة من خطوط التماس إلى المجال الحضري، وأصبحت العاصمة نفسها جزءاً من معركة الردع والاستنزاف والضغط النفسي. غير أن استهداف المدن لا يعني بالضرورة القدرة على إسقاط الدولة أو حسم الحرب.
فالمعيار الحقيقي لنجاح حرب المدن لا يتمثل في عدد الأهداف المدمرة فقط، وإنما في مدى تأثير الضربات في قدرة الدولة على العمل، واستمرار مؤسساتها، وحماية بنيتها التحتية، والحفاظ على معنويات السكان، ودعم قواتها في الجبهة.
المسيّرات والصواريخ تغيّر معادلة حرب المدن:
من أهم دروس الحرب الروسية–الأوكرانية أن المسيّرات غيّرت طبيعة الحرب في العمق الاستراتيجي. فلم تعد المسافة وحدها توفر الحماية للمدن الكبرى، إذ أصبح بالإمكان استخدام أعداد كبيرة من المسيّرات للوصول إلى العمق وتهديد أهداف بعيدة.
ولا يحتاج المهاجم دائماً إلى تدمير الهدف بالكامل؛ فقد يكون الهدف فرض تهديد مستمر، واستنزاف الدفاعات الجوية، وتعطيل الحياة الطبيعية، وإجبار الخصم على توزيع موارده الدفاعية على مساحة واسعة.
ومن هنا أصبحت المسيّرات أداة رئيسية في حرب الاستنزاف، ليس بسبب قدرتها التدميرية وحدها، وإنما لقدرتها على تنفيذ هجمات متكررة وبأعداد كبيرة وبتكلفة أقل نسبياً من الأسلحة الصاروخية التقليدية.
كما أن الجمع بين المسيّرات والصواريخ يزيد من صعوبة مهمة الدفاع الجوي، إذ يمكن استخدام أعداد كبيرة من الوسائط الأقل كلفة لإجبار المدافع على استهلاك وسائل اعتراض أكثر كلفة، أو تشتيت انتباهه وفتح ثغرات أمام أسلحة أخرى أكثر تأثيراً. وهنا تبرز إحدى معادلات الحرب الحديثة: قد لا تكون أهمية السلاح في كلفة إطلاقه فقط، وإنما في الكلفة التي يفرضها على الخصم لاعتراضه.
الخلاصة:
تقدم الحرب الروسية–الأوكرانية نموذجاً متقدماً لحرب المدن في عصر الصواريخ والمسيّرات. فلم تعد مهاجمة المدن تتطلب بالضرورة وصول القوات البرية إليها، بل أصبح بالإمكان الضغط عليها من مسافات بعيدة بضربات جوية وصاروخية ومسيّرة متواصلة.
لكن التدمير وحده لا يكفي لحسم الحرب أو إسقاط إرادة الدولة؛ فقد يؤدي الضغط العسكري والنفسي إلى التراجع في حالة، وإلى مزيد من المقاومة في حالة أخرى. ولذلك تكمن القيمة العسكرية لهذا النوع من العمليات في رفع كلفة الحرب، وإرباك مؤسسات الدولة، واستنزاف الدفاعات الجوية، وتعطيل البنية التحتية، والتأثير في المعنويات، وتحسين شروط التفاوض.
ومن هذا المنظور، فإن استهداف موسكو وكييف لا يمثل مجرد تبادل للضربات، بل يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الحرب؛ إذ أصبحت الجبهة الداخلية امتداداً مباشراً للجبهة العسكرية، وأصبحت المدن والعواصم والمنشآت الحيوية جزءاً من معادلة الردع والاستنزاف.
كما تؤكد هذه التطورات أن التفوق العسكري في الحروب الحديثة لا يعتمد فقط على امتلاك الأسلحة المتقدمة، وإنما على القدرة على حماية العمق الاستراتيجي، وتطوير الدفاعات الجوية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، والحفاظ على استمرارية الدولة تحت القصف.