أكبر‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬المرور‭ ‬

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

ما‭ ‬زرت‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬إلا‭ ‬ووجدت‭ ‬شوارعها‭ ‬مكتظة‭ ‬بالسيارات‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مخيف،‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬المرء‭ ‬يستطيع‭ ‬التنفس‭ ‬من‭ ‬الازدحام،‭ ‬ويخيل‭ ‬لي‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬قدميه‭ ‬ابداً‭.‬

السيارات‭ ‬تحولت‭ ‬علامات‭ ‬رفاهية‭ ‬وفشخرة‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬وسيلة‭ ‬للنقل‭ ‬الا‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬الدنيا‭.‬

الشوارع‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬هذه‭ ‬الاعداد‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬السيارات،‭ ‬فقد‭ ‬تضاعفت‭ ‬الاعداد‭ ‬ولم‭ ‬تتطور‭ ‬الشوارع‭ ‬والجسور‭ ‬بما‭ ‬يوازيها‭.‬

هناك‭ ‬عشرات‭ ‬الأسباب‭ ‬وراء‭ ‬اختناقات‭ ‬مرورية‭ ‬اغلبها‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬خطط‭ ‬كفيلة‭ ‬بتنظيم‭ ‬السير‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تقاطعات‭ ‬أمنية‭ ‬أو‭ ‬خدمية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭.‬

وفي‭ ‬النهاية‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬نفسه‭ ‬عاجزا‭ ‬عن أن‭ ‬تحميه‭ ‬اية‭ ‬جهة‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬الهدر‭ ‬بالوقت‭ ‬والصحة‭ ‬والمال‭ ‬في‭ ‬اختناقات‭ ‬السير،‭ ‬فيلجأ‭ ‬لصب‭ ‬جمام‭ ‬غضبه‭ ‬على‭ ‬شرطي‭ ‬المرور‭ ‬الذي‭ ‬تسلقه‭ ‬شمس‭ ‬الصيف‭ ‬وتعصف‭ ‬به‭ ‬رياح‭ ‬الشتاء‭.‬

وهكذا‭ ‬هو‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬ينسى‭ ‬المصائب‭ ‬الكبيرة‭ ‬او‭ ‬لعله‭ ‬لا‭ ‬يفكر‭ ‬بها‭ ‬أصلا،‭ ‬ويذهب‭ ‬الى‭ ‬اوطأ‭ ‬حائط‭ ‬ليتسلّقه‭ ‬ويعلن‭ ‬ادانته‭ ‬من‭ ‬فوقه‭ ‬لظاهرة‭ ‬او‭ ‬موقف‭ ‬او‭ ‬سلوك‭.‬

هناك‭ ‬بعض‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬آتت‭ ‬ثمارها،‭ ‬وهي‭ ‬التعددية‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬الخدمية‭ ‬والمعيشية‭ ‬داخل‭ ‬المدن‭ ‬الكبيرة،‭ ‬بما‭ ‬يوفر‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬الزحام‭ ‬للوصول‭ ‬الى‭ ‬خدمة‭ ‬او‭ ‬سلعة‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬الا‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬لتشريعات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬شراء‭ ‬السيارات‭ ‬وضرائبها‭ ‬حين‭ ‬تتجاوز‭ ‬الملكيات‭ ‬الخاصة‭ ‬العادية‭.‬

لعلي‭ ‬أوردت‭ ‬هذا‭ ‬المثال‭ ‬المروري‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬كحالة‭ ‬تخص‭ ‬أي‭ ‬مواطن‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬للعبور‭ ‬الى‭ ‬قضايا‭ ‬أكبر‭ ‬باتت‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬معالجتها‭ ‬او‭ ‬متخلفة‭ ‬وراءها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬تقدر‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬تنظيم‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بما‭ ‬يمثل‭ ‬حالة‭ ‬معقولة‭ ‬من‭ ‬المنطق،‭ ‬فلا‭ ‬يعقل‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬مائة‭ ‬حزب‭ ‬او‭ ‬اكثر‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬مائة‭ ‬مستشفى‭ ‬وليس‭ ‬لديه‭ ‬مائة‭ ‬مصنع‭ ‬او‭ ‬طائرة‭ ‬مدنية‭ ‬أو‭ ‬ناقلة‭ ‬نفط‭ ‬تجلب‭ ‬له‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة‭ ‬أو‭ ‬مائة‭ ‬مدرسة‭ ‬بمواصفات‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬او‭ ‬السويد‭ ‬او‭ ‬النرويج‭ ‬او‭ ‬المانيا‭ ‬او‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

أحزاب‭ ‬محنّطة‭ ‬وزعماء‭ ‬محنّطون‭ ‬ابديون‭ ‬ليسوا‭ ‬غير‭ ‬مؤمنين‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬الحزبية‭ ‬والسياسية وحسب،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يوفرون‭ ‬فرصة‭ ‬لها‭ ‬مطلقاً‭.‬

لا‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬راحة‭ ‬الانسان‭ ‬وهو‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بيته‭ ‬الى‭ ‬عمله،‭ ‬متجاهلين‭ ‬الهدر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭ ‬والمال‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬اوطاننا‭ ‬بطفيليات‭ ‬سياسية‭ ‬تأكل‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭ ‬تحت‭ ‬أغلفة‭ ‬شرعية‭ ‬ودستورية‭ ‬وتوافقية،‭ ‬سيمضي‭ ‬عقدان‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتشف‭ ‬الناس‭ ‬حجم‭ ‬الكذبة،‭ ‬وكيف‭ ‬انهم‭ ‬سقطوا‭ ‬في‭ ‬الهاوية‭ ‬وليسوا‭ ‬على‭ ‬حافتها‭. ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية