تطوافُ‭ ‬الغريب‭ ٣٤‬‬‮-حسن النواب

في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬أمضينا‭ ‬الوقت‭ ‬حتى‭ ‬الظهيرة‭ ‬نتجوّل‭ ‬في‭ ‬المولات‭ ‬الكبيرة،‭ ‬كأننا‭ ‬ننتقل‭ ‬بين‭ ‬متاجرٍ‭ ‬باذخةٍ‭ ‬لم‭ ‬نر‭ ‬مثلها‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأحلام‭. ‬تبضعنا‭ ‬بعض‭ ‬الحاجيات‭ ‬البسيطة،‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬مولات‭ ‬للبضاعة‭ ‬الصينية‭ ‬وأخرى‭ ‬للبضاعة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وكلُّ‭ ‬سوقٍ‭ ‬منها‭ ‬يرتفع‭ ‬بطوابقٍ‭ ‬لا‭ ‬تقلّ‭ ‬عن‭ ‬عشرة،‭ ‬كأن‭ ‬سنغافورة‭ ‬تبني‭ ‬أسواقها‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬ناطحاتٍ‭ ‬تتسلق‭ ‬الهواء‭. ‬الزحام‭ ‬شديد،‭ ‬والعملة‭ ‬النقدية‭ ‬هي‭ ‬الدولار‭ ‬السنغافوري‭ ‬الذي‭ ‬يقترب‭ ‬بثمنه‭ ‬من‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي،‭ ‬فلا‭ ‬تشعر‭ ‬بأنّ‭ ‬جيبك‭ ‬يتنفس‭ ‬كثيرًا‭. ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يغزونا‭ ‬التعب،‭ ‬قررنا‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سفينة‭ ‬الفضاء‮»‬‭. ‬صعدنا‭ ‬المترو‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬إليها،‭ ‬وكانت‭ ‬تذكرة‭ ‬الدخول‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬تبلغ‭ ‬خمسين‭ ‬دولارًا‭. ‬أخذنا‭ ‬مرشدٌ‭ ‬سياحي‭ ‬يرتدي‭ ‬بذلة‭ ‬سوداء‭ ‬موشّحة‭ ‬باللون‭ ‬الأصفر‭ ‬إلى‭ ‬رواق‭ ‬جانبي،‭ ‬وقبل‭ ‬دخولنا‭ ‬المصعد‭ ‬سألني‭: ‬

〝‭ ‬هل‭ ‬يشكو‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬ضغط‭ ‬الدم؟‭  ‬

استغربتُ‭ ‬السؤال،‭ ‬لكني‭ ‬أجبته‭ ‬بالنفي‭. ‬اتضح‭ ‬لي‭ ‬لاحقًا‭ ‬سبب‭ ‬استفساره،‭ ‬فالمصعد‭ ‬سيقودنا‭ ‬إلى‭ ‬الطابق‭ ‬التسعين‭! ‬خلال‭ ‬الصعود‭ ‬تغيّرت‭ ‬ملامح‭ ‬زوجتي،‭ ‬وارتجف‭ ‬لون‭ ‬وجهها‭ ‬كزهرةٍ‭ ‬باغتها‭ ‬الظلام،‭ ‬فعرفت‭ ‬أن‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‭ ‬قد‭ ‬نال‭ ‬منها‭. ‬أمسكتُ‭ ‬يدها‭ ‬حين‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬المصعد‭ ‬لتشعر‭ ‬بالأمان،‭ ‬بينما‭ ‬شهق‭ ‬الأولاد‭ ‬منذهلين‭ ‬كأنهم‭ ‬صعدوا‭ ‬إلى‭ ‬شرفةٍ‭ ‬قاب‭ ‬قوسين‭ ‬وأدنى‭ ‬من‭ ‬السماء‭. ‬كُنّا‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬السفينة‭ ‬المشيّدة‭ ‬فوق‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبراج‭ ‬شاهقة،‭ ‬وقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬شبكة‭ ‬زجاجية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للكسر‭ ‬من‭ ‬حوافها،‭ ‬كأنها‭ ‬جناحٌ‭ ‬شفاف‭ ‬يحمي‭ ‬الزائرين‭ ‬من‭ ‬السقوط‭. ‬رأينا‭ ‬مدينة‭ ‬سنغافورة‭ ‬حتى‭ ‬غاباتها‭ ‬البعيدة،‭ ‬والتقطنا‭ ‬الصور‭ ‬هناك؛‭ ‬كان‭ ‬المنظر‭ ‬خلّابًا‭ ‬حقًا‭. ‬لمحتُ‭ ‬سلالم‭ ‬حجرية‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حانة‭ ‬مكشوفة‭ ‬على‭ ‬ناصية‭ ‬الفندق،‭ ‬لكنها‭ ‬بقيت‭ ‬خارج‭ ‬حساباتي‭ ‬ما‭ ‬دمتُ‭ ‬بصحبة‭ ‬العائلة‭. ‬جلسنا‭ ‬على‭ ‬مصاطب‭ ‬من‭ ‬الصاج‭ ‬قرب‭ ‬الحاجز‭ ‬الزجاجي‭ ‬نتجاذب‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث،‭ ‬فسألتني‭ ‬زوجتي‭ ‬متحسّرة‭:‬

–‭ ‬متى‭ ‬نرى‭ ‬هذه‭ ‬البنايات‭ ‬العجيبة‭ ‬في‭ ‬بغداد؟‭  ‬

أجبتها‭ ‬ساخرًا‭:‬

〝‭ ‬عندما‭ ‬يبيض‭ ‬الديك‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬رحلتنا،‭ ‬خصصناه‭ ‬لزيارة‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬هوليود‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬تذكرة‭ ‬الدخول‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬الثمانين‭ ‬دولارًا‭. ‬أخذنا‭ ‬قطارًا‭ ‬معلقًا‭ ‬يمرّ‭ ‬فوق‭ ‬وادٍ‭ ‬سحيق‭ ‬يزدحم‭ ‬بالأشجار،‭ ‬فبدت‭ ‬الرحلة‭ ‬كأننا‭ ‬نطير‭ ‬فوق‭ ‬غابةٍ‭ ‬تحاول‭ ‬ابتلاع‭ ‬الضوء‭. ‬استغرق‭ ‬الوصول‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبع‭ ‬دقائق،‭ ‬لكنها‭ ‬دقائق‭ ‬مخيفة‭ ‬وأنت‭ ‬ترى‭ ‬ذلك‭ ‬العمق‭ ‬تحتك‭. ‬فوجئنا‭ ‬بزحام‭ ‬شديد‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭. ‬أول‭ ‬ما‭ ‬لفت‭ ‬أنظارنا‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬ببطء،‭ ‬بينما‭ ‬يقف‭ ‬الزائرون‭ ‬أمامها‭ ‬لالتقاط‭ ‬الصور،‭ ‬ورذاذ‭ ‬الماء‭ ‬يتناثر‭ ‬على‭ ‬وجوههم‭ ‬كتحيةٍ‭ ‬من‭ ‬الكوكب‭ ‬نفسه‭. ‬التقطنا‭ ‬الصور‭ ‬وانطلقنا‭ ‬نتجوّل‭ ‬في‭ ‬معالمها‭ ‬الساحرة‭. ‬قلت‭ ‬في‭ ‬سري‭: ‬‮«‬رجلٌ‭ ‬فطين‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬ابتكر‭ ‬مدينةً‭ ‬شبيهة‭ ‬بهوليود،‭ ‬تدرّ‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬‮»‬‭ ‬شجرةٌ‭ ‬عملاقة‭ ‬تلامس‭ ‬أغصانها‭ ‬الغيم‭ ‬واجهتنا‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬المعابد‭ ‬المصرية،‭ ‬بينما‭ ‬انتشرت‭ ‬الشخصيات‭ ‬الكارتونية‭ ‬بين‭ ‬الزحام‭. ‬ظلّ‭ ‬ولدي‭ ‬مُزكّى‭ ‬واقفًا‭ ‬بالطابور‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬ليلتقط‭ ‬صورة‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬**غرو**‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬*Despicable‭ ‬Me‭* ‬التي‭ ‬يعشقها،‭ ‬كأن‭ ‬الطفولة‭ ‬تُطالب‭ ‬بحقّها‭ ‬في‭ ‬الفرح‭. ‬ثم‭ ‬دخلنا‭ ‬مسرحًا‭ ‬يعرض‭ ‬الأوبرا‭ ‬بشكل‭ ‬مختصر،‭ ‬وصعدنا‭ ‬في‭ ‬قاربٍ‭ ‬صغير‭ ‬توغّل‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬كهفٍ‭ ‬شبه‭ ‬مظلم‭. ‬اكتشفنا‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬غابةً‭ ‬تضم‭ ‬الحيوانات‭ ‬الأليفة‭ ‬والمفترسة‭ ‬والطيور‭ ‬الجارحة‭ ‬والحشرات‭ ‬السامة‭. ‬فجأة‭ ‬خفقت‭ ‬أجنحةُ‭ ‬وطواطٍ‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسنا‭ ‬فصرخت‭ ‬زوجتي‭ ‬والأطفال،‭ ‬ثم‭ ‬اختفى‭ ‬في‭ ‬مغارةٍ‭ ‬مظلمة‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬تنفسنا‭ ‬الصعداء‭ ‬حتى‭ ‬واجه‭ ‬القارب‭ ‬شلالًا‭ ‬دافقًا‭ ‬يهطل‭ ‬بضراوة،‭ ‬فهتفت‭ ‬زوجتي‭: ‬‮«‬سيغرقنا‭!‬‮»‬‭ ‬لكنه‭ ‬توقف‭ ‬بغتةً‭ ‬عند‭ ‬وصول‭ ‬القارب‭ ‬إلى‭ ‬مصبّه،‭ ‬كأن‭ ‬الشلال‭ ‬نفسه‭ ‬يمارس‭ ‬معنا‭ ‬لعبةً‭ ‬ماكرة‭.‬‭ ‬أدركنا‭ ‬سرّ‭ ‬الكهف‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تشبّعنا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الخوف‭ ‬الجميل،‭ ‬خوفٌ‭ ‬طفولي‭ ‬يحرّك‭ ‬الدم‭ ‬في‭ ‬العروق‭ ‬ويمنح‭ ‬الجسد‭ ‬حيويةً‭ ‬جديدة‭. ‬نطَّ‭ ‬ضفدعٌ‭ ‬عملاق‭ ‬أمامنا،‭ ‬وسمعنا‭ ‬نعيب‭ ‬البوم‭ ‬وهي‭ ‬ترفرف‭ ‬حولنا‭. ‬دبٌّ‭ ‬ضخم‭ ‬صافح‭ ‬ولدي‭ ‬برفق،‭ ‬وأسَدٌ‭ ‬زأر‭ ‬من‭ ‬عرينه‭ ‬فتطايرت‭ ‬الطيور‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الكهف‭. ‬مناظر‭ ‬مروعة‭ ‬لكنها‭ ‬تثير‭ ‬الدهشة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬لم‭ ‬نشعر‭ ‬بزمن‭ ‬الرحلة‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬ساعة‭ ‬كاملة‭ ‬حتى‭ ‬خرجنا‭ ‬من‭ ‬الكهف‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬هوليود‭ ‬ثانية،‭ ‬وكانت‭ ‬وجوهنا‭ ‬مضيئة‭ ‬وثمة‭ ‬فرحٌ‭ ‬عجيب‭ ‬يغمر‭ ‬قلوب‭ ‬العائلة‭.‬

يتبع‮…‬‭  ‬

*‭ ‬ولدي‭ ‬مُزكّى‭ ‬مع‭ ‬الشخصية‭ ‬الكارتونية‭ ‬‮«‬غرو‮»‬‭.‬

حسن‭ ‬النواب