

قصيدة أنا وليلى للشاعر الموصلي الراحل إدهام هادي 1940-1974 وقصتها وقصة ديوانه ..الريح والقصب
إبراهيم خليل العلاف
تشرفتُ بزيارة الاخ الاستاذ الدكتور أحمد صالح عبوش رئيس قسم التاريخ السابق في كلية التربية والعلوم الانسانية – جامعة الموصل ، وهو من تلاميذي برفقة الاخ الدكتور عباس الأغا صاحب مكتبة ودار نشر ( حرف) في الموصل .
وخلال الزيارة أهداني نسخة من كتابه الجديد الموسوم ( أنا وليلى في ميزان الحقيقة) ، وقد نشر فيه برفقة الاخ والصديق الناقد الاستاذ احمد الحاج ديوان الشاعر الراحل إدهام هادي مع دراسة وتحقيق .
ومما اكد عليه الاخوان الكريمان أن قصيدة ( أنا وليلى) التي غناها القيصر كاظم الساهر ، ليست للشاعر حسن المرواني ، وانما للشاعر إدهام هادي . وكما ترون الى جانب هذه السطور فالكاتبان تحققا من ذلك ، واصدرا كتابهما بعد دراسة وتقصي ونجاح في الوصول الى جزء من ديوان هذا الشاعر الذي تعجل الرحيل .

اقرأ في (موسوعة شعراء الموصل في العصر الحديث 1900-2017) للمرحوم الاستاذ ماجد حامد محمد الحسيني ، وكان لي شرف كتابة تقديم له وصدر عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع في الموصل سنة 2018 عن الشاعر الراحل ادهام هادي انه من مواليد محلة الباب الجديد بمدينة الموصل سنة 1940 ، وتوفي سنة 1974 .. انهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها والتحق بقسم اللغة العربية – جامعة بغداد ، وتخرج فيها حاصلا على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية سنة 1964 أي في السنة نفسها التي التحقت بها انا بالكلية ذاتها وبقسم التاريخ ، وكنت اعرف الرجل ، والتقيت به كثيرا . كان يجلس في مقهى صفو الكائن في محلة باب العراق وصاحبها زوج خالتي مصطفى الفركاحي ابو بشار والمعروف ب (صفو) .
كان الشاعر ادهام هادي شابا مثقفا ، بسيطا طيبا هادئا كان معروفا بقامته الفارعة ، وهيئته المميزة . وكان من اصدقاءه الاخ

والصديق النحات الموصلي الاستاذ طلال صفاوي .ومما اعرفه انه عين مدرسا للغة العربية في متوسطة الجزيرة للبنين – قضاء تلعفر سنة 1964 وفي سنة 1972 اعيد الى الموصل وعين في متوسطة الفاروق للبنين .
وفي الموصل واصل رسالته التعليمية ونشاطه الشعري حتى وافته المنية بسبب مرض عضال الم به وانهك جسده في السابع عشر من تشرين الاول -اكتوبر سنة 1974.
وكثيرا ما اكنت اقرأ له قصائدا في المجلة التي كانت تصدرها المديرية العامة للتربية في محافظة نينوى واسمها (النبراس ) ، وهي مجلة رصينة ومهمة . كما كانت لديه بعض القصائد في جريدة (فتى العراق ) وجريدة (فتى العرب) الموصليتان فضلا عن جريدة (الجمهورية) البغدادية وصحف عراقية وعربية اخرى .والاستاذ الحسيني في كتابه ينشر له قصيدة بعنوان (انت واحجار الجدار )
يقول في مطلعها :
وآلة انت دروب التيه تطويك
وتسفح الايام ..تلتاع امانيك
ثم تغني للهوى الجامح يسري
في مآقيكِ
* * *
أمس يا من لست تهوى
ان تذيب اللحن شدوا
امس غلفت نغاء الجرح
ادميت الحوار
والمدى الساهي واحجار الجدار
وأمضيت تنقل الخطو يناغيك الهيام
هاربا من لوعة الامس حطام
كنت تشدو فيلوح الافق جهما
يرتدي ثوب الغمامة
انت يا سافح عمر
فوق اسياف الندامة
لم يعد في القوس منزع
جف لحن وتقطعْ
وتظل الريح تجتاح روابيك
انت دروب التيه تمشيها فتطويكْ

اعود الى ديوانه ، فأقول ان الاخ الدكتور احمد صالح عبوش ورفيقه الاستاذ احمد الحاج تحدثا عن سيرة الشاعر والسياق اللغوي لقصائده وحللا خطابه الشعري بدقة وامعان ثم نشرا ديوانه الموسوم ( الريح والقصب) .وقالا انه تعرض للانتحال والطمس وظلت حقيقة قصيدته (انا وليلى ) المنشورة على الصفحات 220-227 غائبة مع ان القصيدة التي غناها الفنان الكبير كاظم الساهر سنة 1998 اصبحت مشهورة وانتشر صيتها انتشار النار في الهشيم لكن ما زلت اذكر ان القصيدة ظلت موضع شك في من كتبتها حتى الفنان نفسه لم يجزم اول الامر بإسم كاتبها ومات شاعرنا الموصلي في وقت مبكر .. مات سنة 1974 وانطوت صفحته ولم يعرف احد ديوانه المخطوط .

من الطريف ان ( ليلى) زميلة للشاعر في الكلية التي كان يدرس فيها وهي حلية ، زارته وهو راقد في المستشفى الجمهوري ببغداد وانه عندما علم من مرافقيه انها زارته انتفضت في داخله مشاعر مكبوته وصاح بصوت سمعه من كان الى جانبه :”الى التي زارتني …وهي تعطر الانفاس بالهوى والجمال ” وقال :
ياعيونا قد رمت خير دموع ** دمعك الرقراق يسري بضلوعي
النسيم العذب يختال هيامّا ** ويغني فوق أزهار الربيع
انت مني نغمة قد رددت ** بوفاء فاغر أو بخشوع ِ
انتِ مني خير من الف صديق ** يمطر الخلان بالقول الفظيع ِ
كتاب (أنا وليلى في ميزان الحقيقة) ، يتناول هذا الموضوع .. وقد اكد حقيقة مهمة وهي انه مهما طال الزمن وطمست الحقائق الا ان اية محاولة جادة للبحث والتنقيب ، والحفر في الوقائع للوصول الى الحقيقة لابد ان تؤتي ثمارها ، ولو بعد حين والكتاب -الدراسة الذي اعدمن قبل مؤرخ معروف ثبت وثقة ، وناقد معروف اعتمد عددا من الوثائق العائلية ، والشهادات الشفوية والمصادرالصحفية الى جانب تحليل نقدي لقصائد ديوان الشاعر الراحل (الريح والقصب) ومقارنتها بالسمات الاسلوبية واللغوية والفنية التي تتجلى فيها قصيدة (انا وليلى ) .
طبعا الكتاب -كما اراه – لايستهدف اثارة جدل بقدر ما يستهدف الوصول الى الحقيقة ليس الا .كما ان الكتاب وفيه اجزاء وفصول ديوان الشاعر ادهام هادي جهد طيب في استعادة صوت الشاعر ، واعادة الاعتبار له بإعتباره اسما شعريا ملأ الدنيا ، وشغل الناس .
وكاتب هذه السطور ، شاهد على ان اسم ادهام هادي لم يكن غائبا بل كان واحدا من شعراء الموصل المعدودين لكن جرى له كما جرى لمواطنه الشاعر الكبير محمود المحروق وكان واحدا من ابرز الشعراء العراقيين المجددين حاله حال السياب ، والبياتي ، والملائكة
والحيدري .

بقي ان اقول ان الشاعر ادهام هادي كان يعتز بصداقته وتلمذته على يد الشاعر الكبير الاستاذ شاذل طاقة 1929-1974 رحمه الله . ومن المفارقات انه والشاعر شاذل طاقة توفي في الشهر ذاته اي في تشرين الاول – اكتوبر سنة 1974 فالقدر شاء ان يطوي صفحة حياتهما في زمن واحد .
ومع ان الشاعر شاذل طاقة كان قوميا تقدميا ، لكن الشاعر ادهام هادي كان شيوعيا ماركسيا . وثمة صورة تجمعهما معا .وقد تحدث السيدعلاء الدين محمد صبحي المفرجي وهواحدابناء عمومة الشاعر انه في السنوات التي كان فيها الفنان كاظم الساهر يبحث عن صاحب قصيدة (انا وليلى) الحقيقي ” تخوفنا من ان نجهر بإسم الشاعر لان المناخ السياسي آنذاك لم يكن ملائما حتى ان والدة الشاعر احرقت الكثير من قصائد ولدها خوفا وحماية للاسرة وهذا امر معروف عندنا في الموصل” .

ومن المناسب القول ان الناقد الاستاذ علاء الدين المفرجي، اكد في مقال كتبه في جريدة (الرقيب ) البغدادية يوم 30 حزيران – يونيو 2002 ، ان قصيدة (انا وليلى) تعود للشاعر ادهام هادي ، وليست هي للشاعر حسن المرواني الذي كما يقال “اعتذر علنا لصاحبها ” .
*كاتب ومؤرخ وصحفي واستاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل