شاعر شاب بعمر الزهور انتحر بسبب ضيق العيش

 

شاعر شاب بعمر الزهور من مواليد 1980 حلبچه /انتحر بسبب ضيق العيش
لماذا يموت الإبداع في مهده؟

فاروق الدباغ

حين يرحل شاعر، لا يكفي أن نسأل: كيف مات؟ السؤال الأكثر قسوة هو: كيف عاش قبل أن يموت؟
رحيل الشاعر الكردي هيمن لطيف في حلبجة يعيد فتح سؤال قديم عن مصير المبدع في مجتمعات تجيد الاحتفاء بالشعر، لكنها كثيراً ما تنسى الشاعر نفسه. وفي كلمات أخيرة متداولة ومنسوبة إليه، كتب بمرارة:
«سأعيد مفتاحك، وسأبتعد عن منزلك إلى الأبد… لن أعود أسمع صراخك وشكواك… ولن أدفع حتى نفسي البارد، سأذهب إلى بيتي الخاص إلى الأبد».

هذه ليست لغة شاعر يبحث عن استعارة جميلة، بل لغة إنسان شعر أن الحياة تضيق حوله حتى أصبحت فاتورة الكهرباء وإيجار المنزل جزءاً من قصيدته الأخيرة.

وبصرف النظر عن ضرورة التحقق الرسمي من جميع التفاصيل المتداولة حول دوافع وفاته، فإن المأساة تكشف حقيقة أكبر: في مجتمعاتنا قد يمتلك الإنسان موهبة تكفي ليمنح مدينة كاملة صوتاً، لكنها لا تكفي دائماً لتمنحه حياة كريمة.
نقيم المهرجانات، نرفع صور الأدباء، نوزع الدروع وشهادات التقدير، ونكتب عن «دور الثقافة في بناء الإنسان». لكن عندما يطرق الإيجار الباب، أو تتراكم الفواتير، لا تتحول القصائد إلى خبز، ولا شهادات التكريم إلى شبكة أمان.

وهنا تكمن المأساة: نحن لا نعاني نقصاً في المبدعين بقدر ما نعاني نقصاً في البيئة التي تسمح لهم بالبقاء مبدعين.

قد يموت الإبداع بسبب الرقابة، وقد يموت بسبب الخوف، لكنه أحياناً يموت بطريقة أكثر إذلالاً: عندما يجد الشاعر نفسه مضطراً إلى مواجهة صاحب المنزل وفاتورة الكهرباء وحيداً، فيما المجتمع الذي صفّق له طويلاً لا يسمع سوى القصيدة، ولا يسمع صاحبها.
وبعد الرحيل تبدأ المفارقة: تنتشر الصورة، وتتداول القصائد، وتكتب المراثي، ويكتشف الجميع فجأة أن المدينة خسرت شاعراً.
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى بعد انتهاء العزاء هو:

لماذا نمنح المبدع بعد موته من الاهتمام أكثر مما نمنحه من الكرامة وهو حي؟

فالمجتمع الذي يريد الإبداع لا يكفي أن يحب القصيدة؛ عليه أن يحمي الشاعر.

لأن الإبداع يموت في مهده يوم تصبح الحياة أثقل من أن يحملها صاحب الموهبة وحده.