
استوكهولم – فاروق الدباغ
قبل أقل من ثلاث سنوات كان جيمي أوكيسون، زعيم حزب ديمقراطيي السويد اليميني القومي المتشدد، يطالب بوقف بناء مساجد جديدة، بل وهدم المساجد التي يقول إنها تنشر أفكاراً متطرفة ومعادية للديمقراطية. وفي صيف 2026، وعلى بعد أسابيع من الانتخابات، أصبح الرجل نفسه يقول إنه لا يرى مانعاً من أن يصبح مسلم متدين رئيساً لوزراء السويد، ولا يجد مشكلة في استخدام كلمات مثل «إن شاء الله» و«يلا».
فهل تغيّر الحزب؟
أم اكتشف ببساطة أن المسلم الذي ظل سنوات جزءاً من «مشكلة الهجرة» يحمل أيضاً بطاقة انتخابية؟
هذه واحدة من مفارقات السويد وهي تتجه إلى صناديق الاقتراع في 13 سبتمبر/أيلول 2026.
ثمانية أحزاب.. وثلاثة كبار لفهم المشهد للقارئ العربي، يضم البرلمان السويدي ثمانية أحزاب و349 مقعداً. في انتخابات 2022 كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بزعامة رئيسة الوزراء السابقة ماغدالينا أندرشون، أكبر الأحزاب بحصوله على 30.3 في المئة من الأصوات و107 مقاعد. وجاء حزب ديمقراطيي السويد ثانياً بـ20.5 في المئة و73 مقعداً، ثم حزب المحافظين بزعامة رئيس الوزراء أولف كريسترسون ثالثاً بـ19.1 في المئة و68 مقعداً.
أما الأحزاب الخمسة الأخرى فهي: حزب اليسار، حزب الوسط، الديمقراطيون المسيحيون، حزب البيئة، والليبراليون.
والغرابة أن الحزب الثالث، المحافظين، هو الذي يقود الحكومة الحالية مع الديمقراطيين المسيحيين والليبراليين، لكنه لم يكن ليستطيع الحكم دون الدعم البرلماني لحزب ديمقراطيي السويد. وهكذا أصبح الحزب الذي كان قبل سنوات على هامش السياسة السويدية لاعباً أساسياً في تحديد سياسات البلاد، وخصوصاً تجاه الهجرة.
أربع سنوات من التضييق
منذ تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2022، شهدت السويد تحولاً كبيراً في سياسة الهجرة: تشديد شروط الإقامة والجنسية، نقاشات حول سحب الإقامات الدائمة، مقترحات تسمح مستقبلاً بسحب الجنسية من بعض مزدوجي الجنسية، وحملات سياسية واسعة لتشجيع المهاجرين على العودة إلى بلدانهم. وأكثر الأرقام إثارة هو مبلغ العودة الطوعية.
منذ بداية 2026 يستطيع البالغ المستوفي للشروط الحصول على 350 ألف كرونة سويدية إذا قرر العودة نهائياً إلى بلده، فيما يصل الحد الأقصى للأسرة إلى 600 ألف كرونة.
ولكي يفهم القارئ العراقي حجم الرقم: 350 ألف كرونة تعادل، وفق سعر الصرف التقريبي في 27 أغسطس، نحو 48 مليون دينار عراقي، بينما يعادل سقف الأسرة نحو 82.5 مليون دينار.
أي أن السويد التي أنفقت لعقود الأموال على برامج إدماج المهاجر أصبحت مستعدة اليوم لدفع عشرات الملايين من الدنانير العراقية لمن يقرر أن يحزم حقائبه ويغادر. إنها ليست عملية ترحيل، بل برنامج طوعي، لكن الرسالة السياسية يصعب تجاهلها.
المسلم يتحول من «مشكلة» إلى ناخب
الأشد إثارة هو أن حزب ديمقراطيي السويد، الذي كان في مقدمة هذا التشدد، بدأ الآن بتغيير نبرة الحديث مع المسلمين. في نوفمبر 2023 طالب أوكيسون بوقف إنشاء مساجد جديدة وهدم المساجد التي تنتشر فيها، بحسب تعبيره، دعاية مناهضة للديمقراطية. وأثارت تصريحاته يومها انتقادات واسعة حتى من رئيس الوزراء السويدي. وفي 25 أغسطس 2026 جلس الرجل نفسه في إذاعة السويد ضمن مقابلات قادة الأحزاب قبيل الانتخابات.
اللغة أصبحت أكثر ليونة
المسلم يمكن أن يكون رئيساً للوزراء، و«إن شاء الله» ليست مشكلة، و«يلا» أيضاً مرحب بها.
لا يعني ذلك أن برنامج الحزب تجاه الهجرة والإسلام تغير جذرياً، بل ربما يعني شيئاً أكثر بساطة:
الحزب اكتشف الناخب المسلم.
فالمهاجرون والمسلمون في السويد ليسوا كتلة سياسية واحدة. بعضهم يريد تشديد الهجرة، وبعضهم يصوت لليمين، وبعضهم يعتبر مكافحة العصابات والجريمة أهم من النقاش حول الهوية والدين.
وهنا تصبح المسألة حساباً انتخابياً.
فالرجل الذي يخرج من المسجد قد يكون هو نفسه الناخب الذي يحتاج الحزب إلى صوته يوم 13 سبتمبر.
وماذا عن فلسطين والعرب؟
القضايا العربية حاضرة أيضاً، ولكنها ليست وحدها التي تحدد تصويت ذوي الأصول العربية.
حزب ديمقراطيي السويد من أكثر الأحزاب السويدية قرباً سياسياً من إسرائيل، بينما يتبنى الاشتراكيون الديمقراطيون واليسار والخضر مواقف أكثر انتقاداً للحكومة الإسرائيلية وأكثر دعماً للحقوق الفلسطينية.
لكن العربي الذي عاش سنوات في السويد لم يعد يصوت بالضرورة على أساس ما يحدث في بغداد أو دمشق أو غزة فقط. إنه يصوت أيضاً على أسعار الغذاء، والضرائب، والمدرسة، والرعاية الصحية، والجريمة، ومستقبل أبنائه. وهذا هو التحول الذي بدأت الأحزاب السويدية تفهمه. قبل سنوات كان المهاجر موضوعاً تتحدث عنه الأحزاب.
اليوم أصبح أيضاً ناخباً تتحدث إليه الأحزاب.
وربما لهذا انتقل جيمي أوكيسون خلال سنوات قليلة من الحديث عن هدم المساجد إلى قبول رئيس وزراء مسلم، ومن خطاب العودة والهجرة إلى «إن شاء الله» و«يلا».
هل تغير الرجل فعلاً، أم أنها مرونة الأسابيع الأخيرة قبل صندوق الاقتراع؟
سنرى في 13 سبتمبر.
إن شاء الله.