

حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل
لا ينحصر الحوار مع أ.د.مصطفى عطية جمعة عند عتبة الرواية التاريخية، بل يتسع تدريجياً ليعيد النظر في الطريقة التي بنت بها الرواية العربية علاقتها بذاكرتها الكبرى من هزيمة 1967، وأسئلة المشروع القومي، وتحولات المجتمع، والريف والمدينة، وصراع الفرد مع السلطة والموروث، ثم ذلك الجسر المعقد الذي يصل المقامة والسيرة الشعبية وألف ليلة وليلة بالرواية الحديثة. بهذا تبدو الرواية العربية كأنها لا تكتب حاضرها إلا وهي تصغي إلى أصوات بعيدة تسكن تحت لغتها، فالحكّاء القديم لم يختفِ تماماً، بل انتقل من فضاء الحكاية إلى بنية الرواية، ومن المشافهة إلى الكتاب، ومن المغامرة الحكائية إلى أسئلة الإنسان العربي الحديث. وفي قراءة جمعة لهذا المسار، لا يظهر التراث بوصفه متحفاً مغلقاً، ولا الرواية الحديثة بوصفها قطيعة كاملة مع الماضي، بل بوصفهما طبقتين سرديتين تتداخلان وتعيد كل منهما اكتشاف الأخرى. ومن هنا أيضاً يبرز سؤال أكثر اتساعاً وهو متى يتوقف الشكل الأدبي عن كونه وافداً، ويبدأ في امتلاك صوته الخاص؟ فالرواية العربية، كما يكشف الحوار مع أ.د.مصطفى عطية جمعة ، لم تكتفِ باستقبال تقنيات السرد العالمية، بل أعادت تشكيلها داخل أسئلة المجتمع العربي وذاكرته وتوتراته، حتى أصبح التجريب نفسه جزءاً من هويتها، من تشظي الشكل إلى تهجين اللغة وتعدد الأصوات واستدعاء التراث والفولكلور ولغة الحياة اليومية والوسائط الجديدة. لذلك فإن محاورة د. مصطفى عطية جمعة هي في جوهرها محاورة للرواية وهي تبحث عن حدودها. بين التاريخ والخيال، بين التراث والحداثة، بين الذاكرة والاختراع، وبين الشكل الذي يصلنا من الخارج والصوت الذي نصنعه من الداخل. إنها محاولة للإنصات إلى الرواية لا باعتبارها حكاية تُروى، بل باعتبارها كائناً يفكر في الطريقة التي نرى بها أنفسنا، وفي الكيفية التي يمكن بها للأدب أن يعيد ترتيب علاقتنا بالماضي دون أن يختلقه، وأن يفتح للمستقبل نافذة دون أن يغلق وراءه باب الذاكرة. مع أ.د.مصطفى عطية جمعة أجريت هذا الحوار:
-أنت تدافع عن حق الرواية في التخييل، وتحذر في الوقت نفسه من تزوير التاريخ. ألا يوجد تناقض بين الأمرين؟ أم أن المشكلة ليست في أن يتخيل الروائي ما لم يحدث، وإنما في أن يجعل القارئ يعتقد أن ما تخيله قد حدث؟
أهلا وسهلا بك وأنا سعيد بهذه الفرصة للحوار النقدي معك. بالإشارة إلى سؤالك المتقدم، فهو سؤال يتصل بالرواية التاريخية تحديدا، ونقول في هذا، إن الروائي له مطلق الحق في تناوله لأحداث أو شخصيات تاريخية، ولكن ما دام قد سجل أنها رواية تاريخية، فهو أقام عقدا مع القارئ، بأن يقدم أحداث التاريخ وشخصياته ضمن تخييل روائي، بمعنى أنه يحترم حقائق التاريخ، ووثائقه، ومراجعه، فلا يغير ولا يبدل فيه، لأنه لا يملك التاريخ والماضي، وإنما له كل الحق في تخيّل أحداثه، وربطها في سردية روائية، ولكن بعض الروائيين يسقطون في خطأ قاتل، عندما يسكتون أو يجهلون حقائق التاريخ، ويقومون بتشويهها، أو تقدم الشخصيات بطريقة منفرة، تخالف حقيقة التاريخ نفسه.
هذا نسميه تزييف التاريخ روائيا، وليس تخييلا، التخييل ينحصر في وضع شخصيات، إعادة ربط الأحداث، مع الاعتماد على المراجع التاريخية الموثوقة.
والمثال على ذلك، روايات جرجي زيدان، حيث ينبني السرد في رواياته على خطين: الأول: تاريخي يشمل الشخصيات والأحداث والأماكن التاريخية الرئيسية، والثاني غرامي خيالي من خلال قصة عشق ممتدة، حافلة بالمصاعب، حتى يقارب الموضوع التاريخي على نهايته فتزول الحوائل ويلتحم شمل العاشقين. ويعني هذا أن الرواية عند “زيدان” تستند إلى الجانب التاريخي وحوادثه الكبرى بكل شخصياتها وفضاءاتها مطبوعة بهاجس الصحة واليقين، وجانب فني، موضوعةٌ أحداثه، متخيلةٌ شخصياته، مبني على الإيهام والخلق. إذاً، هناك صدق تاريخي رئيسي، وخيال موضوع، ثانوي، وإن كان السياق القصصي: حوارا ومتنا، يحمل الكثير من مقولات وفكر المؤلف والتي يستنطق بها شخصياته، ومنها يتسلل إلى وعي القارئ.
ويظهر التزييف الواضح في العديد من رواياته، ومنها رواية “العباسة أخت الرشيد” حيث صوّر فيها نكبة البرامكة وأسبابها في عهد هارون الرشيد و زواج جعفر البرمكي من العباسة أخت الرشيد وماجرّ عليهما من ويلات ومصائب؛ أودت بحياتهما وأولادهما. كما تبين الصراع الحزبي بين بني هاشم والموالي والعلويين وميل الرشيد إلى مناصرة الفئة الأولى ودفاع وزيره البرمكي عن الفئتين الباقيتين. وتصف الرواية مجالس الخلفاء العباسيين وملابسهم ومواكبهم وحضارتهم. كما تؤشر على الصراع السياسي حول السلطة بين الأمين والمأمون وجعفر بن الهادي والوزارة بين الفضل بن الربيع و جعفر البرمكي، وصراع زبيدة زوجة الرشيد مع العباسة أخته حول مكانتهما لدى أمير المؤمنين. وجاءت نهاية الرواية مأساوية بالتخلص من الوزير البرمكي والعباسة وولديهما: الحسن والحسين بدون رحمة ولا شفقة.
المفارقة أن هذه الحادثة لم تقع في الأساس، ولا يوجد أي سند تاريخي موثوق دال عليها، فقصة زواج العباسة أخت الرشيد بجعفر البرمكي، نفاها العديد من المؤرخين الثقاة، فالجهشياري المؤرخ الثبت ينفيها نفياً قاطعاً، بقوله: ” لا والله ما لهذا الشيء من أصل”.ويعلل المؤرخ عبد الله الفياض لنفي هذا المعلومة، قائلا : لو جاز لنا قبول تزويج العباسة بجعفر من قبل الرشيد، فلا بد من سند أو وثيقة وشهود، لأن من الشروط الشرعية لعقد الزواج التدوين والشهود من القضاة والعباسيين وكبار القوم وغيرهم حتى يكتسب العقد شروط الإعلام. ومع ذلك استند زيدان عليها ليخلص قارئ الرواية بإدانة الرشيد لوحشيته، وسلوكه الدموي في نكبة البرامكة، ويشوه حقبة هارون الرشيد، وينال تعاطف القارئ مع البرامكة.
-ألا توجد أحياناً حقيقة أدبية أعمق من الحقيقة الوثائقية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نحمي هذه الحقيقة الأدبية من أن تصبح ذريعة لتزييف التاريخ؟
الحقيقة الأدبية المعتمد عليها، هي قدرة الروائي على صياغة أحداث التاريخ والغوص في شخصياته، وتكوين رؤية متخيلة تقارب الزمن التاريخي، أما الحقيقة التاريخية الثابتة، فلا مجال للتلاعب فيها.
وعادة، فإن الرواية التاريخية تعتمد على طريقة السارد العليم، الذي يتجلى دوره في ثلاث وظائف: الوظيفة الوصفية، التي يقوم فيها (الراوي) بتقديم مشاهد وصفية للأحداث، والطبيعة، والأماكن، والأشخاص، دون أن يُعلم عن حضوره، بل إنه يظل متخفياً، وكأن المتلقي يراقب مشهداً حقيقياً لا وجود للراوي فيه، من خلال وصفه للأمكنة والقبائل وملامح الشخصيات، وحركتها في الفضاء النصي.
والوظيفة التأصيلية، وفيها يقوم الراوي بتأصيل رواياته في الثقافة العربية والتاريخ، ويجعل منها أحداثاً للصراع، ويربطها بمآثر القوم المعروفة في الانتصار على الخصوم. والوظيفة التوثيقية، وفيها يقوم بتوثيق بعض رواياته، رابطاً إياها بمصادر تاريخية، زيادة في إيهام الراوي أنه يروي تاريخاً موثقاً. وقد جمع الروائي بين التوثيق التاريخي والتخييل الروائي. وحبذا أن يشير في نهاية الرواية إلى قائمة المراجع التي اعتمد عليها، بما يوحي للقارئ أنه حريص على توثيق أخباره التاريخية.
– هل ترى أن الرواية العربية استطاعت أن تفهم هزيمة 1967، أم أنها في أحيان كثيرة اكتفت بتحويلها إلى رمز جاهز لكل انكسار عربي لاحق؟
بالفعل، عبرت الرواية العربية عن هزيمة 1967، التي كانت صدمة كبرى، وعلامة على سقوط المشروع القومي الناصري، وفضح شعاراته.
وتبدو تجربة يوسف القعيد (1944-..) في رواياته علامة على ذلك، حيث عشنا ثنائية الإدانة والرفض في قراءة الريف المصري، فهو يمثل جيل الستينيات في الرواية المصرية، والذي امتد تأثيره إلى مبدعي العالم العربي، على درجات وأشكال مختلفة، من التأثير والتأثر، ولكن المنجز الأكبر لجيل الستينيات هو رصده متناقضات الواقع المعيش في أرض الوطن، بالمقارنة مع الشعارات المعلنة من الدولة الناصرية، وتصويرها بطريقة فنية مبدعة، تسعى إلى تقديم بنى سردية جديدة، تخالف السرد الروائي التقليدي.
يمثّل يوسف القعيد جيلا عاش وتغنى بشعارات نظام عبد الناصر: القومي الاشتراكي الوحدوي، وقد عايش انكسار الحلم الناصري في هزيمة يونيو 1967، وراح يطرح أسئلة تقارن بين الشعارات المرفوعة، والواقع المعيش في الريف، الذي ينتمي إليه. فالهم المطروح في -إبداعاته الروائية- اجتماعي برؤية سياسية، والتعبير عن آلام الفقراء، ويضاد الرأسمالية المستغلة، وسياسات الانفتاح في عصر السادات. ومراجعة ما حدث خلال الحقبة الناصرية على صعيد الواقع، وما تم حصاده منه.
فهو يدين في روايته “الحرب في بر مصر” استمرار تحكّم الأغنياء في الريف المصري، خاصة العمدة الذي يمثّل السلطة في القرية، ويخشى منه الفلاحون، مما يشير إلى أن أوضاع الريف، لم تتحسن كثيرا بعد التحرر من الاستعمار والإقطاع. وقد تميز المشروع الروائي ليوسف القعيد بإظهار حقيقة الأوضاع في الريف المصري، خلال سنوات الانفتاح الاقتصادي، وسقوط المشروع الناصري، وسيادة قيم وأنماط معيشية جديدة، وهو الكاتب اليساري المنحاز لقضايا العدالة الاجتماعية. وظهر ذلك جليا في ثلاثيته “شكاوى الفلاح الفصيح: نوم الأغنياء، المزاد، أرق الفقراء”.
-إذا كانت الرواية الحديثة قد استوردت هندسة جديدة للحكاية، فهل استطاعت الحكاية العربية القديمة أن تغيّر هذه الهندسة نفسها، أم أن التأثير كان في اتجاه واحد؟
الحكاية العربية القديمة، وكتب السرديات التراثية فيها أشكال قصصية ماتعة، ولابد أن تقرأ في سياقها الزمني، والتاريخي، لذا، فإن الولوج إلى التراث يتطلب التسلح بوعي يعتمد على تفهم التراث فهما موضوعيا، وهذا الوعي لابد أن يتأسس على ثقافة عميقة، تفهم التراث، وتعي لشروطه التاريخية، وسياقاته الثقافية، فمن العبث إسقاط مفاهيم وقناعات معاصرة أو غير معاصرة على تراثنا، فمن يفعل ذلك كأنه شخص يقطن في ناطحة سحاب، في مدينة حديثة، ويهوى القفز بالمظلات من الطائرات، وسقط ذات مرة بمظلته، على منطقة جديدة بالنسبة إليه، وراح يتجول فيها، مقارنا بين مدينته، وما يراه في هذه المنطقة الجديدة عليه، وتكون الكارثة أن يصدر أحكاما مرتجلة عمومية، نابعة من المقارنة الاستعلائية .
ويعضد هذا، وجود أشكال أدبية قديمة جاءتنا وانتهت إلينا بنفس الاسم والتصنيف والمسمى، وتكاد تكون خصيصة في الأدب العربي، مثل المقامات، فقد جاء ابتكارها كنموذج سردي بديع وموقف طريف، يحمل في طياته جوانب من التعليم والتهذيب ، وأيضا تشويق المتلقي عبر الحدث.
أما قصص كتاب كليلة ودمنة ، فهي وإن كانت مترجمة عن اللغة العربية ، ولكنها تعبر عن الحكمة الهندية ، وحياة الهند القديمة، لذا ، تعمد عبد الله بن المقفع أن يضع مقدمات عديدة خطابها عربي الثقافة، إسلامي التوجه، وهناك أيضا السير الشعبية، وألف ليلة وليلة، وغيرها من كتب القصص.
-إذا كانت المقامة والسيرة وألف ليلة وليلة ليست رواية بالمعنى الحديث، فكيف ينبغي أن نقرأ علاقتها بالرواية العربية؟ هل هي أصول لها، أم مجرد ذاكرة سردية سبقتها؟
تمثل المقامة والسيرة الشعبية وألف ليلة وليلة كتبا سردية تراثية، وجدت تلقيا وقراءات واسعة لها لدى جمهور التراث العربي، أما عن علاقتها بالرواية العربية فهي علاقة تأصيل، بأن يعرف الروائي العربي أنه يرتكز على تراث عظيم من القصص، يمكن استلهامه في السرد العربي المعاصر.
إن حضور التراث السردي العربي في الرواية العربية الحديثة قائم وواضح، وبأشكال مختلفة، إما بإعادة إنتاج هذه السرديات بشكل مختلف، كما في رواية ليالي ألف ليلة وليلة لنجيب محفوظ، حيث اشتغل بوعي عال على بعض شخصيات ليالي ألف ليلة التراثية، وصاغها في أحداث جديدة، كشفت عن الإنسان في ضعفه وأنانيته وشهوته وأيضا في عجزه، وهناك من وظّف شخصيات من السير الشعبية وأيضا من التاريخ ومسرودات المؤرخين العرب، كما فعل جمال الغيطاني في الزيني بركات. ولكن الأمر لا ينظر إليه في قضية توظيف التراث السردي فقط، وإنما يتخطاه إلى دلالة أعمق، فالرواية العربية أضحت هي الكتاب المعبر عن حياة الإنسان العربي الحديث: فكرا ونفسية ومجتمعا، وبات الروائي العرب وريثا للحكاء القديم، وما الشكل الروائي إلا شكل سردي، استوعب قضايا الإنسان العربي الحديث
– متى يتحول الشكل الأدبي الوافد من “مستورد ثقافي” إلى ملكية إبداعية؟ وهل هناك لحظة يمكن أن نقول عندها إن الرواية لم تعد غربية الأصل إلا تاريخيا، وأصبحت عربية بالإنجاز؟
إذا نظرنا إلى الرواية العربية بوصفها معبرة عن الروح القومية للأمة العربية، نجد أنها عبّرت عن الواقع العربي، والنفسية العربية، برؤية يمكن تعميمها وفهم العقلية العربية من خلالها، أي حوت مشتركات عديدة بين أبناء العروبة، والتي يمكن استنباطها من المسرودات المدونة بشكل عام، بحيث نتعرف معالم الإنسان العربي وطريقة تفكيره، والقيم التي يؤمن بها، وذلك من خلال ما ورد في عدد من الروايات، التي تتناول بقعة ما من أرض العروبة.
أما انعكاس الروح القومية الروائية على الذاتية العربية فهي واضحة، فكل فرد عربي، يحمل مشتركات وقيم الجماعة العربية وثقافتها، ويتحرك من خلالها، خاصة أن جذورها الثقافية واحدة، ويمكن بهذا قراءة روايات الريف والصحراء والمدينة، ونستطيع إدراك ما أصاب النفسية العربية من تغيرات، من خلال ما تأتي به الروايات العربية المغايرة.
إن تميز الرواية العربية وعلاقتها بالثقافة العربية يتأتى عبر تحقق شروط بعينها في مسيرتها، حيث صارت معبرة عن التطور الاجتماعي والفكري والسياسي في العالم العربي، وأنها علامة على القوة الدفاقة لفن روائي تجري تياراته بوتيرة التنوع والتطور بشكل دائم في حقبة زمنية متصلة منذ أكثر من قرن من الزمان، فكانت شاهدة على تطور الواقع والفكر معا.
فلم تدخل الذات الروائية العربية في صراع مع المجتمع إلا قليلا، من قبل بعض الروايات التي تناولت صراع المثقف والإصلاحي مع الأفكار البالية والمعتقدات الخطأ كما في رواية يحيي حقي ” قنديل أم هاشم”، فالطبيب إسماعيل طالب، صارع أسرته(والده وأمه وابنة عمه فاطمة) ضد زيت قنديل أم هاشم الذي تُعالج به فاطمة، وقد ظل في صراع معهم، حتى أقنعهم بالطب الحديث وأنه لا يتعارض مع الإيمان، والدين، وأن المعتقد الشعبي حول طريقة علاج بعينها، قد لا يتفق مع العقل الطبي القائم على التجريب والاستقراء والأدوية والجراحة، إنها قصة صراع اجتماعي فكري.
يمكن القول إن الرواية العربية سجلت تصالحا كبيرا بين الذات الروائية والذات العربية، وأسقطت ثقافة الصراع الطبيعي والذاتي والاجتماعي على العلاقة مع الآخر. فاستطاعت أن تحقق ذاتها في نماذج عديدة، ناجحة فنيا وناضجة أدائيا حول حركات التحرر والتحرير من الاستعمار، كما أبرزت قضايا وأبعادا خاصة بها في هذا التوجه.
وقد قدمت الرواية العربية في مسيرتها تجديدات كبيرة ومختلفة، بقوالب جمالية بديعة، استفادت دون شك من مسارات التجريب الروائي ومغامراته في الرواية العالمية، كما انفتحت على التراث والفولكور وغيره من الفنون المجتمعية، فكانت المحصلة تجديدا فريدا، تمثل في تشظي الشكل كما في رواية تلك الرائحة لصنع الله إبراهيم (1966)، والضحك لغالب هلسا (1971)، والجبل الصغير لإلياس خوري (1977)، وروايات إدوار الخراط جميعها. وبدا التجديد أيضا في تهجين اللغة، على مستوى تعدد الأصوات، واختلاف مستويات اللغة، وتنوع الأساليب، والاستفادة من لغة التراث، ولغة الشعر، وقاموس الحياة اليومية، والوسائط التكنولوجية.