
تحرير المعنى: الإله هو المألوه، والمألوه هو المحبوب
مدار المسألة على مادة «أَلِهَ». قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين». وأهل اللغة يقولون: أَلِهَ يَأْلَهُ ألوهةً: عَبَدَ، ومن معانيها: وَلِهَ — أي هام واضطرب شوقا وأَلِهَ إلى كذا: سكن إليه واطمأنّ. فاجتمع في الاسم الأعظم: التعبّد، والوَلَه، والسكون. وهذه هي أطوار المحبة بعينها: انجذابٌ، ثم دَهَشٌ، ثم طمأنينة.
ومن هنا يتقرّر أنّ مفهوم اسم «الله» هو المعبود الحقّ، أي المحبوب الحقّ، وأنّ كلّ محبوبٍ سواه فانٍ. ولذلك قرّر ابن القيم أنّ «المألوه هو الذي تألهه القلوب محبةً وإجلالاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً»، وحدّ العبادة عنده وعند شيخه ابن تيمية: غاية الحبّ مع غاية الذلّ. وفي نونيته:
وعـبـادةُ الـرحـمـنِ غـايـةُ حـبِّـهِ *** مـع ذُلِّ عـابـدِهِ هـمـا قُـطـبـانِ
وعليهما فـلَـكُ الـعـبـادةِ دائرٌ *** مـا دار حـتـى قـامـتِ القُـطـبـانِ
وهذا هو المحجة التي التقى عندها محققو أهل السنة ومحقّقو أهل الطريق معاً.
الشاهد القرآني الحاسم: الشركُ شركُ محبة
الآية التي تجعل هذه الأطروحة نصّا لا استنباطاً:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]
والتأمل فيها كاشف: لم يقل «يعبدونهم كعبادة الله»، بل جعل حدّ الشرك مساواةً في المحبة، وحد الإيمان أشدية في المحبة. فالتوحيد في ميزان القرآن ميزانُ حب، والشرك خلل في الترتيب لا في أصل الشعور.
وأمّا فناء كلّ محبوب سواه فهو حجة الخليل عليه السلام نفسها:
﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76]
لم يقل «لا أعبد الآفلين» بل ردَ الأفولَ بالحب، لأن القلب لا يحتمل أن يُعلّق نفسه بما يغيب. ويؤيّده: ﴿كُل مَنْ عَليْهَا فَان، وَيَبْقَى وَجه رَبِك ذو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
وسائر الشواهد: ﴿يُحِبُهمْ وَيُحِبُونه﴾ [المائدة: 54]، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَبِعونِي﴾ [آل عمران: 31] — وسمّاها السلف آية المِحنة لأنها امتحانٌ لدعوى المحبة — و﴿وَهُوَ الْغَفُور الْودُد﴾، فالمحبة في الأصل صفةٌ إلهية قبل أن تكون حالاً عبدانيا.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ = إياك نحب وإياك نستعين
تقديم المعمول ﴿إيّاك﴾ يفيد الحصر: لا نفرد بغاية الحب سواك. وأجمل ما يشهد لهذا الربط بين المحبة والاستعانة حديثان: الأول 〞 حديث الوليّ القدسي (البخاري): «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به… ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه». فالعبادة تُثمر المحبة، والمحبة تُثمر الإعانة. وهذا هو ترتيب الفاتحة عينه.
الثاني حديث معاذ (أبو داود والنسائي بإسناد صحيح): «يا معاذ، والله إني لأُحبّك، فلا تدعنّ دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». المحبة أولاً، ثم الاستعانة على العبادة. فكأنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّم معاذاً الفاتحة بلسان الحال.
ويصدّقه دعاء داود عليه السلام: «اللهم إني أسألك حبّك، وحبَ من يحبّك، والعملَ الذي يبلّغني حبّك، اللهم اجعل حبّك أحبّ إليّ من نفسي وأهلي ومن الماء البارد» (الترمذي).
المحبةُ اتّباعٌ بلا تكلُّف: الفصل بين الحبّ والدعوى
المحبة في حقيقتها أن يتبع المحبُّ محبوبَه طواعيةً، فلا يجد في نفسه حرجاً ولا استثقالاً، مهما ثقُلت التكاليف وشقت على النفس. فالطاعة إن صدرت عن حبٍ صارت لذة، وإن صدرت عن قهرٍ صارت أُجرة. والفرق بين العبد والأجير أنّ الأجير ينتظر انقضاء الوقت، والعبدَ المحبَّ يخشى انقضاءه.
وقد جعل القرآن انتفاء الحرج الباطن لا مجرّد الامتثال الظاهر شرطاً في أصل الإيمان:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]
فلم يكتفِ بالتحكيم وهو الامتثال حتى ضمّ إليه نفي الحرج، وهو أثر المحبة لا أثر الإلزام. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرسوله أَمْرا أَن يَكون لهم الْخيَرة﴾ وسقوطُ الخِيَرة عن المحبّ ليس مصادرةً لحرّيته، بل هو تمام حرّيته، لأنه لم يعد يريد سوى ما يريده محبوبه.
وشواهد سقوط الكلفة بالمحبة في السنّة كثيرة:
الحديث المتّفق عليه: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما…» فسمّى الأثرَ حلاوة، والحلاوة لا تُنال بالتكلف.
«حُبِّبَ إليّ من دنياكم… وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» — وهي أثقل العبادات على المنافق، وقرّةُ عينٍ عند المحبّ.
«أرِحْنا بها يا بلال» فالصلاة عنده راحةٌ ممّا سواها، لا كُلفةً تُقتطع من الراحة.
وقام صلى الله عليه وسلم حتى تفطّرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غُفر لك ما تقدّم من ذنبك؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» فصرّح بأنّ باعثه ليس دفعَ عقوبةٍ ولا تحصيلَ غفران، بل مقابلةُ الإحسان بالحبّ.
وقال صلى الله عليه وسلم : «إنّ الله لا يملّ حتى تملّوا» والمحبّ لا يملّ، ولذلك كان أحبَّ العمل إليه صلى الله عليه وسلم أدومُه وإن قلّ، لأن الدوام شأن العشق لا شأن الوظيفة.
وأنشد القدماء في تقرير هذا المعنى:
تعصي الإلـٰهَ وأنت تُظهرُ حبَّهُ *** هـذا مُـحـالٌ في الـقـيـاسِ بـديـعُ
لـو كـان حـبُّـكَ صـادقـاً لأطـعـتَـهُ *** إنّ الـمـحـبَّ لـمـن يُـحـبُّ مُـطـيـعُ
وقال ابن القيم: «المحبةُ تُذيب استثقالَ الطاعة، فلا يبقى للنفس معها دعوى». وقال أبو يزيد البسطامي مبيّناً الفرق بين المجاهدة والمحبة: «ليس العجب من حبّي لك وأنا عبدٌ فقير، إنما العجب من حبّك لي وأنت ملكٌ قدير».
والقاعدة الجامعة: الشريعة كلّها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ونفيُ الحرج فيها مقصدٌ تشريعيّ من جهة الفقيه، ومقامٌ قلبيّ من جهة العارف. فما رفعه الفقيه بالرخصة، رفعه المحبُّ بالوَجد.
رمزُ «ليلى»: قياسُ الأَولى في لسان القوم
من أبدع ما اهتدى إليه أهل الطريق أنهم كنَّوا عن الحضرة الإلهية والحقائق القدسية بأسماء المحبوبات: ليلى، وسُعدى، ولُبنى، وسلمى. وليست هذه مُداعبةً شعرية، بل هي إشارةٌ لأولي الألباب مبنيّة على برهانٍ محكم هو قياس الأَولى: إن كان الجمالُ المستعارُ الفاني جمالُ امرأةٍ من طين يبعث القيسَ بن المُلوَّح على أن يهيم في الفلوات، ويُهدر ماله ودمه ودنياه، ويستعذب الجوع والعُري والهُجران والشماتة، ولا يجد في ذلك كلّه مشقّةً ولا مللاً فما ظنُّك بمن هام بالجمال الذي كلُّ جمالٍ في الكون رشحةٌ من رشحاته؟ «إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال».
فالقوم إنما ضربوا المثل بليلى ليقولوا للسالك: هذه الطاقة معروفةٌ لك من نفسك، وقد جرّبتَها في الفاني؛ فوجِّهها إلى الباقي. ومن هنا قالوا: المجازُ قنطرةُ الحقيقة.
ولهذا الرمز عندهم ثلاث عِلَل: ضيق العبارة عن الذوق: فلمّا لم يجدوا في لغات البشر لساناً أوسع في وصف الوجد والفَناء والغَيرة والهجر والوصل من لسان العشق، استعاروه. قال الجنيد: «علمُنا هذا مُشبَّكٌ بالإشارة، فإذا صار عبارةً خَفِي».
صيانة الأسرار عن غير أهلها: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وأموالُ القلوب أَولى بالصون.
التنبيه بالأدنى على الأعلى: وهو مقصود الباب كلّه.
وأمّا الشاهد القرآني على أنّ المحبة تُسقط الإحساس بالألم فضلاً عن الكُلفة، فهو نصٌّ صريح احتجّ به الغزاليّ وغيره:
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: 31]
قطّعن أيديهنّ فما شعرن بالجُرح، لذهولهنّ في مشاهدة جمالٍ مخلوق. قال العارفون: فإذا كان شطرُ الجمال قد فعل هذا بنسوة مصر، فماذا يفعل الجمالُ المطلق بأهله؟ ونظيره في الشدائد: سَحَرةُ فرعون لمّا ذاقوا الحقيقة قالوا ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾، و﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ فصار التقطيعُ والصلبُ عندهم أهونَ من لحظةِ رجوع؛ وبلالٌ تحت الصخرة يقول: أحدٌ أحد.
ومن شواهد «ليلى» عند القوم:
أَمُـرُّ عـلـى الـدِّيـارِ ديـارِ لـيـلـى *** أُقـبِّـلُ ذا الـجِـدارَ وذا الـجِـدارا
ومـا حُـبُّ الـدِّيـارِ شَـغَـفْـنَ قـلـبـي *** ولـكـن حُـبُّ مَـن سَـكَـنَ الـدِّيـارا
وهذا البيت بعينه هو مفتاح فقه التبرّك والشوق إلى الآثار عند أهل السنة: فما تعظيمُ الرَّوضة والحَجَر والمقام إلا لأجل من نُسبت إليه. ومنها:
وكـلٌّ يـدّعـي وَصْـلاً بـلـيـلـى *** ولـيـلـى لا تُـقِـرُّ لـهـم بـذاكـا
وهو تحذيرٌ من دعوى المحبة بلا برهان، ويرجع بالمسألة إلى آية المِحنة: ﴿فاتّبعوني﴾. ولطيفةٌ إشاريّة يذكرها القوم: أنّ «ليلى» من الليل، والليل عندهم رمزُ الغيب والسَّتر وهُويّة الذات التي لا تُدرَك إحاطةً — فاسمُها ناطقٌ بأنها لا تُنال إلا في غيبٍ، وأنّ الطالب لها سائرٌ في ليل.
وقد صرّح ابن عربي بهذا المنهج تصريحاً لا يقبل التأويل، حين شرح ترجمان الأشواق بكتاب الذخائر والأعلاق، ونصّ على أنّ كلّ اسم امرأةٍ ورد فيه رمزٌ لحقيقةٍ إلهية أو معرفةٍ ربّانية، وأنه إنما فعل ذلك لأن النفوس أشغفُ بهذا اللسان. وقال في ديوانه:
أديـنُ بـديـنِ الـحـبِّ أَنَّـى تـوجّـهـتْ *** ركـائـبُـهُ، فـالـحـبُّ ديـنـي وإيـمـانـي
ونظمَ ابن الفارض التائيّة الكبرى والخمرية كلَّها على هذا المنوال، ومنه قوله:
زِدْنـي بـفَـرْطِ الـحـبِّ فـيـكَ تـحـيُّـراً *** وارحَـمْ حـشًـى بـلَـظـى هـواكَ تـسـعَّـرا
ولهذا صلةٌ مباشرة بصنعة المديح النبوي: فإنّ القصيدة المدحيّة النبوية ورثت النَّسيب الجاهلي ثم حوّلت وجهته؛ فالبوصيري يفتتح البردة بـ«أمِنْ تذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ»، ثم يُعلن انتقال العشق من الطلل إلى الحضرة فيقول:
يـا لائـمـي في الـهـوى الـعُـذْريِّ مـعـذرةً *** مـنّـي إلـيـك، ولـو أنـصـفـتَ لـم تَـلُـمِ
فسمّاه الهوى العُذريّ وهو بعينه هوى بني عُذرة، هوى قيسٍ وليلى لكنه صرَفه إلى المقام النبويّ الشريف. وهذا التحويل هو جوهر «التربية بالمحبة» في المديح المغربي وامتداده الإفريقي: لم تُلغِ القصيدةُ طاقةَ العشق في الإنسان، بل حوّلت قِبلتها.
نصوصُ العبودية التي تُشرح بالمحبة
الذكر ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾: ومن أحبّ شيئاً أكثر من ذكره، فالذكر ثمرةٌ طبيعية للحبّ لا تكليفٌ غريبٌ عنه.
الشكر: محبةٌ للمُنعم من جهة نعمته، ثم ترقٍّ إلى محبته لذاته وهي رتبة الخاصّة.
التوكّل: ثقةُ المحبّ بمن أحبّ، إذ لا يُسلّم القلبُ أمرَه إلا لمن اطمأنّ إليه.
الخوف والرجاء: قال ابن القيم: القلب في سيره إلى الله كالطائر، المحبةُ رأسه، والخوف والرجاء جناحاه؛ فمتى ذهب الرأس ماتَ الطائر.
الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه»: والمشاهدة ثمرةُ المحبة، لأن المحبّ لا يغيب عنه محبوبه.
الصبر: وهو أشدّ ما يظهر فيه أثرُ المحبة، إذ يستحيل عند المحبّ من احتمالٍ للمكروه إلى رضاً به، لأنه وارِدٌ من جهة المحبوب.
الولاء والبراء ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: فرعٌ عن الحبّ في الله والبغض في الله، وهما أوثقُ عُرى الإيمان.
من أقوال أهل الله
الحسن البصري: «من عرف ربّه أحبّه».
رابعة العدوية: «ما عبدتُك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، بل وجدتُك أهلاً للعبادة فعبدتُك». ويُنسب إليها:
أحـبّـك حـبَّـيـنِ: حـبَّ الـهـوى *** وحـبّـاً لأنـك أهـلٌ لـذاكـا
وقولها الجامع لمعنى سقوط الكُلفة:
ولـيـتَ الـذي بـيـنـي وبـيـنـك عـامـرٌ *** وبـيـنـي وبـيـن الـعـالـمـيـن خـرابُ
الجنيد: «المحبة دخولُ صفات المحبوب على البدل من صفات المحبّ».
ذو النون المصري: «المحبة ألّا تحبّ مع الله شيئاً».
الغزالي (الإحياء، كتاب المحبة): المحبة أقصى المقامات، وما بعدها مقامٌ إلا وهو ثمرةٌ من ثمارها؛ ومَن لم يذق حبَّ المخلوق لم يفهم خطابَ حبّ الخالق.
ابن عطاء الله السكندري (الحِكَم): «ما أحببتَ شيئاً إلا كنتَ له عبداً، وهو لا يحبّ أن تكون لغيره عبداً» وهي أدقّ عبارةٍ في تقرير هذا الأصل: العبودية أثرٌ لازمٌ للمحبة، فمن أثبت المحبة أثبت العبودية بالضرورة. وقوله أيضاً: «من عبده لشيءٍ يرجوه منه، أو ليدفع بطاعته ورودَ العقوبة عنه، فما قام بحقّ أوصافه».
عبد القادر الجيلاني: «كن مع الحقّ بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس» فناءٌ عن كلّ محبوبٍ فانٍ.
ابن مشيش في صلاته: «وأغرقني في عين بحر الوحدة» والإغراقُ حالُ المحبّ لا حالُ الأجير.
جلال الدين الرومي في مطلع المثنوي: أنينُ النّاي شكوى الفراقِ عن مَنبته فالعبادة حنينُ العائد لا كُلفةُ المكلَّف.
الفلاسفة والحكماء
أرسطو (ما بعد الطبيعة، الكتاب لام): المحرّك الأول «يُحرّك بوصفه معشوقاً» أي إن العالم كلّه في حركته إنما يُجذَب بالحبّ لا بالقسر. وهو أدقّ نظيرٍ فلسفيّ لكون الاسم الأعظم هو المحبوب الحقّ. ومنه يُفهم أنّ الطاعة الطوعيّة هي الحركة الطبيعية للكائن نحو كماله، لا اغتصابٌ لإرادته.
أفلاطون (المأدبة): سُلَّم إيروس الصعود من محبة الجميل الجزئي الفاني إلى محبة الجمال ذاته الباقي. وهو بعينه منطقُ ﴿لا أُحبّ الآفلين﴾، وهو البرهان الفلسفي على «ليلى»: الجزئيُّ معبرٌ لا مستقرّ.
الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة): الأول عاقلٌ وعقلٌ ومعقول، عاشقٌ ومعشوقٌ ومحبوبٌ ومحبّ فالمحبة في ذاته تعالى قبل أن تكون فينا.
ابن سينا (الإشارات، النمط التاسع في مقامات العارفين): «العارف يريد الحقَّ الأولَ لا لشيءٍ غيره، ولا يُؤثر شيئاً على عرفانه به، وتعبُّدُه له فقط لأنه مستحقٌّ للعبادة». وهو قول رابعة بعينه بلسان البرهان. وله رسالة في العشق: العشقُ سارٍ في كلّ موجودٍ إلى كماله فحركةُ الطاعة عنده ليست إكراهاً بل نزوعاً ذاتياً.
أوغسطينوس (الاعترافات): «قلبُنا قلقٌ حتى يستقرّ فيك»، وقوله: «حبّي هو ثقلي؛ به أُحمَل حيثما حُملت» أي إن المحبة قانونُ جاذبية النفوس؛ والجسم لا يشكو ثقلَ سقوطه لأنه يسير إلى موضعه الطبيعي.
باسكال (الخواطر): «للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل»، و«القلبُ هو الذي يُحسّ بالله، لا العقل».
سبينوزا (الأخلاق، الجزء الخامس): الحبّ العقليّ لله، غايةُ سعادة النفس، حيث تتّحد المعرفةُ بالمحبة.
كيركغور: «نقاءُ القلب أن تريد شيئاً واحداً» وهي ترجمةٌ وجوديّة لـ﴿إيّاك﴾؛ وعنده أن قفزة الإيمان لا يقوى عليها منطق، وإنما يقوى عليها عشق.
سُقيا المحبة في اليوميّ: الوالدان والأسرة والقرآن والصالحون
المحبة زادُ المحبّين في الدنيا، وعونٌ لهم في أعمالهم اليومية؛ فكلّما ضاقت بهم السُّبل أو قاربوا الانهيار، أقام أوَدَهم سُقيا ماءِ المحبة. غير أنّ المحبّات ليست كلّها في رتبةٍ واحدة، وقد قسّمها ابن القيم في الجواب الكافي أربعةَ أقسام: محبةُ الله، ومحبةُ ما يحبّ الله، والحبُّ لله وفي الله، والمحبةُ مع الله وهي وحدها الشِّركية. والضابط الجامع لابن تيمية: من أحبَّ مع الله فقد أشرك، ومن أحبَّ لله فقد وحّد.
فهذه المحبّات ليست مزاحمةً للمحبة الكبرى، بل جداولُ من نهرها:
الوالدان: قرن الله برَّهما بعبادته في نَفَسٍ واحد: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ثم قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ فذلٌّ صادرٌ عن رحمة، وهو ظلُّ العبودية في البيت، وتمرينٌ عمليّ على أنّ الخضوعَ عن حبٍّ لا يُشعر بالمهانة.
الأسرة: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ والمودّة من اسمه الودود، فهي عطاءٌ منه لا منافسٌ له. وهي أوّل مدرسةٍ يتعلّم فيها الإنسان أن يُتعب نفسه في رضا غيره بلا مِنّة.
القرآن وأهله: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»، وهو حبل الله الممدود محبته محبةُ كلامه، ومحبةُ الكلام فرعُ محبة المتكلّم.
الصالحون: «المرءُ مع من أحبّ»، وفي الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتحابّين فيّ»، وحديث: إذا أحبّ اللهُ عبداً نادى جبريل فأحبّه أهلُ السماء ثم وُضع له القبولُ في الأرض فمحبةُ الصالحين أثرُ محبةٍ نازلةٍ من فوق، لا اختراعُ قلبٍ من دون.
والضابط: ﴿قل إِن كَان آبَاؤكمْ وَأَبناؤكم… أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ… فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: 24]. فلم يُنهَ عن محبّتهم، وإنما عن تقديمها. فالميزان ترتيبيٌّ لا إلغائيّ. وكذلك «ليلى» في اصطلاح القوم: ليست خصماً للحقيقة، بل قنطرةٌ إليها والويلُ لمن أقام على القنطرة.
خاتمةٌ منهجية
مذهبُ المحبة إنما يُصان بثلاثة قيود نبّه عليها المحقّقون، وقد حذّر ابن الجوزي في تلبيس إبليس من إسقاطها:
قيد الذل: محبة بلا خضوعٍ دعوى، ولذلك جعلهما ابن القيم «قُطبين» لا قطباً واحداً.
قيد الاتّباع: ﴿فاتبِعُونِي يحبِبْكم الله﴾ فالمحبة تُبرهَن ولا تُدّعى، و«ليلى لا تُقرّ لهم بذاكا». وقال سهل التستري: «علامةُ حبّ الله حبُّ القرآن، وعلامةُ حبّ القرآن حبُّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلامةُ حبّه حبُّ السنّة».
قيد الرمز: أن يبقى الرمز خادما للحقيقة لا بديلاً عنها. فمتى انقلب المجازُ مقصودا لذاته انقلبت الطريق، وهذا مأخذُ من انتقد على القوم لسانَ الغزل وقد أجابهم ابن عربي بتصريحه في الذخائر والأعلاق، وأجابهم أهل الطريق بأنّ الإشارة لا تُقاس بالعبارة، وأنّ من لم يذق لم يَعرف، لكن من لم يلتزم الشريعةَ لم يَذُق أصلاً.
وبهذه القيود يبقى قولنا «إياك نحبّ وإيّاك نستعين» تحقيقاً للتوحيد لا انزلاقا إلى وجدانيةٍ بلا شريعة؛ وتبقى المحبةُ ما أُريد لها أن تكون: زادَ المحبّين في الدنيا، وماءً يُسقى به الأوَدُ كلّما ضاق الصدر، ومَرْكَباً يُقطع به طريقٌ يعجز عنه المُكرَه ولا يشعر بمشقّته المحب.