اكتشافات أثرية في لبنان

بيروت‭ – (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) :‬من‭ ‬معبد‭ ‬وثني‭ ‬ضخم‭ ‬إلى‭ ‬معاصر‭ ‬للزيتون‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬الروماني،‭ ‬تتواصل‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الأثرية‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬غنى‭ ‬التاريخ‭ ‬وقِدَمه‭ ‬،‭ ‬والذي‭ ‬نجح‭ ‬أخيرا‭ ‬بإدراج‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬مواقعه‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬لحمايتها‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

ويقول‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬للآثار‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬سركيس‭ ‬خوري‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ” ‬نُجري‭ ‬حفريات‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئة‭ ‬سنة‭ (…)‬،‭ ‬ولدينا‭ ‬اكتشافات‭ ‬باستمرار‭”.‬

من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الاكتشافات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بقايا‭ ‬أعمدة‭ ‬وقواعد‭ ‬لمعبد‭ ‬روماني‭ ‬ضخم،‭ ‬يبلغ‭ ‬طولها‭ ‬21‭ ‬مترا‭ ‬وعرضها‭ ‬11‭ ‬مترا،‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬معاصر‭ ‬الشوف‭ ‬الجبليّة‭ ‬المجاورة‭ ‬لغابة‭ ‬أرز‭ ‬عمرها‭ ‬آلاف‭ ‬السنوات،‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬خمسين‭ ‬كيلومترا‭ ‬من‭ ‬العاصمة‭ ‬بيروت‭.‬

وتشرح‭ ‬مديرة‭ ‬الآثار‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬جبل‭ ‬لبنان‭ ‬الجنوبي‭ ‬ميريام‭ ‬زيادة‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬البلدية‭ ‬أبلَغت‭ ‬عام‭ ‬2017‭ “‬بالعثور‭ ‬على‭ ‬أحجار‭ ‬صخرية‭ ‬مقصّبة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬تلة‭”. ‬وتضيف‭ “‬في‭ ‬2022،‭ ‬بدأنا‭ ‬التنقيب‭ ‬مع‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬نابولي‭” ‬الإيطالية‭. ‬وأظهرت‭ ‬الحفريات‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬وجود‭ ‬بقايا‭ ‬المعبد‭ ‬الروماني‭ ‬الضخم‭. ‬وتعود‭ ‬هذه‭ ‬الآثار‭ ‬إلى‭ ‬العصر‭ ‬الروماني‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والمنطقة‭ ‬المحطية‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬واستمر‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬العصر‭ ‬البيزنطي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬للميلاد‭.‬

ولبنان‭ ‬يزخر‭ ‬بالآثار‭ ‬التي‭ ‬تشكّل‭ ‬شواهد‭ ‬صامتة‭ ‬على‭ ‬عصور‭ ‬غنيّة‭ ‬تعاقبت‭ ‬عليه‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬آلاف‭ ‬السنوات،‭ ‬من‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭ ‬والحديدية‭ ‬والبرونزية،‭ ‬مرورا‭ ‬بالكنعانية‭ ‬والإمبراطوريات‭ ‬الفارسية‭ ‬والرومانية‭ ‬والبيزنطية،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬السلطنات‭ ‬والإمبراطوريات‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬وما‭ ‬بينها‭ ‬الحملات‭ ‬الصليبية‭.‬

في‭ ‬محيط‭ ‬التلة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬فيها‭ ‬المعبد‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬قبل‭ ‬ميلاد‭ ‬المسيح،‭ ‬معالم‭ ‬أثرية‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬متكامل‭ ‬في‭ ‬الجوار،‭ ‬من‭ ‬مدافن‭ ‬محفورة‭ ‬في‭ ‬الصخر،‭ ‬ومساحة‭ ‬مخصصة‭ ‬للأنشطة‭ ‬الإنتاجية‭. ‬وتُعلق‭ ‬زيادة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بالقول‭ “‬هناك‭ ‬منظومة‭ ‬بُنِيَت‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المعبد‭”. ‬ويعود‭ ‬المعبد،‭ ‬بحسب‭ ‬زيادة،‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬بعد‭ ‬الميلاد،‭ ‬ثم‭ ‬حُصِّنَ‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬الفاطمي‭ (‬قرابة‭ ‬القرن‭ ‬العاشر‭ ‬للميلاد‭)‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتُخذه‭ ‬الصليبيون‭ ‬قلعة‭ ‬بين‭ ‬القرنين‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬والثالث‭ ‬عشر‭.‬

في‭ ‬مدينة‭ ‬البترون‭ ‬الساحلية‭ ‬المعروفة‭ ‬بمدرجها‭ ‬الروماني،‭ ‬يجلس‭ ‬أحد‭ ‬أعضاء‭ ‬فريق‭ ‬تنقيب‭ ‬تحت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬محاطا‭ ‬بأدوات‭ ‬الحفر،‭ ‬فيما‭ ‬هواء‭ ‬البحر‭ ‬يلفح‭ ‬وجهه،‭ ‬وترتجف‭ ‬أوراقه‭ ‬التي‭ ‬يوثّق‭ ‬عليها‭ ‬آخر‭ ‬الاكتشافات،‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬هدير‭ ‬الموج‭ ‬وصوت‭ ‬ارتطامه‭ ‬بالصخور‭.‬

في‭ ‬أرض‭ ‬ذات‭ ‬ملكية‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬البترون،‭ ‬عُثر‭ ‬على‭ ‬معصرة‭ ‬زيتون‭ ‬تعود‭ ‬للحقبة‭ ‬الرومانية‭.‬

وتروي‭ ‬المسوؤلة‭ ‬عن‭ ‬المواقع‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬لبنان‭ ‬الشمالي‭ ‬سمر‭ ‬كرم‭ ‬لفريق‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ “‬استعمال‭ ‬هذه‭ ‬المعصرة‭ ‬الرومانية‭ ‬استمر‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬البيزنطية،‭ ‬وعثر‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأوزان‭ ‬الفخارية‭ ‬العائدة‭ ‬إلى‭ ‬الحقبة‭ ‬الرومانية‭”‬،‭ ‬وأدوات‭ ‬للحياكة‭ ‬والغَزْل‭. ‬في‭ ‬عقار‭ ‬آخر‭ ‬مجاور،‭ ‬ومُطلّ‭ ‬على‭ ‬سور‭ ‬بحريّ‭ ‬يعود‭ ‬لزمن‭ ‬الفينيقيين،‭ ‬أظهرت‭ ‬الحفريات‭ ‬تعايش‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬حقبة‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحد‭. ‬فقد‭ ‬وقع‭ ‬المنقِّبون‭ ‬على‭ ‬مقلعين‭ ‬للحجارة‭ “‬أحدهما‭ ‬من‭ ‬الحقبة‭ ‬الرومانية‭ ‬والآخر‭ ‬من‭ ‬الحقبة‭ ‬الفينيقية‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬كرم‭. ‬وعُثر‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬واحد‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬آثار‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية،‭ ‬وعلى‭ ‬غرف‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الحقبات‭ ‬الفارسية‭ ‬والفينيقية‭ ‬والرومانية‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تذكر‭ ‬كرم‭ ‬أن‭ ‬المدافن‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬البترون‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬حقبات‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة‭.‬

وتشير‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬الحفريات‭ ‬الأثرية‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬لور‭ ‬سلّوم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬أعمال‭ ‬التنقيب‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ “‬هي‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬مشاريع‭ ‬للبناء‭” ‬يعثر‭ ‬البناؤون‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬كنوز‭ ‬تاريخية‭.‬

وتقول‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أحدث‭ ‬الاكتشافات‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬بفضل‭ ‬هذه‭ ‬الحفريات،‭ ‬آثار‭ ‬لمعصرة‭ ‬زيتون‭ ‬من‭ ‬الحقبة‭ ‬الرومانية‭ “‬توفّر‭ ‬لمحة‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭” ‬لسكان‭ ‬بيروت‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الزمن‭.‬

ويتواصل‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬بيروت‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ “‬الجزء‭ ‬المتبقي‭ ‬من‭ ‬ميدان‭ ‬سباق‭ ‬الخيل‭” ‬الروماني،‭ ‬وفقا‭ ‬لسلوم‭.‬

ويقول‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬للآثار‭ ‬سركيس‭ ‬خوري‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ “‬مواقعنا‭ ‬الأثرية‭ ‬مشهورة‭” ‬بتَعاقُب‭ ‬الحضارات‭ ‬عليها،‭ “‬إذ‭ ‬إن‭ ‬لبنان‭ ‬موجود‭ ‬على‭ ‬تقاطع‭ ‬طرق‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬كانت‭ ‬حافلة‭ ‬بالأزمات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬آلاف‭ ‬الأعوام‭”.‬

وللتراث‭ ‬أيضا‭ ‬بُعد‭ ‬تنموي‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬ويقول‭ ‬خوري‭ “‬نحن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المساهمين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬اللبناني،‭ ‬فعندما‭ ‬نكتشف‭ ‬المواقع‭ ‬الأثرية‭ ‬ونؤهلها،‭ ‬تتحقق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬لمناطقها‭”.‬

ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تحرص‭ ‬مديرية‭ ‬الآثار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكتشف‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة‭ ‬المعنية‭ ‬محتويات‭ ‬الموقع‭ ‬الأثري،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬معاصر‭ ‬الشوف‭.‬

وتقول‭ ‬زيادة‭ “‬نسعى‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬السكان‭ ‬يدركون‭ ‬أهمية‭ ‬الموقع‭ (…) ‬وأنه‭ ‬سيحقق‭ ‬لقريتهم‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة،‭ ‬وهي‭ ‬كذلك‭ ‬وسيلة‭ ‬لحمايته‭ ‬من‭ ‬الحفر‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬والنهب‭”.‬