حوار مع الشاعر الدنماركي بني أندرسن

 

زهير ياسين شليبه

في الذكرى الثامنة لرحيل بني أندرسن
مقدمة لا بد منها:

بني أندرسن، الشاعر وعازف البيانو الساخر رحلّ عنّا في السادس عشر من أب قبل ثمانية أعوام، لكنه لا يزال حاضراً في ذاكرة محبّيه وقرّائه وعامّة الشعب وقلوبهم. جمعَ بين الموسيقى والشعر وقدرة اللعب بالكلمات والسخرية الانتقادية الودية للدنماركيين، فملكَ قلوبهم بفضل قدرتهِ على التعامل مع المفردات الشعبية واستعاراتها المتنوعة وفاقت شهرته وشعبيته العديد من زملائه الآخرين.
هو دنمركي في الخارج، أجنبي في الدنمرك وبهذا يكون قد جمع بين المشاعر الوطنية والأممية. يقيم بني اندرسن الستة أشهر الأولى من كل عام مع زوجته في بلادها باربيدوس، بينما يقضي النصف الثاني من العام في بلاده الدنمارك التي عرفت كيف ترعاه وتحتضنه.

بني أندرسن يتلاعب بالكلمات والتعابير بلا حدود، لدرجة يصعبُ فيها الشرح والترجمة وإعادة الصياغة وإيجاد مرادف لها في اللغات الأخرى، فهو يعتمد على معاني الكلمة الداخلية ومفاهيمها المتنوعة واستعاراتها واستخداماتها، التي يمكن أن يختلف القراء في تفسيرها. هذا الولع في اللعب بالكلمات يبدو واضحاً من عناوين أشعاره ومجموعاته، مثل رجل الجريدة، عالم خارج علبة المربى، الحنكليز الموسيقى وقبعة بَوليْرالداخلية، فمن لا يعرف هذه “الأرصوصه، البرنيطة” أو القبعة الإنجليزية المستديرة السوداء المصنوعة من اللباد الصلد، التي كانت رمزاً للبرجوازي الأنيق الذي كان يعمل على أن يقوم بكل شيء بنظام ولياقة دون أن يُفصح عمّا بداخله من هموم روحية لا يمكن له أن يفهم طريقة بني أندرسن في السخرية. إنه لا يختلف كثيراً عن أنطون تشيخوف عندما سخرَ من هذا النوع من الناس في قصته الشهيرة “الرجل المعلب”، الذي لم يتخلَ يوما عن ارتداء معطفه الطويل ونظاراته وطريقته في المشي متجهاً إلى بيته وعمله.

عندما دعوته إلى نادي “جيمله” الثقافي للشباب في مدينة روسكيلدة، ليعزف البيانو ويلقي أشعارَه، كان لي لقاء مع بني أندرسن، أقدمه إلى قراء العربية.

زهير شليبه: تضمنت مجموعتك الشعرية الأولى “الحنكليز الموسيقي “قصائد مثل حذاء، إبرة، محطة، سكين قديمة، وغيرها من العناوين التي تبين أنها مكرسة لأشياء ولكنك تؤنسنهم، أي أني لاحظتُ أنسنة هذه الأشياء التي تخاطبها بضمير انت وتتكلم معها بضمير أنا. هل لكَ وجهة نظر حول أنسنة الأشياء؟ أود أن أقول لك إن هذه الاسماء لو ترجمتها إلى العربية فأعتقد أنها قد تبدو غريبة على التقليد الشعري العربي. وأشير هنا ايضاً إلى أن هذه القصائد جاءت في نهاية المجموعة، هل قمت بذلك عن عمد أم أنها محضُ صدفة.

بني أندرسن وإلى يساره زهير ياسين شليبه

بني أندرسن: في الحقيقة من الصعب الحديث عن مثل هذه الأمور بعد هذه الفترة الطويلة حيث صدر الكتاب عام ١٩٦٠ وعندما تقول هذا الرأي فأعتقد أنه ينسجم مع قصيدة فابل Fabel (قصائد خرافية تؤنسن الأشياء والحيوانات، ز.ش)، الموجودة في نهاية الكتاب. أعتقد أنها رغبة لعمل فابل كما هو الحال في القصائد القديمة. وهو أمر شخصي أن أكتب عن أشياء مثل السكين بدون أن أفكر مسبقاً. لقد عملتُ هذا منذ مدة طويلة ولهذا ليس لدي ما أقوله أكثر من ذلك.

زهير شليبه: كتبت في هذه المجموعة سلسلة قصائد تكرر في عناوينها نفس الكلمة وتجمعها مع مفردات أخرى، كما لو أنها تتحد ضمن موضوع أعم وأشمل، مثل: دعاء الصباح، دعاء الشتاء، دعاء المنضدة، الدعاء المشكوك به.

بني أندرسن: أنا لدي حاسة داخلية تجاه الكلمة والتناظر والتجزأة، إلى جانب النزعة الشعرية هذا يذكرني بمحلل نفساني من خلال الخط، الذي قرأ بعض ما كتبته بخط يدي بدون أن يعرفني شخصياً، فكتب عني بأني يمكن أن أكون فناناً أو كاتباً أو عالما يميل إلى تحليل الأجزاء الصغيرة، إضافة إلى قدرتي على الشعر الخرافي، أنسنة الأشياء والحيوانات. كان هذا كلاماً جيداً.

زهير شليبه: وضعت قصائد نثرية مثل الجوع، الإمكانيات، في نهاية مجموعتك: الحنكليز الموسيقي، هل قمتَ بذلك لأنها نوع من النثر الخالص لكن مع ذلك الشعري، الذي قد لا “يُعترف” به في الشعر الدنمركي الستيني، أم لأنك كنت حذراً لكونها المجموعة الأولى، لا سيما أن عنوانها اعتبر نوعاً من العبث آنذاك؟ هل هناك مصادر إلهامية أخرى؟

بني أندرسن: كنتُ في تلك الفترة مشغولاً بالعمل الموسيقي في النرويج وكنت مهتما بالشعر العاطفي الغنائي السويدي الفنلندي إضافة إلى السوريالية الفرنسية، التي اطلعت عليها خلال بعض التراجم السويدية، مثل الشاعر الشاب رامبو حيث تأثرت ببعض أشعاره النثرية الخالصة، وأعتقد أني كتبت القصائد التي أشرت إليها في مجموعتي بإلهام من هذا الشاعر. أما بالنسبة لوضعها في نهاية المجموعة فكان ذلك حسب تاريخ إصدارها في الصحافة الأدبية منذُ بداية الخمسينات ليس إلا.
كان من الأمور الطبيعية كتابة قصيدة النثر ولكنني لم أرد أن أكون اعتيادياً، وهذا واضح من عنوان المجموعة كما قلت. وكنت أعتقد أنها تنسجم أكثر مع قصيدة الخرافة، حيثُ أنسنة الأشياء والحيوانات.

زهير شليبه: لكنك مع ذلك وكما يبدو لم تتخلَّ نهائياً عن التقاليد إضافة إلى الإيقاع الموسيقي، أليس كذلك؟

بني أندرسن: صحيح، في البداية كنت متأثراً بالنغمة أوالنبرة الجدية إلى حد ما، التي كانت تحيط بمجلة “هيريتيكا”، كانت أشعار تلك الفترة لا تزال تتميز بشيء من الجدية والاحتفالية.

استطعت في نهاية الخمسينيات أن أُدخل السخرية في قصائد المضمون حيثُ وجدت أنها نغمتي الخاصة بي كما أعتقد.

زهير شليبه: عندما تقول قصائد جدية، هل تعني إنك التزمت بالقافية والإيقاع من ضوابط الشعر التقليدي؟

بني أندرسن: نعم كان هناك شيء من هذا القبيل، حيثُ كنتُ متأثراً بشعراء فترتي والقدامى العمالقة مثل ثوركيلد بيورنفيغ وفرانك ياغر، ولكني سافرت فيما بعد كموسيقي إلى السويد وتأثرت بالشعراء السويديين والفنلنديين. إضافة إلى إعادة صياغتهم للشعر الفرنسي. ترجمتهم الشعرية. كنت اعرف الفرنسية قليلاً ولكن ليس بمستوى قراءة الشعر. وفي الحقيقة حاولت ترجمة مجموعة رامبو الشعرية “موسم في الجحيم ” لحاجتي الشخصية بها. ولكن ظهرت فيما بعد تراجم، إعادة صياغات شعرية جديدة، وانا لم أصدر إطلاقا اية ترجمة شعرية.

زهير شليبه: أنهيت مجموعتك “هنا في المحمية الطبيعية “بقصيدة طويلة ومختلفة من حيث الشكل والمضمون وجعلت تاريخ كتابتها ٢٠٧١ بمائة عام بعد تاريخ إصدارها الفعلي. كما لو أنك أردتَ أن تتنبأ بالتاريخ المستقبلي. أحب أن اخبرك بأني أذكر أني قراتُ في بداية السبعينيات مجموعة قصصية لأحد أكبر الروائيين العرب جمال الغيطاني، عندما كنتُ طالباً في كلية الآداب، وأعتقد أن عنوان المجموعة “مذكرات شاب بعد مائة عام ” أو شيء من هذا القبيل، وفيها شيء من قراءة المستقبل.

بني اندرسن: نعم هذا صحيح لأن كتابي صدر عام ١٩٧١ وكنتُ أريد أن أجرب التفكير بالمستقبل، وقد يكون هذا بتأثير الخيال العلمي. أعتقد أن تلك الفترة شهدت قصص الخيال العلمي والأفلام التي تحاول أن تكشف عن العالم بعدَ مائة عام. وهي فترة تأسيس السوق الأوروبية المشتركة عام ١٩٧٢ وكان الناس مشغولين بالتفكير عن كيفية التأثر بمثل هذا التكوين الجديد وشكل العالم في المستقبل.

زهير شليبه: في مجموعتك “رجال ونوتات ” عنونتَ بعض القصائد ب “قصائد موسيقية ” ويمكن للقارئ أن يلاحظ أن قسماً منها مستوحى من تجاربك الشخصية أو بإلهام منها، مثل “أمسية في مقهى او الصيني” حيثُ تصف لقاءً في النرويج بين موسيقي وشخص صيني يتحدث النرويجية بلكنة صينية ويكتب النوتات الموسيقية وفي النهاية يعزف الاثنان موسيقى. يبدو أنها تجربة شخصية مررت بها. قصيدتك “حانَ الوقت” مثلاً فيها إيقاع موسيقي.

أنا افترض أنك تكتب كشاعر وموسيقي في الوقت نفسه قصائد موسيقية وأخرى عن عملك كموسيقي أكثر من القصائد الاعتيادية بسبب العلاقة الخاصة بين الموسيقى والشعر.

بني أندرسن: نعم هذا صحيح. هذه القصائد سيريّة ومحاولة للسرد عن مشاهد في أشكال نثرية شعرية. مجموعة “رحال ونوتات” كما يبدو عليها من عنوانها حيث كنا موسيقيين رُحل، جوالين ولهذا السبب كانت مكرسة للتجارب الشخصية وانطباعات السفر في الحياة الخاصة مع العائلة والجمعيات ولقاء الآخرين. أنا أميز بين القصيدة الأغنية وأبين انها مكتوبة لغرض الغناء…ولكن في الغالبية العظمى من قصائدي أحاول أن أضع الموسيقى لأني أريد أن أوضح الإيقاع. الإيقاع المحكي. “حان الوقت” التي ذكرتها تتميز بسرعة الإيقاع والأسطر تصبح أقصر فأقصر وهي توضح أن الوقت يمضي سريعاً ثم تأتي بعض الأسطر. بعض التشابه يأتي مع قصيدة أخرى بعنوان “المفروض عليَّ مفروض” من مجموعتي “قبعة بوليَر الداخلية” (البرجوازي المعلب”) حيث لدي بعض الأسطر القصيرة ثمَ تأتي فقرات متشابهة طويلة أخذتها حسب قراءتي لها بطول السطر وقصره. إن لها علاقة بالإيقاع المحكي. أنا لا أكتب سونوتات بل أكتب أشياء ذات قافية ولكنها مرتبطة بكيفية تقديمها.

زهير شليبه: إلقاء الشعر بالعربية لا يزال خطابياً مسرحياً أما في الدنمركية فإن الأمر على العكس كما يبدو في الظاهر، لكن مع ذلك لاحظتُ الموسيقية والشعرية عندما ألقيتَ قصائدَك. إنه إلقاء هادئ، غير مسرحي وليس خطابياً، لكن فيه بعض الموسيقية والنبرة.
بني أندرسن:إنها موسيقى اللغة وطريقتي في تحريكها، إضافة إلى أنني مقتنع بأحرف العلة، وكيفية سماع الكلمة لصوت المفردة الأخرى، التي أضعها إلى جانبها، إنه مرتبط ايضاً بهذا الشكل أو ذاك بكيفية إحساسي الموسيقي وحرف القافية، أما حرف الروي والقافية والإيقاع فأنا اهتم بها في كتابة الأغاني.

زهير شليبه: انت تكتب قصائدَ وأغانيَ..كتبت الأغاني للمغني بول ديسينغ. هل نستطيع أن تقول إنه مغني بني اندرسن؟ هل تكتب اغانيَ لمطربين آخرين؟

بني أندرسن: كتبتُ بعض الأغاني لبرامج تلفزيونية، لكن أغلب ما كتبت مخصص لبول ديسينغ، الذي لحنها بينما وضعتُ موسيقاها. ولدي قصائد تم تلحينها من قبل آخرين رغم أنها كُتبتْ بقافية وإيقاع غير طبيعيين..أنا لم أرغب بتلحين مثل هذه القصائد. لكنهم شعروا بإمكانية تلحينها وقاموا بذلك. كمثال على ذلك أذكر الملحنة الدنمركية ترينا التي لحنت بعض القصائد إلا أن بول ديسينغ مغنِ من نوع خاص. إنه لا يُشبه أي مغنِ دنمركي آخر. بدأ بول ديسينغ بالأغاني الحزينة ثم الأغاني القديمة ولكن ليس الشعبية فحسب، لقد نشر الأغاني الشعبية القديمة بطريقة أخرى، والأغاني التي ترجمها سيلفيرستين إلى الدنمركية. هذه هي الخطوة الأولى في سيرته. لقد التقينا في الستينات وشعرنا بأننا يجب أن نعمل شيئا ما في وقت ما وتم ذلك. لقد غنى بول ديسينغ أغانيَ معارضة للسوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الأوروبي.

زهير شليبه: يتميز بول كونه يشبه المغنين السياسيين أيضاً إضافة إلى مقدرته الرهيبة على شد الجمهور كما لاحظت ذلك بنفسي ورأيت كيف يتفاعل معه الدنمركيون، خاصة عندما يظهر على المسرح مع ولديه إنه يعيش الموسيقى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وأستطيع ان أقول إنكما تتميزان بسمات مشتركة، أنتما شعبيان وامميان وموسيقيان تشعران بالإحساس العميق لخلفية مفهوم المفردة وتاريخ تكوينها وعلاقتها بالشعب ولهذا يضحك المتلقون كثيرا عندما تلقي قصائدك الساخرة والتهكمية رغم أنهم في كثير من الأحيان ليس بالضرورة يفهمون كل ما تكتب! عفوا أنا مضطر لأقول هذه الملاحظة فالقراء مختلفون بمستوياتهم وأنت تلعب بالكلمات كثيرا ! وأريد أن أطرحَ عليك، بالمناسبة، سؤالاً “غبياً” كما يُقال: أنا اعلم أنك شاعر وجداني غنائي ولكن مع ذلك هل انتَ شاعر أم موسيقي؟

بني أندرسن: لا، بالعكس، لقد بدأت حياتي موسيقياً. وكتبت الشعر إلى جانب ذلك. واستطعتُ أن أكون كاتباً روائياً أيضاً في وقت من الأوقات، حيث كتبت رواية وقصصاً للأطفال وحصلت على منحة لثلاث سنوات، ثم بدأت بكتابة الأغاني لبول ديسنغ ومنذ ذلك الحين أخذنا نسافر ونقدم العروض كل عام. ولهذا من الصعب حقاً الإجابة على هذا السؤال ولكني أشعر أني شاعر غنائي.

زهير شليبه: أنت شاعر دنمركي شعبي وأممي، تقول هل هناك دنمركيون أكثر من الدنمركيين … إنهم السويديون؟ يمكن ملاحظة ذلك في قصيدة (مهاجرة قلبي) وغيرها حيث تحدثت بها عن اللاجئيين والمهاجرين أو الوافدين والمغتربين.

بني أندرسن: هذا صحيح لقد بدأت المشاعر الأممية عندما سافرت في صغري إلى النرويج والسويد، وتعمقت عندي المشاعر الإسكندنافية ولكني عبرتُ أيضا عن اهتماماتي الفرنسية وآداب بلدان أخرى، وعندما يكون المرء أديباً فلا بدَ أن يكون أممياً قبل كل شيء. عندما يهتم المرء بالأدب فلا بد له من قراءة الآداب الأخرى عن طريق الترجمة وبهذه الطريقة يتعرف على تقاليد الشعوب. طبعاً جدتي لأبي كانت مهاجرة، وافدة سويدية، عملت في مصنع كان جدي يعمل فيه مسؤولا وتزوجها فيما بعد، ولي خال من عائلة جدتي لأبي من أصل هولندي أو ألماني لم أعد أذكر بالضبط وأصبح موقفي أكثر تشدداً في السبعينات عندما بدأ الدنمركيون يعاملون الوافدين بطريقة غير ودية على عكس السابق حيث كانوا يهتمون بهؤلاء الأصدقاء القادمين من الدول “المشوقة”، ثم ظهر السياسي اليميني جليستروب (معادِ للمسلمين) وآخرون بسبب أزمة النفط عام ١٩٧٣ وعندما تعرفت إلى زوجتي السمراء القادمة من باربيودوس عام ١٩٧٦ وتزوجنا عام ١٩٨١ لاحظتُ عن قرب كيف يعاملها الدنمركيون. لقد أثر هذا علي تأثيراً كبيراً وعلى مواقفي فيما بعد. ولكني لستُ من المناقشين الكبار أو كتاب الرسائل للصحف. ومع ذلك فقد كتبتُ رسالة انتقادية شديدة، نشرتُ فيها قصيدة بعنوان “بلاد هانس أندرسن ” في صحيفة بوليتيكن في بداية عام ١٩٨٥ انتقدت فيها سلوك الدنمركيين تجاه الأجانب.
لقد لاحظت زوجتي الاختلاف الكبير في التعامل معها في الفترة الأولى من قدومها، حيثُ أراد الدنمركيون التحادث معها بالإنجليزية ولكنهم أصبحوا فيما بعد غير مبالين. وعندما كنت أخرج معها في الشارع قال لها أحد المارة: ارجعي إلى بلدك أيتها الزنجية!!حنقت عليه ووبخته. هذا إضافة إلى المكالمات الهاتفية المجهولة. مثل هذه الأمور أثرت علي تأثيراً كبيراً وكتبتُ قصيدة “بلاد هانس أندرسن “وكتبتُ فيما بعد قصيدة” مواطن العالم في الدنمرك ” حيثُ استخدمتُ فيها استعارات اللغة والمفردات المستعارة، كل الكلمات الوافدة على لغتنا. إنها لغة عالمية خيالية في الدنمرك. هذا هو جوابي عن موقفي الأممي فأنا دنمركي وأممي.

زهير شليبه: هل ستكتب روايات أخرى غير روايتك الأولى؟ حدثني عن تجربتك الروائية.

بني أندرسن: أنا أعبر عن انطباعاتي بأشكال قصيرة. لقد نشرت ثلاث مجاميع قصصية مثل “رحّال ونوتات ” التي كان يمكن كتابتها على شكل رواية. أنا أميل إلى أشكال بين الشعر الغنائي والنثر، لكني لم أشعر بالميل للرواية. إلا أني كتبتُ رواية بتأثير من والدتي، التي كانت تريدني أن أكتب لها رواية مثل تلك الروايات الطويلة، التي كانت تستعيرها من المكتبة، وأنا ايضاً كنت في شبابي اقرأ روايات كثيرة وكان دوستويفسكي وكافكا أبطالي.

زهير شليبه: وكتبت قصيدة عن كافكا.

بني أندرسن: نعم. وعندما عرضت على والدتي اول مجموعة شعرية، نشرتها، قالت لي: أنا فخورة بكَ، لكن متى تؤلف الكتاب الحقيقي؟ وكانت تعني بذلك كتاباً كبيراً ومتيناً، ولهذا كنتُ أفكر بينَ الحين والآخر بأن أجرب ذلك لكي أفرح والدتي، ولكنه نوع من التحدي.

أنا أذكر تلك المرة الأولى، التي حاولتُ فيها كتابة رواية، كان ذلك قبلَ كتابتي “أغاني سفانته”، ولكني لاحظتُ ان الطرق مسدودة إمامي ورميت كل الفصول في سلة المهملات ماعدا فصل واحد، وتوجد بين “أغاني سفانته” بعض الإضافات النثرية عن سفانته.
أنا كنتُ أريد في حقيقة الأمر أن اسميها رواية غنائية إلا أن الناشر ارتأى أن تُسمّى قصة غنائية، ولهذا لم تصبح رواية.
لقد كتبتُ منذ عدة سنوات مضت ملحوظات وكتابات عن صباي في سيوبورغ تحت الاحتلال الألماني، اعتقدت أنها قصص جيدة يمكن للمرء أن يحكيها، وعندما يربطها مع بعض يمكن أن تصبح رواية.
في البداية كتبتها بضمير أنا كقصة سيريّة ولكنها لم تنجح حيث كانت مملة وجافة نسبياً، ولكني شعرت ان المادة جيدة ولكنها بحاجة إلى معالجة أخرى. وهكذا فقد غيرتُ شكل السرد بحيث يكون هناك شخصان: أرلينغ، الذي يمثل هدوئي ونعومتي وصديقه الصبي الآن، الذي كان يبتسم بشدة قليلاً، وكتبتُ كل شيء من الحقائق ولكن مع ذلك لم أفلح، ثم بدأتُ اكتب وأكتب الشعر فأصبح كل شيء حقيقياً أكثر كما هو الحال في نظرية “الشعر والحقيقة” التي تحدث عنها غوتة.

زهير شليبه: اخترتُ أن أبدأ حواري معك بالشعر رغم انك بدأتَ الموسيقى قبله. ننتقل الآن إلى الموسيقى، متى عزفتَ أول مرة؟

بني أندرسن: والدي كان يعزف على آلة بانيو (آلة موسيقية معدنية) وكان يجب أن يعزف مجموعة اغان أحبها، والدتي ووالدتها كانتا تملكان بيانو عندما كانتا تعيشان في منطقة نوريبرو. تعلمت والدتي في طفولتها أصول عزف البيانو. وعندما أصبح عمري إثنى عشرَ عاماً في الأربعينيات شعرت والدتي برغبة العودة للعزف على البيانو، ولكن هذا لم يكن من السهل.إذ إننا كنا خمسة أشخاص نقيم في شقة من غرفتين. ومع ذلك فقد أجّرت بيانو مع حق الشراء واشتريناه فيما بعد.

أنا كنت صبياً أحب الاطلاّع، فعزفت وجربت عزف مقاطع بعض الألحان، ورأى والدي أنني أمتلك بعض الموهبة وسألاني فيما إذا كنت أرغب تعلم عزف البيانو وطبعا رددت عليهم بالإيجاب، كانت لدينا عمة تعطي دروسا في تعليم البيانو وحصلنا تخفيضات منها، تعلمتُ المبادئ الأساسية بسرعة لأنني وجدت ذلك ممتعاً للغاية ولم أجد صعوبة في التعلم، وعندما أنهيت عاما من التتلمذ على يديها قالت لي:
أنا علمتك المبادئ الأساسية للعزف، لا أستطيع أن أعلمك أكثر من ذلك، إذا أردت أن تتعلم أكثر فيمكنك أن تقوم بذلك لدى ابني لأنه يدرس في الكونسور فاتوريوم.

فعلاً أصبح ابنها فالدرساكسه مدرسي للموسيقى وتعلمتُ بسرعة عزف شوبن وبيتهوفن.

وتعلمت بعدها الجاز حيثُ بدأت بشراء كتب نوتات الموسيقى من مكتبة دار نشر هانس أثناء الاحتلال الألماني في الأربعينات.
ثم اشتريت كتاباً بعنوان عازف موسيقى البيانو للرقص وعرضته على مدرسي للموسيقى، اعتبرت ذلك نوعاً من التبادل الثقافي، وكانت هذه هي البداية عندما أنهيت الثانوية الأدبية عام ١٩٤٨. لقد درست في القسم المسائي بسبب عملي في مكتب إعلانات أثناء النهار ورغم الإجهاد حصلتُ على درجات جيدة، إلا أن البنت التي كنت أحبها وأصبحت زوجتي الأولى فيما بعد لم يحالفها الحظ في الامتحان مما اضطرت لإعادة العام الدراسي، لكن كل شيء تغير، حيث كنا قد خططنا أن ندرس في الجامعة معاً.

كنت أرغب بدراسة الأدب المقارن، وبما أنها لم تقدر على ذلك فقد قررت أن أترك الدراسات الأكاديمية العليا. شعرت بالتعب ولم أعد قادراً على مثل هذه الأشياء. قرأت في إحدى المرات أثناء عملي في مكتب الإعلانات، إعلاناً عن الحاجة لعازف بيانو شاب لبار في مدينة إيسبيرج، التي كانت بالنسبة للكوبنهاغني مثل منطقة نائية، إذ إن المرء سيلتقي بأناس همج ومجانين لا يفهم لغتهم. ومع ذلك فقد ذهبت لإجراء الاختبار والمقابلة في فندق في كوبنهاغن حيثُ جاء مدير البار بنفسه ليستمع لي. عزفتُ له كل ما تعلمته من الأغاني القديمة، التي علمني إياها والدي، فقبلتُ مباشرة. سافرت إلى مدينة إيسبيرج وذهبت إلى البار واستطعت وصف قسم من قصيدة “رجل الجريدة في سبيستاون” من مجموعة “التطلع إلى عالم من داخل كأس المربى”، لأني عندما وصلت مباشرة إلى جزيرة جوتلاند إكتشفت أن أهلها ليسوا همجاً وأنهم كانوا يتحدثون نفس اللغة، التي عرفتها عند عمتي العزيزة مارثا، ولكنها كانت تتحدث بطريقتها “المارثية” وعندما سافرت إلى مدينة إيسبيرج وجدت الناس هناك يتكلمون أيضاً “المارثية !” فسألتُ والدتي من أين أصل العمة مارثا، فقالت من إيسبيرج، ففهمت سبب شعوري بالغربة ولأني عزفت لهم أغانيَ قديمة كانوا يحبونها وأصبحتُ معروفاً. هكذا بدأت مسيرتي الموسيقية. كان ذلك في شهر مارس عام ١٩٤٩.

الحب والشعر الوجداني

كتبت الشعر الغنائي لأن صديقتي، التي أصبحت زوجتي فيما بعد، كانت تحبه فبدأت كتابته، ثم بدأنا أنا وبول ديسينغ السفر داخل الدنمرك، بعدها النرويج والسويد و كان أطفالنا من نفس العمر فدخلوا المدارس النرويجية والسويدية والدنمركية، ومنذ ذلك بدأت أمميتنا، حيث كانت ابنتي إليزابيث، تميز بين اللغات الإسكندنافية، وسافرت عندما كبرت إلى أفريقيا مثل تانزانيا، وقبل عدة أشهر إلى مصر للعمل في سوق شعبي لتساعدهم في الحسابات، وسبق لها أن عملت في فرنسا وإيطاليا، فأصبحت كوسموبوليتيكية حقاً، كانت البداية الأممية في إيسبيرج.

زهير شليبه: يبدو أن عائلتك كانت مترابطة بعلاقات قوية ووالداك علماك الكثير، حدثني قليلاً عن عائلتك .

بني أندرسن: نعم أنا لا أزال اقدر هذا كثيراً، ففي عائلتنا روابط جميلة جدا، نحضر اعياد ميلادنا، وانا اسافر كثيرا لكننا كنا نجتمع في يوم عيد ميلاد والدتنا ٧ آب من كل عام مع جميع أولادنا وأحفادنا ونعتبره مقدساً بالنسبة لنا ولا تتخلف عنه مهما كان الأمر .

علاقة الشاعر بني أندرسن بالمغني بول ديسينغ

بدأت حياتي الموسيقية كعازف بيانو وقليل من الجاز في بار، التقيت بول ديسينغ في منتصف الستينات في لوسيانا، وكان هذا أمرا تقليديا، حيث كنا نريد إزالة الحواجز بين الموسيقيين من الاوبرا والاغاني ومن الكلاسيكين والجاز. كنت وبعض الشعراء الغنائيين نعمل مع لويس بولمان في مجال الشعر والجاز. كان ذلك ظاهرة أمريكية دخلت الثقافة الدنمركية، فقد قرأنا الشعر بينما كان بولمان يعزف الجاز.

في أحد لقاءاتنا طلب مني بول ديسينغ ان أكتب له نصاً غنائياً، ومنذ ذلك الحين بدأت حكاية عملنا المشترك. عملنا العديد من النشاطات مثل اغاني سفانته التي كتبتها دون أن أعرف بالضبط ماذا سيتكون لدي، وفكرت ببول ديسينغ، الذي غناها فيما بعد وأصدرنا أسطوانة لم اتوقع لها النجاح ولكنها نجحت نجاحاً باهراً. أصدرت الكتاب عام 1973بينما طبعت الأسطوانة بعد عام. لقد فوجئ موزع الأسطوانة بيتر أبراهامسن عندما باع ٥٠٠٠ أسطوانة، اتصل بي هاتفياً يقول كنت اتوقع أن أبيع ٥٠٠ أسطوانة ولكني بعت حتى الآن هذا العدد!!

أنا أعزف البيانو والجاز ولكني أعتبرهما جانبيين بالنسبة للشعر الغنائي، ومن ناحية أخرى شعرت بأهمية ان يكون المرء متجهاً إلى الخارج والداخل، بمعنى اني لم أحب أن أبقى جالساً في البيت واكتب الشعر على مدى العام، بل كان يعجبني أن أخرج وأعزف أنا وبول ديسينغ وألتقي بالناس، وعزفت في المسرح بعد أن دعاني الشاعر كلاوس ريفييه واقترح على عمل ذلك بعد لقائي به في إحدى المرات عندما كنتُ أعزف في البار واستمع لي وطلب مني أن أكتب له نصوصاً غنائية، وهكذا واصلت التعامل مع عدة نواد كما هو الحال مع نادي جيمله الثقافي في روسكيلدة، الذي دعاني والذي حضرته أنتَ أيضاً، أو في اللقاء القادم الذي دعتني فيه جمعيتكم الثقافية وتعد له في شهر تشرين الثاني نوفمبر من هذا العام وإلخ.

زهير شليبه: شكرا لك بني أندرسن على هذا اللقاء.

بني أندرسن: شكرا لك ولجهودك الكبيرة في التواصل الثقافي بين العرب والدنمرك، وتحياتي لقراء العربية.

نماذج من قصائد الشاعر الدنمركي بني أندرسن 1929-201

إلى مَن رمى كُرسياً

وقفتَ رافعاً الكرسي عندما أتيتكَ
كنتُ لاهثاً.
كُنتَ قد اتصلتَ بي.
عيناك جحظتا
وكُشّرتْ أسنانُك عندما صرختَ:
“أربعةٌ أعوامٍ من حياتي قد ضيعتُها عليها!
هل هناكً شيءُ ما بارد للغاية مثل امرأة
اعتادت ان تكون دافئة على أية حال!
في أربعة أعوامِ قد أحببتها!
لم تسنح لي الفرصة لقولِ أيّ شيء”
ولهذا صرختَ:
“أخرجي من حياتي”
ورميتَ الكرسي.
وليس الشباك!
تمكنتُ من التفكير.
هنا إذن قائمةُ
الأشياءِ التي لم اتمكن من قولها:
١ – أربعة اعوامٍ ليس بالضرورة أن تكون ضائعةً
اعتبرْها هديةً
أنتَ على أية حال ضيعتَها.
2- لدي تذكرتان إلى كونت باسي
3- أقفُ الآن وبحاجةٍ إلى كرسي من هذا النوع
4- كلانا سيضحكُ في إحدى المرات من هذا
5- ابقَ واقفاً هكذا، بينما سأجلبُ آلة التصوير
6- هل يمكنكَ ان تُقرضَني خمسمائة كرونة؟
7- أنتَ تمسكُ الكرسي خطأً.
8- عندما تتمرأى مرآتان بعضهما بعضاً فهل تعكسان صورتَهما المرئيةَ
أم تعكسان الرؤية المكرّرة
لتلكَ الصورة المرأية للمرآة الثانية؟ *
9- سروالُك مفتوح الأزرار
ولكن الأهم كان
هو أني وصلتُ إلى هناك
قبل أن يُرمى الكرسي مباشرةً
وَيُهشمَ بالحائط
بينَ الشباكين
أهمُ شيءٍ هو أن صديقاً مُخلصاً
يُراقبُ
عندما يرمي المرء كرسِيّه**
—-
*يستخدم الشاعر هنا فعل تتمرأى في كل الجملة فتصبح أكثر سخرية ومضحكة.
** في النص الإنجليزي: عندما ترمي كرسيك. 1978

حانَ الوقت*
حانَ الوقتُ
الماءُ يغلي
الأرض تحترقُ
العالمُ ينتظرُ
عندما كان ألكسندر بعمر سيزر
كانَ كبيراً آنذاك
عندما كانَ سيزر بعمري
كان قد انتهى لتوه
إنهم لم يضيعوا الزمن
والزمن لم يضيعهم
استخدموا الزمن كقميصٍ
ناموا به
أكلو به
ودُفنوا به
وهنا أجلسُ أنا
أمسكُ الصحيفة**
أمسكُ عيدَ الميلاد***
أمسكُ مرة أخرى ****
أدعُ الإنجازات تمرُ عبرَ أنفي
في المتأخرات اليائسة مع الاكتشافات
العالمُ لا ينتظر
عندما كان عمر موزارت خمس سنوات
عندما كان عمر عيسى اثنتي عشرة سنة
عندما رفع كولومبس مرساةً
عندما هوميروس
عندما رمبرانت
عندما باستور
عندما داروين*****
عندما دالغاس
عندما دافينش
عندما ديموقليس
حانَ الوقت
انتهى الوقت
قبعتي
معطفي
مشبك سروالي******
إنهُ الآن أو أبداً.
—
*أو: آن الأوان، وفي الإنجليزية تُرجم العنوان حرفياً إلى الزمن العالي، زمن الكسندر وسيزر (قيصر) المليء بالإنجازات، بينما هو، الشخص الرئيس في القصيدة، إنسان مشتت يهدر وقته لهذا متخلف عن الزمن أو متأخر عن الاكتشافات لا يستطيع متابعتها حيث تمر عبر أنفه دون أن يستطيع تكوين الانطباعات عنها ولهذا يعاني من اليأس. والشاعر كعادته يتلاعب في كل القصيدة بالكلمات بدءاً من عنوانها حتى مفرداتها الأخيرة.
**كلمة أمسك لها هنا عدة معان حسب موقعها في الجملة وسياقاتها، والشاعر كعادته يتلاعب بالكلمة انسجاماً مع الجملة السابقة، أمسك الصحيفة، تعني هنا: أشترك في الصحيفة.
***أمسك عيدَ الميلاد: أحتفلُ بعيد الميلاد.
****أمسكُ مرةً أخرى: أصمتُ أتحفّظُ.
*****كلمة عندما بالدنمركية دا Da وكما نرى انها تنسجمُ هنا مع المقاطع الأولى من الاسماء الأخيرة: داروِن، دالغاس، دافينشي، دا غاما وداموقلس “ديموقليس”.
******مشبك سروالي: مشد (قفيص) لنهاية البنطلون يستعمل عند سياقة الدراجة لكي لا يدخل القماش في السلسلة ويتسخ بزيتها.

الأعداء الأعزاء

أنا أحترمه أكثر من اللازم
كان دائما يتسلل حول القدر الساخن*
لم ترتفع الحرارة إلى رأسه أبداً
لذلك نتقاطع بدون أن نَلوي ساقينا**
نقدّمُ اليد قبل القدم
نتواصل متنكرين بأقنعة صداقة
يَسهُلُ كشفها
احتفال لشخصين
نكافئ أزياءَنا التنكريةَ المخادعةَ
نحتفل بعداوة قديمة
نشربُ نخبَ مفترقات الطرق
نشفطُ الأخطاءَ الفادحةَ من بعضنِا بعضٍ ***
وتغذية أخرى للشائعات
لكن نلتزم بدقة
بقاء توازن المكائد
الشائعة بالشائعة والمكيدة بالمكيدة
وعندما نفترق كعدوين جيدين
ويتمنى بعضُنا لبعض كلَّ شرٍّ
أتمنى لك البلاء
وأن لا تصل بالسلامة والخ
فإنه بالنسبة لي مجرد تعابير
لأني أكره أن أخسر عدوّي الوحيد.
—
من ديوان: الآه الأخيرة، المجموعة الكاملة، كوبنهاجن 1998
* التسلل حول القدر الساخن: تعبير مجازي دنمركي يُقصد به تجنب الحديث المباشر عن الموضوع أو الخلافات والتظاهر بالودية كما يفعل السياسيون.
** أن يضع كل منا قدمه إمام قدم الآخر للإيقاع به مثلما يحدث في كرة القدم، “يعطيه بند” في اللهجة العراقية، وهي كما يبدو من الإنجليزية bend يثني، يلوي ويقال “عَكرف لَوي” عند سقوط اللاعب.
*** نشفط، أو نسحب، نستدرجُ، باللهجة العراقية: نسرق لسانَة.

رسم مستوحى من قصيدة الأعداء الأعزاء لبني أندرسن

الأصدقاء الأعزاء

لدي صديقان
الآن خصمان
ولدَيّ خصمان
الآن صديقان.
أحد أصدقائي صديق أحد خصومي
صديقي الآخر خصم لصديق خصمي الآخر
إنه من الصعب التحكم ب
مع من يجب على المرء أن يحذر من عدم قول شيء ما.
المصالحة من شأنها أن تسهّلَ العلاقة لدرجة كبيرة
لذلك أؤيّدُ بقوة
أن أدير الخد الآخر إلى
ولكن على مر الزمن لم تَبقَ خدود كافية
أجرّبُ أن أعبأ خدودَ أصدقائي
هذا جعل أحد خصومي ودّيًا
وأحد أصدقائي غير ودّي
خصمي الآخر صارَ خصماً لصديقه
وصديقي الآخر صارَ صديقا
لصديق سابق لخصمي الآخر
لكن بالمقابل خصماً لصديقه الخاص السابق.
أنا أفكر بكلّ جدية بأن أشطبَ كلًّ القضية
أسحبُ الخدود إلىَّ
وأبدأ من جديد.
—–

 


من ديوان: الآه الأخيرة، المجموعة الكاملة، كوبنهاجن 1998

بلاد هانس أندرسِن*

كانوا في السابق يخفون أنفسهم
كتبوا رسائل مجهولة
جاؤوا يصرخون بإنذاراتٍ مجهولةٍ
مكالمات هاتفية من مجهولين
قاموا بهجمات مجهولة
الآن يجرأون على إماطة اللثام
لديهم الآن اسماء ووجوه
اسماء دَنمَركية جيدة
وجوهٌ دنمَركيةٌ مشدودة *
والآن اكتشفوا بعضهم بعضا
من خلال رسائل القراء
من خلال استطلاعات الرأي العام
من خلال المذياع والتلفاز
إنهم يشعرون بأنهم يصيرون أكثر فأكثر
يدّعون أنهم بالفعل
الأكثرية
إنهم غير منظّمين بعد
إنهم لحد الآن لا ينظمون المسيرات بانتظام
لكن الحزب جاهز
بأذرع مفتوحة
وحدود مغلقةٍ

يحدث العديد والكثير
بتغييرٍات مباغتة
في تشنجات هذا القرن

اللاجؤون
المهاجرون
كلكم أصحاب الشَعر المختلف
الأنف المختلف
لون الجلد المختلف
والعقيدة والتقاليد المختلفة.

هذه هي بلاد هانس أندرسن
تعلموا منها وكونوا أذكى
المضايقةُ هي الرياضة الوطنية
الفكاهة مرصوفة بقشور الموز
في المرآة السحرية للوعي العام يُنظر إلى
الضحايا
كتهديداتٍ،
الإنسانيةُ
كشيء غير دنمركي
هنا تُعدُّ فضيلة
أن يتظاهر حتى حملةُ الشهادات العليا
بأنهم لا يجيدون القراءة والحساب
بحيث تصبح بضعة آلاف
وبلمحة بصر
هجرةَ شعبٍ

احترسوا عندما يقولُ لكم بعضُهم:
أنا لستُ عنصريا، لكن-
إنها فقط
لتتنحوا جانباً
قبل أن يتقيأوا عليكم.

الدَنمَرك
أُحتلَّ مرةً من قبل جرمانٍ مجانين
ويُحتلُّ قريباً من قبل المسكونين الدَنمَركيين **
بلادي تسكنها الظهور ***
بلادي التي دائما
يتهافتون فيها على
أحذية صغيرةٍ جداً****
تم الخلط بين بلادي ذات الأفق المنكمش
فتصوروها صُرّةَ العالم

الدَنمَرك
بلادي المتَجَهّمة
كوني راشدةً وكبيرةً
افتحي عينيك
افتحي ذراعيك
حتى نستطيع أن نرفع رؤوسنا *****
بانتمائنا لكِ.

الدنمرك
لا تقللْ من شأنك
كُنْ نموذجاً
قُمْ بواجبك في العالم
خلّصنا من عارنا ******
بحيث يمكننا أن نجدد سمعتكَ.
——

من ديوان: الزمان واللقلق، المجموعة الكاملة، 1998
*يستخدم الشاعر كلمة ذات معنيين: مرتبطة، مربوطة، معقودة، مشدودة، منشدّة، وتوحي أيضا إلى: منقبضة أو متغضنة.
**يستخدم الشاعر نفس الفعل: المحتلون، لكن بمعنى المسكونين هم بالجن، أي المختلون وهنا يلعب بالكلمات ويقدم صورا مختلفة.
***تسكنه الظهور، يعني الناس الذين يديرون ظهورهم للآخرين ازدراءً لهم.
****التهافت على حذاء صغير جداً، وأنيق ونادر، تعبير مجازي إشارة للإسراع في الحصول على شيء ما قبل أن ينفذ، ويشير عموما إلى ضِيق الأفق والاهتمام بأمور تافهة.
***** في الأصل: نُقوّمَ ظُهورَنَا، نُعدّل ظهورَنا.
****** يستخدم الشاعر عبارة ترجمتها الحرفية لا تدل على المعنى الحقيقي gør vores skam til skamme
لكنها تعني هنا: اجعل عارَنا بلا أساس أو سبب وذريعة، أقضوا على أي تبرير وأساس لهذا الخزي من خلال القيام بأفعال مشرّفه، خلّصنا من خِزينا بالأعمال الإيجابية! لنبرهن بأننا ليس لدينا ما نخجل منه! بأننا لسنا عنصريين!

التشابه

ليس هناك إنسانٌ ناقصٌ
أن يشعرَ بعضُهم بالنقص
ويَشعرُ آخرون بأنهم أجدر
يُعزى في أغلب الأحيان إلى
أن هؤلاء الذين يشعرون بأنفسهم أجدر من الآخرين
يجعلون الآخرين يشعرون بالنقص
يجب أن ُيعدَّ نقصا
لذلك فعلى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم
أجدر ويعتبرون الآخرين
ناقصين، أن يعدّوا أنفسهم
ناقصين
ولكن إذا كان الجميع يجب أن يُعتبروا ناقصين
فلن يكون من الممكن استخدام المصطلح
ولهذا لا يوجد أحد ناقص
في هذه المحمية الطبيعية.

من ديوان: كوسموبوليتي في الدنمارك، المجموعة الكاملة، كوبنهاجن 1998