القضاء السوري يحكم بالمؤبد على المفتي السابق

دمشق‭- ‬الزمان‭ ‬

أصدر‭ ‬القضاء‭ ‬السوري‭ ‬الاثنين‭ ‬حكما‭ ‬حضوريا‭ ‬بالسجن‭ ‬المؤبد‭ ‬بحق‭ ‬مفتي‭ ‬الجمهورية‭ ‬السابق‭ ‬أحمد‭ ‬بدر‭ ‬الدين‭ ‬حسون‭ ‬المعروف‭ ‬لدى‭ ‬السوريين‭ ‬بمفتي‭ ‬البراميل‭ ‬المتفجرة‭ ‬صاحب‭ ‬الارتباطات‭ ‬الوثيقة‭ ‬بالحرس‭ ‬الثوري‭ ‬ومليشياته‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬إدانته‭ ‬بجرائم‭ ‬عدة‭ ‬بينها‭ ‬إثارة‭ ‬‮«‬الاقتتال‭ ‬الطائفي‮»‬‭ ‬واستغلال‭ ‬المنصب‭ ‬خلال‭ ‬حكم‭ ‬الرئيس‭ ‬المخلوع‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬بدأته‭ ‬السلطات‭ ‬الجديدة‭ ‬لمحاسبة‭ ‬رموز‭ ‬من‭ ‬حقبة‭ ‬الحكم‭ ‬السابق‭.‬

ومنذ‭ ‬إطاحتها‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬2024،‭ ‬تعهدت‭ ‬السلطات‭ ‬الانتقالية‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬والمساءلة‭ ‬عن‭ ‬فظائع‭ ‬ارتُكبت‭ ‬خلال‭ ‬حكمه،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬وسُحقت‭ ‬بالقوة‭. ‬وشرع‭ ‬القضاء‭ ‬منذ‭ ‬نيسان‭/‬أبريل‭ ‬في‭ ‬محاكمات‭ ‬علنية،‭ ‬حضوريا‭ ‬وغيابيا،‭ ‬لمسؤولين‭ ‬سياسيين‭ ‬وأمنيين‭ ‬سابقين،‭ ‬أبرزهم‭ ‬الأسد‭ ‬الذي‭ ‬أدين‭ ‬بـ»جرائم‭ ‬حرب‮»‬‭ ‬و»جرائم‭ ‬ضد‭ ‬الانسانية‮»‬‭ ‬وصدر‭ ‬بحقه‭ ‬حكم‭ ‬بالإعدام‭.‬

وأفاد‭ ‬رئيس‭ ‬محكمة‭ ‬الجنايات‭ ‬الرابعة‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬القاضي‭ ‬فخر‭ ‬الدين‭ ‬العريان‭ ‬بـ»تجريم‮»‬‭ ‬حسون‭ ‬بتهم‭ ‬عدة‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬جناية‭ ‬الاعتداء‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬إثارة‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬والاقتتال‭ ‬الطائفي‮»‬‭. ‬وأعلن‭ ‬‮«‬الحكم‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬بالسجن‭ ‬المؤبد‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أدانه‭ ‬بجرائم‭ ‬أخرى،‭ ‬بينها‭ ‬‮«‬التحريض‭ ‬على‭ ‬القتل‭ ‬قصدا‮»‬‭ ‬و»التدخل‭ ‬الأصلي‭ ‬بالقتل‭ ‬قصدا‮»‬‭ ‬و»إثارة‭ ‬النعرات‭ ‬المذهبية‭ ‬والعنصرية‮»‬،‭ ‬وحكم‭ ‬عليه‭ ‬بعقوبات‭ ‬أخرى‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬السجن‭ ‬لثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬و20‭ ‬سنة‭. ‬وقررت‭ ‬المحكمة‭ ‬مصادرة‭ ‬أصول‭ ‬حسون‭ ‬المنقولة‭ ‬وغير‭ ‬المنقولة‭ ‬لصالح‭ ‬الخزينة‭ ‬العامة،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬أحكامها‭ ‬قابلة‭ ‬للطعن‭.‬

وتولى‭ ‬حسون،‭ ‬وهو‭ ‬عاشر‭ ‬شخصية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحكم‭ ‬السابق‭ ‬يدينها‭ ‬القضاء‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬السلطات‭ ‬الانتقالية،‭ ‬منصب‭ ‬مفتي‭ ‬الجمهورية،‭ ‬أعلى‭ ‬مرجعية‭ ‬دينية‭ ‬إسلامية‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬16‭ ‬عاما‭. ‬وعُرف‭ ‬بقربه‭ ‬من‭ ‬الأسد‭ ‬وظهوره‭ ‬المتكرر‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬دينية‭. ‬وظهر‭ ‬حسون‭ ‬هزيل‭ ‬البنية‭ ‬خلف‭ ‬القضبان‭ ‬الاثنين‭ ‬أثناء‭ ‬جلسة‭ ‬النطق‭ ‬بالحكم‭ ‬التي‭ ‬بثها‭ ‬التلفزيون‭ ‬الرسمي‭. ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬النزاع‭ ‬الذي‭ ‬أودى‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬سوري،‭ ‬لقّب‭ ‬معارضون‭ ‬سابقون‭ ‬حسّون‭ ‬بـ»مفتي‭ ‬البراميل‮»‬‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬مواقفه‭ ‬المؤيدة‭ ‬للعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬شنّتها‭ ‬قوات‭ ‬الحكم‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬كانت‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬معارضيه،‭ ‬وشملت‭ ‬قصفا‭ ‬بالبراميل‭ ‬المتفجرة‭.‬‮ ‬‭ ‬وهذا‭ ‬أول‭ ‬حكم‭ ‬يصدر‭ ‬بحق‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬المحاكمات‭ ‬الجارية‭ ‬لشخصيات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحكم‭ ‬السابق،‭ ‬والتي‭ ‬تخللها‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬إصدار‭ ‬حكم‭ ‬غيابي‭ ‬بالإعدام‭ ‬على‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬وشقيقه‭ ‬ماهر‭ ‬وخمسة‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬الأمنيين‭.‬

كما‭ ‬سبق‭ ‬للمحكمة‭ ‬أن‭ ‬قضت‭ ‬حضوريا‭ ‬بالإعدام‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المسؤول‭ ‬الأمني‭ ‬السابق‭ ‬عاطف‭ ‬نجيب‭ ‬ووسيم‭ ‬الأسد،‭ ‬ابن‭ ‬عم‭ ‬الرئيس‭ ‬المخلوع‭.‬

وصدر‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬حسون،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬حلب‭ ‬وابن‭ ‬الشيخ‭ ‬الصوفي‭ ‬الراحل‭ ‬محمّد‭ ‬أديب‭ ‬حسون،‭ ‬بعد‭ ‬توقيفه‭ ‬في‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬2025،‭ ‬خلال‭ ‬محاولته‭ ‬مغادرة‭ ‬البلاد‭ ‬عبر‭ ‬مطار‭ ‬دمشق‭ ‬الدولي‭.‬

وتعارض‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنظمات‭ ‬حقوقية‭ ‬أحكام‭ ‬الإعدام‭ ‬التي‭ ‬تصدرها‭ ‬السلطات‭ ‬الانتقالية،‭ ‬وتحضّها‭ ‬على‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تحقيق‭ ‬المساءلة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مسار‭ ‬للعدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬الضحايا‮»‬‭.‬

وقالت‭ ‬منظمة‭ ‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬الأحد‭ ‬إن‭ ‬الأحكام‭ ‬‮«‬تثير‭ ‬مسائل‭ ‬قانونية‭ ‬مهمة‭ ‬ينبغي‭ ‬للحكومة‭ ‬معالجتها‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬السرعة‮»‬،‭ ‬مجددة‭ ‬معارضتها‭ ‬‮«‬عقوبة‭ ‬الإعدام‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الظروف‭ ‬لأنها‭ ‬بطبيعتها‭ ‬قاسية‭ ‬ولا‭ ‬رجعة‭ ‬فيها‮»‬‭.‬‮ ‬

ودعت‭ ‬المنظمة‭ ‬السلطات‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تضمن‭ ‬حقوق‭ ‬المحاكمة‭ ‬العادلة‭… ‬وجعل‭ ‬الإجراءات‭ ‬الجنائية‭ ‬شفافة‭ ‬ومتاحة‮»‬‭.‬

وقالت‭ ‬مديرة‭ ‬قسم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬لدى‭ ‬المنظمة‭ ‬بلقيس‭ ‬الجراح‭ ‬إن‭ ‬‮«‬تعزيز‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬العدد‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬الجرائم‭ ‬الخطيرة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬يتطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬إدانات‮»‬،‭ ‬مضيفة‭ ‬‮«‬ينبغي‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬عدالة‭ ‬كفوءة‭ ‬ونزيهة‭ ‬ومستقلة‮»‬‭.‬