الإنسان المعاصر الذي يعيش بين صورتين في مسلسل فن سارة

 

ضحى عبدالرؤوف المل

استطاعت السيناريست الكورية Chu Song-yeon تشو سونغ-يون أن تجعل الجريمة مجرد مدخل لطرح أسئلة متعددة عن الطبقات الاجتماعية والذاكرة والرغبة والسلطة. في مسلسل فن سارة The Art of Sarah إذ يتضح أن هذه الدراما تنتمي إلى هذا النوع النادر الذي يبدأ بجثة وحقيبة فاخرة، لكنها تنتهي بتفكيك الإنسان نفسه. إن أكثر ما يميزها أنها لا تجعل التحقيق وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل تجعل الحقيقة نفسها موضع تحقيق. وكل إجابة يقدمها السرد الدرامي تتحول لاحقاً إلى سؤال جديد، حتى يصل المشاهد إلى اكتشاف أن الضحية التي ظل يبحث عنها ربما لم تكن موجودة أصلًا بالهوية التي عرفها الجميع. فالغموض لا يُبنى على إخفاء المعلومات، بل على زعزعة ثقة المشاهد بكل ما اعتقد أنه يعرفه. ولهذا فإن الكاتبة تشو سونغ-يون لا تطلب من المشاهد أن يحل اللغز، بل أن يعيد تعريف معنى الحقيقة. فهل استطاعت تحويل الأشياء الجامدة إلى شخصيات درامية كاملة؟
إن أكثر ما يلفت الانتباه أن السيناريو لا يقدم الحقيبة باعتبارها سلعة استهلاكية، بل باعتبارها لغة اجتماعية كاملة. فالشخصيات لا تتحدث عن الجلد أو التصميم أو السعر فقط، بل تتحدث عن المكانة التي تمنحها الحقيبة لصاحبها. وعندما يقال إن هذا النوع من الحقائب لا يملكه إلا عدد محدود جداً من الناس، فإن الرسالة ليست اقتصادية، بل وجودية. إذ يصبح امتلاك الشيء محاولة لامتلاك هوية جديدة. ولذلك فإن الحقيبة لا تحمل مقتنيات الضحية فقط، بل تحمل حلمها، ووهمها، وموقعها داخل المجتمع. فهل يفضح هذا المسلسل وهم الطبقة الراقية دون أن يحولها إلى كاريكاتير؟
إن الحوار الذي يرفض فيه أحد رجال النخبة قبول البطلة في ناديهم بحجة أن “نسيجها مختلف” يمثل لحظة بالغة العمق. إن الرجل لا يهاجم ثروتها، ولا يشكك في نجاحها، بل يرفض أصلها الاجتماعي. وكأن الكاتبة تكشف الطبقة الحقيقية التي لا تعرف نفسها بالمال، وإنما بالذوق. لذلك يدور الحوار حول طريقة تناول الطعام، والاهتمام بالشكل أو الطعم أو الكمية، ثم ينتقل إلى العلامات الفاخرة والندرة والشعار. هذه ليست مناقشة عن المنتجات، بل عن الرأسمال الثقافي الذي يمنح بعض الناس سلطة غير مرئية على الآخرين. فالمال يمكن اكتسابه، أما الذوق – في نظر تلك النخبة – فهو ميراث لا يُشترى. وهكذا نجحت السيناريست تشو سونغ-يون في فضح أكثر أشكال التمييز قسوة، لأنه لا يقوم على القانون أو الثروة، بل على الإيحاء بأن بعض البشر “ليسوا من هذا العالم” مهما بلغ نجاحهم.

غير أن الكاتبة لهذه الدراما لا تكتفي بنقد الطبقة، بل تنتقد أيضاً الطموح عندما يتحول إلى تعويض نفسي. فالبطلة ليست امرأة جشعة أو مهووسة بالرفاهية، وإنما إنسانة تحمل جرحاً قديماً يدفعها إلى إثبات نفسها باستمرار. ولذلك تأتي الجملة التي تصفها بأنها “دائماً مستعجلة ويائسة” كتشخيص نفسي بالغ الدقة. إنها لا تركض نحو النجاح لأنها تحبه، بل لأنها تخشى التوقف. فالإنسان الذي يشعر بأنه متأخر عن الآخرين يعيش حياته كلها وكأنه في سباق لا ينتهي. ومن هنا يصبح المال وسيلة للحصول على الاعتراف، لا غاية في ذاته. هذه الفكرة تمنح الشخصية عمقاً إنسانياً نادراً، لأنها تجعل ضعفها مفهوماً دون أن تبرره، وتجعل نجاحها مؤثراً دون أن تجمله. إنها شخصية تتأرجح بين الرغبة في الصعود والخوف من السقوط، والكبرياء وهو ما يجعلها قابلة للتصديق إلى حد كبير.

إن سارة كيم الجميع يعرفها، والجميع يتحدث عنها، لكنها تظل عصية.إذ تبدو واثقة، أنيقة، كريمة، قادرة على تحويل المستحيل إلى ممكن، حتى تصبح أقرب إلى فكرة منها إلى إنسان. ثم تأتي الضربة الكبرى حين يكتشف التحقيق أن اسمها وسيرتها لا وجود لهما في السجلات الرسمية. هنا ينقلب العمل كله رأساً على عقب. لقد أمضى المشاهد وقتاً طويلًا يبحث عن امرأة، ليكتشف أنه كان يبحث عن هوية مصنوعة. وهذه واحدة من أكثر الحبكات جرأة في المسلسل، لأن الكاتب لا يخدع الشخصيات فقط، بل يخدع المشاهد أيضاً، ثم يجبره على إعادة قراءة كل المشاهد السابقة من منظور جديد. فهل كل كلمة قالتها سارة، وكل ابتسامة، وكل علاقة، تصبح فجأة موضع شك؟
إن فكرة “الأصل والمزيف” من خلال الحقيبة المقلدة تبدأ من عند الخبير حين يقول” إن النسخة المقلدة المتقنة قد تتفوق على الأصل، لأن الأصل لا يسعى إلى الكمال”. هذه الجملة من أجمل الاستعارات في العمل كله، لأنها تنطبق على البشر بقدر ما تنطبق على الأشياء. فالإنسان الحقيقي يحمل تناقضاته ونقائصه وآثاره، أما الإنسان الذي يصنع صورة مثالية عن نفسه فيبدو كاملًا أكثر من اللازم، ولذلك يثير الشك. إن الكاتب يعلن فلسفته كاملة في جملة واحدة وهي الكمال دليل اصطناع، بينما النقص علامة الحياة. ومن خلال هذه الفكرة يعيد تعريف مفهوم الأصالة، فلا تصبح الأصالة مرتبطة بالمنشأ أو الثمن، بل بالقدرة على قبول العيوب. ولهذا تتحول الحقيبة المقلدة إلى مرآة تعكس الشخصيات جميعاً ، لا باعتبارها ضحايا للخداع، بل باعتبارها صانعة لأقنعة تخفي بها ضعفها وانكساراتها الداخلية.

ولا يقل البناء العاطفي براعة عن البناء البوليسي. فالعلاقة بين البطلة وسارة لا تُكتب بوصفها قصة حب تقليدية، وإنما بوصفها لحظة اعتراف متبادل بالإنسانية. حين تقول البطلة إنها أدركت أنها كانت تمشي أربعين عاماً لتلتقي بهذه المرأة، فإن الجملة لا تعني القدر الرومانسي بقدر ما تعني العثور على شخص يرى الإنسان كما هو، لا كما يريد المجتمع أن يكون. وسارة، من جانبها، لا تمنح البطلة المال ولا النفوذ، بل تمنحها شعوراً نادراً بالقبول. ولهذا تصبح خسارتها أكبر من فقدان صديقة، إنها فقدان المرآة الوحيدة التي رأت البطلة فيها ذاتها الحقيقية. ومن هنا يكتسب التحقيق بعداً عاطفياً مؤلماً، لأن البحث عن القاتل يتحول تدريجياً إلى محاولة لاستعادة الشخص الذي منح الحياة معناها.

ومخرجة هذا العمل الدرامي لا تلهث وراء المفاجآت السطحية، بل تبني مفاجآتها ببطء، من خلال التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة ثم يتبين أنها كانت مفاتيح العمل منذ البداية، كما أن الجمل المتكررة مثل “لم يحدث بعد” أو “انظر إلى ما ينقص الإنسان لا إلى ما يملكه” ليست حكماً أخلاقية، بل بذوراً فكرية تنمو مع الأحداث حتى تكتسب معناها الكامل. وكذلك الانتقال بين عالم الموضة الفاخر وغرف التحقيق الباردة ليس انتقالًا شكلياً، بل يؤكد أن القناع والاعتراف وجهان لعملة واحدة. ففي المتجر تُصنع الصورة، وفي غرفة التحقيق تُفكك. وبهذه البنية المتوازية تنجح الكاتبة في جعل عالم الأزياء امتداداً طبيعياً لعالم الجريمة، لأن كليهما يقوم على السؤال نفسه وهو ماذا نخفي، وماذا نظهر؟ فهل هذا المسلسل يجبرنا أن نتأمل الإنسان المعاصر الذي يعيش بين صورتين هما الصورة التي يصنعها ليقنع العالم، والصورة التي يخفيها حتى عن نفسه.؟