خمس عشرة دقيقة في أروقة المحاكم – نوال الجراح

نوال الجراح

ما إن أنهيتُ عملي في إحدى محاكم التحقيق يوم أمس، في أحد أقضية الموصل، وخرجت من قاعة المحمكة حتى جلستُ أنتظر السيارة التي ستُعيدني إلى دائرتي.
دخلتُ غرفة المحامين، وجلستُ على أول مقعد
وما هي إلا لحظات حتى وقعت عيناي على أحد الزملاء جالساً أمامي. نظر إليّ بابتسامة وشيء من الإ  اعتزاز، ثم سلّم عليّ وقال:
ست نوال، هل تتذكرينني؟
لم نلتقِ منذ خمس وعشرين سنة
أبتسمتُ وقلتُ:
أستاذ فلان الفلاني… نعم، زميلي في المحاماة، أتذكرك جيداً.
جلستُ معه نحو خمس عشرة دقيقة، لكنّها كانت ربما أجمل وأعمق دقائق يومي.
أخذتنا الذاكرة بعيداً، إلى سنوات الشباب، أيام عملي في المحاماة، إلى ساحات المحاكم التي جمعتنا بزملاء وزميلات، حيث كانت تجمعنا المهنة، والإحترام، وأخوة العمل، ورقي التعامل.
تحدثنا عن الحياة، عن الأبناء، عن مراحل دراستهم وأعمالهم، وكأنّ السنوات الخمس والعشرين لم تمر.

في تلك الأيام، لم نكن نفكر: من هذا؟

وإلى أي طائفة أو مذهب أو ديانة ينتمي؟

كنّا نرى الإنسان أولاً، ونترك للآخر حقه في أن يكون مختلفاً عنّا، دون أن يكون ذلك سبباً في اختلاف القلوب.
كان زميلي ينتمي إلى مذهب مختلف عن مذهبي، لكنني لم أتذكر يوماً أنّ هذا الإختلاف كان حاضراً بيننا. لم يكن له مكان في علاقتنا، لأن ما جمعنا كان أكبر من كل التصنيفات:
الإحترام، الأخلاق، والقيم التي تربينا عليها وتمسّكنا بها حين كبُرنا ونضجنا.
وقبل أن نفترق، قال لي كلمات بقي صداها في داخلي:

( ست نوال، أهم نقطة… أراكِ بقيتِ كما أنتِ)
جملة قصيرة، لكنّها حملت لي الكثير.
حمدتُ الله في سرّي وعلني، وشعرتُ بفرح واعتزاز هادئ

حين يرى الآخر فيك حقيقتك وجوهرك كما تراها أنت في نفسك، يكون وكأنّه مرآة صادقة تُعيد إليك صورتك التي ربّما أرهقتها السنوات.
لم تكن تلك الدقائق الخمس عشرة مجرد لقاء عابر، بل كان شريط حياة مرّ سريعاً أمام ذاكرتي، بروح نقية، وذكريات جميلة، ووصف

راقٍ أدخل البهجة إلى قلبي.

شعرتُ وكأنني التقيتُ بزميلي بالأمس، لا قبل خمس وعشرين سنة.

أُدرك دائما أنّ كل موقف وحدث لا يأتي مصادفة، بل يأتي في توقيت يحمل حكمة ورسالة.
أما ما كانت تلك الرسالة تعنيه لي، فسأحتفظ به لنفسي،،
فليس كل ما يصل إلى القلب، قابلاً للنشر.