استئناف الحياة بعد الأزمات – إياد العناز

 

إياد العناز

تمر الشعوب الحرة بمنعطفات وإرهاصات تؤثر في حياتها ومستقبل أجيالها وتعيد صياغة وجودها وتحدد مسارات تفكيرها، وهنا تبرز الشخصية الواعية المدركة لكيفية التعاطي مع هذه الأزمات في زمن التناقضات ومواجهتها بما يستلزم خوض مخاض عسير يفضي إلى الخلاص بتبديد المعوقات وتسوية المطبات وردم الحفر وإزالة المعوقات وأدواته، في ذلك مزيد من التضحيات الكبيرة لتعيدها إلى الواجهة كما كانت في تاريخها الحضاري والإنساني والفكري الأصيل.
هذه التحديات تضع الشعوب أمام منعطف مهم في تحديد ثوابتها وما تستند إليه من مفاهيم في تصديها للأحداث عبر مرونة هادئة بتناغم يجمع بين الشموخ والإباء، كي لا تتحول الوسائل والأدوات إلى حالة من الانكسار والخذلان،
واعتماد الجوانب الإيجابية في مواجهة الأخطار بما يكمن فيها من إدراك الإنسان متى عليه أن ينحني تواضعًا وتقديرًا واحتراماً ومتى يشمخ عزة وكرامة ويحجم عن الذلة.
وقيل في الأثر إن شجرة الخيزران تنحني أمام الرياح القوية لتفادي الانكسار، ثم تعود لشموخها واستقامتها بعد العاصفة.
عندها تصبح الروح أكثر عطاءً ومنعًا للخذلان، بعد أن ترتوي بالرضا ويصبح العطاء امتدادًا لفيضها وتغدو القلوب حولها أكثر حياة وطمأنينة.

والعطاء الصادق يبدأ من الداخل، فمن امتلأت روحه وعيًا وسلامًا فاض عطاؤه لمن يحب، وهكذا هي الشعوب الحرة عندما تنتفض يكون عطاؤها ثرًا نحو مسيرة التغيير والإصلاح المجتمعي.
الشعوب الصادقة تسقي جذور انتمائها من عشقها لأوطانها وتصنع اخضرار مستقبلها بمعية ضياء الأمل والتفاؤل، ويكون عملها شاقًا ولكنه يأتي بثمرات العطاء والشموخ والكبرياء.
تزدهر الأرواح الحرة بربيع وجودها ورياحين عطرها وجمال حضورها وصدق انتسابها وسلامة فكرها.
مهما طال الطريق واشتدت الصعاب وادلهمت الأخطار

تبقى الأرواح مجندة للعمل والتغيير والإعمار، فبعض الأرواح لا تصنعها الظروف بل تصنع هي ظلها ومجدها، فالخيل لاتجيد الانحناء لأنها خلقت لتبقى شامخة وإن اشتدت الرياح زادت عزمًا ولا تبالي بما يلاقيها من صعاب.

ومهما تعاظم العطاء واتسعت مساحة التضحية والتمسك بالثبات والدعوة للإصلاح، لا يمكن لها أن تشرق بفجر جديد وشمس ساطعة وفضاء جميل، إلا بعد أن يتمكن الإنسان الحر من إصلاح ذاته والارتقاء بنفسه واتقاد روحه بالقيم والمبادئ الإنسانية الصادقة، لكي يفيض خيره وعطاؤه لمن حوله ويمنح الطمأنينة والأمل لهم في التغيير الشامل نحو حياة كريمة ومستقبل زاهر.

ويبقى الشموخ في الحفاظ على الكرامة الإنسانية والمبادئ الثابتة والثقة بالنفس، لتكون المرونة الإيجابية عاملًا استراتيجيًا للتعامل مع الأزمات التي تحيط بالمجتمع وتحقيق السبل الكفيلة بتجاوزها وتعزيز الحضور الفكري الملهم والانتماء الإنساني الصادق.