ما‭ ‬غاب‭ ‬عن‭ ‬نشر‭ ‬الكتب‭ ‬

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬اتحادات‭ ‬الأدباء‭ ‬والكتّاب‭ ‬والمؤلفين‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬مصفاة‭ ‬لظهور‭ ‬الكتب‭ ‬الجيدة؟

الجواب‭ ‬الجاهز‭ ‬والسريع،‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬الاتحادات‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬سلطات‭ ‬تنفيذية‭ ‬وقانونية‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬النشر،‭ ‬وانّ‭ ‬وزارات‭ ‬الثقافة‭ ‬ودوائر‭ ‬الرقابة‭ ‬هي‭ ‬ذات‭ ‬الاختصاص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

لكن‭ ‬يقابل‭ ‬هذا‭ ‬الجواب،‭ ‬واقع‭ ‬كنا‭ ‬نعيشه‭ ‬وهو‭ ‬ان‭ ‬أي‭ ‬كاتب‭ ‬يصدر‭ ‬كتابا،‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬الأقل،‭ ‬بحسب‭ ‬معايشتي‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬السابقة،‭ ‬كان‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتحاد‭ ‬الادباء،‭ ‬ليس‭ ‬كإجراء‭ ‬تنفيذي‭ ‬ملزم،‭ ‬وانما‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬الكاتب‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عضويته‭ ‬او‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجلة‭ ‬الاتحاد‭ ‬او‭ ‬مراجعات‭ ‬النقاد‭ ‬والكتاب‭ ‬المعروفين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬عيناً‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬على‭ ‬الكتب‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬فنون‭ ‬الادب‭ ‬وانواعه‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬امسيات‭ ‬الاتحاد‭ ‬وفروعه‭ ‬النشيطة‭ ‬في‭ ‬المحافظات‭ ‬الكبيرة‭. ‬كما‭ ‬انّ‭ ‬الجرأة‭ ‬السلبية‭ ‬المشهودة‭ ‬اليوم،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬منتشرة‭ ‬ولعلها‭ ‬كانت‭ ‬نادرة‭ ‬في‭ ‬اقدام‭ ‬كل‭ ‬مَن‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬النشر‭ ‬الذاتي،‭ ‬مثل‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يظن‭ ‬انه‭ ‬مطرب‭ ‬شهير‭ ‬لاعتياده‭ ‬على‭ ‬صوته‭ ‬الصادح‭ ‬في‭ ‬الحمام‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭.‬

في‭ ‬الجانب‭ ‬الاخر‭ ‬كانت‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬وحتى‭ ‬مطلع‭ ‬الثمانينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تنشر‭ ‬الكتب‭ ‬بعد‭ ‬مرورها‭ ‬بلجان‭ ‬الخبراء‭ ‬وتكون‭ ‬التقارير‭ ‬سرية‭ ‬وقاطعة،‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تطغى‭ ‬موجة‭ ‬التعبئة‭ ‬الحربية‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬الابداع‭ ‬أيضاً‭. ‬بل‭ ‬انّ‭ ‬كتّاباً‭ ‬مرموقين،‭ ‬كانت‭ ‬اللجان‭ ‬تصنف‭ ‬أعمالهم‭ ‬المنشورة‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة،‭ ‬تبدو‭ ‬اقل‭ ‬في‭ ‬التصنيف‭ ‬الاعتباري،‭ ‬فكانت‭ ‬هناك‭ ‬سلسلة‭ ‬‮«‬‭ ‬كتابات‭ ‬جديدة”‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬شعراء‭ ‬وقاصون‭ ‬وروائيون‭ ‬الى‭ ‬سلسلة‭ ‬‮«‬‭ ‬ديوان‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث”‭ ‬وسلسلة‭ ‬“القصة‭ ‬والرواية”‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬النشر‭ ‬عبرها‭ ‬اعترافاً‭ ‬بتأهيل‭ ‬الاديب‭ ‬العربي‭ ‬ودخوله‭ ‬ساحة‭ ‬الابداع‭ ‬في‭ ‬اعتراف‭ ‬تضامني‭ ‬واضح،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬كنّا‭ ‬نقرأ‭ ‬للأسماء‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬واشتهرت‭ ‬في‭ ‬الابداع‭ ‬العراقي‭ ‬لسنوات‭ ‬عديدة‭.‬

كان‭ ‬هناك‭ ‬تصنيف‭ ‬يتوافر‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬المقبولة‭ ‬في‭ ‬اخراج‭ ‬الأصوات‭ ‬الإبداعية‭ ‬الى‭ ‬عالم‭ ‬النشر‭. ‬ولا‭ ‬أستبعد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬هامش‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التصنيف‭ ‬غير‭ ‬دقيق،‭ ‬لكنّه‭ ‬في‭ ‬المجمل‭ ‬العام‭ ‬سياق‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬ناضج‭ ‬من‭ ‬الكتب‭.‬

اليوم،‭ ‬في‭ ‬اتحاد‭ ‬الادباء‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬منشورات‭ ‬خاصة‭ ‬به،‭ ‬لها‭ ‬مستوى‭ ‬مقبول‭ ‬وأحياناً‭ ‬متقدم،‭ ‬في‭ ‬التأليف‭ ‬والتصميم‭ ‬والطباعة‭. ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬إصدارات‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬المستوى‭ ‬الراقي‭ ‬في‭ ‬النشر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬علامة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬متميزة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الكتاب‭ ‬عربياً‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية