

التداخل الإجناسي في رواية (اكتشاف الحب) لمروان ياسين الدليمي

د. جاسم خلف الياس
مدخل: من الفقدان إلى قلق المصير
تتأسس رواية (اكتشاف الحب) لمروان ياسين الدليمي الصادرة عن دار نينوى 2020 على تجربة زوجية، تتعرض لهزة عنيفة مع اكتشاف المرض، إذ تتحوّل حياة الزوجين اليومية إلى سلسلة من القلق وتفعيل الذاكرة، فيجعل (مروان) من هذه التجربة اختبارا لعلاقته بكل إنسان له علاقة به (زوجته، وابنه، وأصدقائه، طبيب زوجته ….) ويتخذ الحب موقعا مركزيا، ولكنه يتجاوز العاطفة المباشرة إلى المشاركة في الألم، والتمسك بالآخر عندما تضيق إمكانات النجاة تحت ضغط المحنة، فيكتشف طبقات الحب التي تخفيها الحياة العادية. ولعل ما يكشف عن طبيعة هذه المعالجة، اللغة الشعرية التي يستهل بها السارد فصول الرواية، إذ يحوّل المرض إلى تجربة قابلة للتأمل والتخييل، فيغادر حدود الحكاية المرضية باتجاه أسئلة أوسع تتصل بالإنسان والوجود، لتغدو الواقعة منطلقا لاستنباط معنى يتجاوزها، وحكمة تتشكل من داخل التجربة. أما من ناحية السيرة الذاتية، فالسرد مؤثث بمعلومات، تجعلنا أكثر يقينا بأنّ مروان ياسين الدليمي هو صاحب التجربة التي تسردها الرواية، فالتسمية المباشرة (أنا المخرج مروان ياسين زميلك في العمل…..ص98)، وضمير المتكلم (أنا)، والتواريخ، والأماكن، والأحداث، والعلاقات الشخصية، جزء من ميثاق سيرذاتي تتكئ عليه الرواية، وفي الوقت ذاته، فإنّ إعادة تشكيل هذه التجربة داخل بنية روائية، تمنعنا من اختزالها في وثيقة سيرة ذاتية. وهذا الأمر جوهري في دراستنا، إذ تتحوّل الرواية تتحول إلى سيرة ذاتية؛ لأن الحياة الواقعية تدخل الرواية بوصفها مادة يعاد تأويلها وتشكيلها فنيا، وهذا هو الحد الفاصل بين الوثيقة والرواية.
تعتمد رواية (اكتشاف الحب) على بنية سردية تقترب في كثير من مقاطعها من (روح السينما) و (لغة الصورة)، إذ يتحرك السرد بين المشاهد والمواقع والتفاصيل كما لو أن عين الكاميرا تلاحق الشخوص في انتقالاتهم وانفعالاتها. ويتعزز ذلك بدقة واضحة في رسم الأمكنة، ومتابعة التفاصيل النفسية والزمنية، فيتحول المكان إلى عنصر فاعل في تشكيل التجربة. وفي الوقت نفسه، يتداخل الواقع بالتخييل، فتتيح للتجربة الشخصية أن تتجاوز حدودها التوثيقية نحو الكشف عما في دواخل الشخوص وتطلعاتهم وهم يقفون عند مفترق حاسم بين انتظار المجهول والتشبث بإمكان الحياة، في بوح طغى عليه حزن عميق وقلق، حتى غدت الكتابة فيه امتدادا مباشرا للتجربة المعيشة، واستحالت الكلمات وسيلة لتفريغ ما راكمته المحنة من ألم ومعاناة، فأصبحت (انشغالا واضحا في تأثيث مشهد إنساني تستحوذ فيه العلاقة بين المرأة والرجل على مساحة مركزية، في مهيمنات النص، مستمدة حضورها من الذاكرة الواقعية بكل ما تحمله من مواضع مشحونة، بمشاعر هشّة تقف فيها هواجسهما وتطلعاتهما عند مفترق طرق، تحكمها خيارات صعبة).
يتجاوز مدخل الرواية مشهد الفقدان والحزن على الغائب إلى محاولة لاستعادة الاسباب التي دفعت بالمؤلف/ السارد إلى تلك النهاية، فالزوجة تعيد ترتيب الأيام الأخيرة في ذاكرتها، مستعيدة وضعه النفسي والظروف التي أحاطت به، فتتحول الذاكرة من استرجاع عاطفي إلى فعل تأويلي؛ إذ تبدأ الشخصية في البحث عن العلامات التي كانت ماثلة أمامها ولم تكن قادرة – في حينها- على قراءتها بوصفها علامات تنذر بما سيأتي، ويكتسب فقدان العمل أهميته داخل هذا السياق؛ لأنّه تصدّع في صورة الرجل عن نفسه، وقدرته على مواجهة الحياة، إذ جاء فقدان العمل متزامنا مع ظروف استثنائية فرضها انتشار فيروس (كورونا)، بما رافقه من انغلاق وتعطل اقتصادي وتضاؤل فرص العمل. وهكذا تتضافر الظروف الشخصية والعامة لتنتج شعورا متناميا بالانسداد: رجل فقد عمله، وتقدم به العمر، وهو أمام مستقبل غامض، فتتحوّل الازمة الاقتصادية إلى ازمة وجودية، وتمحور السؤال الذي أخذ يطارد الرجل في قدرته على مواجهة الأيام القادمة إذا لم يجد عملا، وهنا يتحول (العمل) من وسيلة للعيش إلى علامة على الجدوى، والقدرة على الاستمرار؛ لذلك يبدو فقدان الوظيفة وكأنه يسحب من الرجل جزءا من إحساسه بمكانته وفاعليته. وتبلغ الازمة ذروتها في السؤال الذي يطرحه الرجل على مائدة الفطور عن حق الانسان في اختيار ساعة موته عندما تصبح الحياة عبئا عليه وعلى احبائه، وتكمن أهمية هذا السؤال في كونه يكشف أن الأزمة تجاوزت حدودها المعيشية لتصل إلى سؤال الوجود، فالشخصية تجاوزت سؤال كيف أعيش؟ وشرعت تسأل عن معنى الاستمرار حين يفقد الانسان احساسه بجدوى حياته، فتتخذ الرواية مسارا بالغ الدلالة؛ لأنّ المرأة التي لم تفهم في اللحظة الأولى عمق السؤال تعود إليه بعد الرحيل، فتكتشف أن ما يبدو جملة عابرة يكون مفتاحا من مفاتيح الغياب. وبهذا تتحول الذاكرة إلى محكمة متأخرة، تعيد فيها الشخصية قراءة الماضي بحثا عن معنى لم تدركه في حينه. ثم تنتقل الرواية من سؤال الغياب إلى سؤال الاوراق، فالـ(ملف) الذي بقي أمام المرأة يمثل حضورا مؤجلا له. إنها تعرف الرجل عبر ما كان يبوح به لها؛ ولذلك تفترض أنها تعرف كل ما يمكن أن يكون قد كتبه، ولكنها في الوقت نفسه تدرك أن هناك شيئا لم تقله الحياة المشتركة، شيئا ربما لا يمكن أن يظهر إلا في الكتابة. وهنا تبدأ المسافة بين المعرفة الشخصية والمعرفة النصية. ومن هذه اللحظة يصبح (الملف) مركزا سرديا جديدا. فالمرأة لا تود فتحه؛ لأنها تخشى ما يمكن أن يغيره هذا المحتوى في صورتها عن الرجل وعن حياتهما معا؛ لذلك يتحول فتح (الملف) إلى فعل كشف، والقراءة إلى عبور من معرفة سابقة إلى معرفة محتملة، وبهذا الفعل، تفتح الماضي، وتغامر بأن تجد فيه ما لم تكن مستعدة لمواجهته. وعند هذه النقطة تحديدا تبدأ الرواية في بناء علاقة عميقة بين الحب والفقدان، فالرجل الذي غاب جسدا يعود عبر أوراقه، والمرأة التي فقدته تبدأ في اكتشافه عبر ما تركه وراءه، وكأن الحب بعد أن كان علاقة بين شخصين، تحوّل إلى علاقة بين قارئة ونص، وغائب وكلمات. ثم تأتي العبارة المصدرة للرواية: (الانسان ليس خيالا عابرا(، لتفتح مستوى فلسفيا يتجاوز الحكاية المباشرة، فالإنسان الذي يغيب جسدا لا ينتهي بالضرورة؛ لأن وجوده يمكن أن يستمر في الذاكرة والكتابة وأثره لدى الآخرين. ويعيدنا عنوان احد الفصول (ثمة ما يثير القلق( من اليقين إلى الاحتمال. فإذا قدّم المدخل الفقدان بوصفه حقيقة واقعة، فإن هذا الفصل يعود إلى ما قبل الفقدان؛ أي الزمن الذي لم تكتمل فيه العلامات دلاليا. وهكذا تتشكل بنية المدخل من ثلاث حركات متعاقبة: فقدان، ثم استعادة، ثم اكتشاف. ويبدأ النص من نتيجة الحدث، ويعود إلى أسبابه، ثم يضع القارئ أمام أوراق قد تعيد كتابة ما حدث. ومن هذه البنية يتضح أن الرواية تكتشف الحب من نهايته، وتعيد تركيب حياة الرجل عبر ما تركه من كلمات.
تداخل الرواية مع السيرة الذاتية
يقودنا غلاف رواية (اكتشاف الحب/ أوراق من مدونتي الشخصية) إلى سؤال التجنيس؛ كونه جزءا من اشتغال النص نفسه، فالعنوان الروائي الرئيس (اكتشاف الحب) يفتح فضاء التخييل، ويعد القارئ بحكاية تتشكل حول تجربة الحب واكتشافاته وتحولاته، ولكن العنوان الفرعي (أوراق من مدونتي الشخصية) يقلب مسار القراءة، فينتقل النص من فضاء الرواية المحتمل إلى فضاء الذات، ومن الحكاية بوصفها بناء تخييليا إلى الأوراق بوصفها أثرا من آثار تجربة عاشها صاحبها ودوّنها. وهذه المزاوجة بين العنوانين، تؤسس لعلاقة تجنيسية ملتبسة، تجعل القارئ يقف بين نوعين من السرد: الرواية التي تستدعي التخيّل، والسيرة الذاتية التي تستدعي مرجعية الذات والاعتراف والتجربة الخاصة، وبينهما تتشكّل منطقة ثالثة لا يستقر فيها النص نهائيا في نوع واحد، وإنما يتحرك بينهما، موظفا ما تمنحه الرواية من إمكانات التخييل، وما تمنحه السيرة الذاتية من سلطة التجربة والذاكرة، في صيغة ذاتية مباشرة جعلت الضمير حاضرا في العتبة قبل أن يبدأ السرد، فـ(الياء) في (مدونتي) تقترح وجود مؤلف، يقف خلف الأوراق، ويمنحها صفة الصدور عن تجربة شخصية. ونقف أمام سؤال إشكالي: كيف يصنع النص من التردد بين الرواية والسيرة مجالا سرديا خاصا به؟ فالرواية الحديثة لم تعد مضطرة إلى إعلان انتمائها النوعي بصورة صريحة ومستقرة، والسيرة الذاتية أيضا لم تعد بالضرورة وثيقة شفافة تنقل حياة صاحبها كما وقعت، فضلا عن أنّ التداخل بين الاجناس صار مظهرا من مظاهر التحوّل في هذا النوع من الرواية، إذ يمكن للتجربة الشخصية أن تدخل الرواية من دون أن تفقد بعدها التخييلي، ويمكن للروائي أن يستعيد ذاته عبر آليات السرد التي تعيد تشكيل التجربة لا نقلها نقلا وثائقيا.
تدخلنا الرواية إلى عالمها السردي من بوابة الفقدان، وهذه المفارقة الأولى التي تمنح المدخل كثافته الدلالية، إذ نجد امرأة منهارة أمام غياب رجل كانت تريد أن ترحل معه، ولكنّه رحل وتركها وحيدة في مواجهة ما بعد الرحيل. وهكذا يقدم السرد الرحيل فعلا يستمر في النفس، ويتحول الغياب بعد وقوعه إلى حضور ثقيل، من الصعوبة التخلص منه. وتتضاعف قسوة الفقد بالانتقال من الحدث الخارجي إلى التفاصيل الصغيرة التي تكشف أثره النفسي، فتحاول المرأة الالتفاف علي الغياب، فتتجنب النظر إلى باب الغرفة، وكأن العين إذا وقعت على الباب ستكتشف الحقيقة التي تحاول الذات تأجيلها، فيتجاوز الباب وظيفته المكانية ليصبح علامة فاصلة بين عالمي الحضور (الوجود) والفقد (الغياب)؛ لذلك أصبح النظر اليه فعلا مؤلما، وتجنبه محاولة نفسية لإبقاء الماضي قائما. والاكثر دلالة على قولنا، هو أن المرأة تحاول أن توهم نفسها بأن الرجل ما يزال جالسا في مكانه المعتاد، على الرغم من أنها تدرك جيدا أنّ الرجل رحل في الواقع، ولكن في الذاكرة والسلوك اليومي، لم يكتمل رحيله بعد، فنكون أمام اشتغال واضح للذاكرة على مقاومة الواقع؛ الذاكرة التي تعيد انتاج الماضي في الحاضر، فيتحوّل المكان ذاته إلى مستودع للذاكرة، والمقعد الذي كان يحتله الرجل إلى علامة على حضوره المتخيل، فتستعيد الرواية الذاكرة الموصلية (الفضاء الحي الذي تتداخل فيه الأمكنة والأزمنة والعلاقات العائلية والاجتماعية) فيتحوّل الماضي من خلفية حكائية إلى قوة تستدعي الذاكرة، وتعيد تشكيل الحاضر، وتأتي (بيروت) في مقابل (الموصل) بوصفها فضاء للرحلة والمحنة، الأمر الذي منح المكان وظيفة نفسية وإنسانية تتجاوز الحضور الجغرافي.
إنّ تقديم مجموعة من المواثيق والإشارات المرجعية التي تجعل القارئ يميل إلى التعامل مع ضمير المتكلم بوصفه سردا سيريا، أو على الأقل سردا يستند إلى تجربة ذاتية حقيقية، ولكن قبل الحسم، أرى من الضرورة التمييز بين السيرة الذاتية بالمعنى النوعي الدقيق والسرد السيري. فوجود الـ(أنا) وحدها لا تكفي؛ لأن ضمير المتكلم يمكن أن يكون تقانة سردية في رواية تخييلية، ولكن ما فعّل السيرية في هذه (المدونة) هو اجتماع عدة مؤشرات، منها، التطابق بين السارد والمؤلف في المرجع الخارجي، ولا سيما حين تحدث عن دراسة المسرح في كلية الفنون الجميلة، وتجربته في التمثيل، وهي معلومات يمكن التحقق منها خارج النص. ومنها الميثاق الواقعي، فالسارد يحيل إلى أسماء وأماكن وأزمنة وأحداث محددة. ومنها التفاصيل الطبية والمكانية: اسم الطبيب، مركز ميجا، مدينة اربيل، صور الأشعة، الماموغرام، غرفة الانتظار… إلخ. إذ تؤسس هذه التفاصيل لما يمكن تسميته مرجعية التجربة. والأهم أن النص تعامل مع المرض بوصفه تجربة وجودية عاشها السارد، وشارك فيها وجدانا؛ ولذلك نراه ينتقل من مراقبة الزوجة إلى الخوف، والدعاء، واستعادة الصديق، والموت والفقد.
يعد انتقال السارد من ضمير المتكلم الــ(أنا) إلى ضمير الغائب الـ(هو)، تقانة ذات فاعلية عالية في تلقي النص السردي، وهذا كان مقصودا في (اكتشاف الحب)، فعندما يقول السارد بضمير المتكلم يكون داخل التجربة، وعندما يتحول إلى ضمير الغائب يصبح كأنه يراقب ذاته من الخارج. وهذا يمكن قراءته بوصفه مسافة سردية بين الذات (الذاكرة والانفعال والموت و…) والتجربة (الماضي والمكان والطبيب والعملية وصديقه فريد و…). ولكن النص يؤسس لسيريته عبر منظومة من المواثيق المرجعية والواقعية، تتضافر فيها مطابقة السارد للكاتب، والتواريخ والأسماء والأماكن، والتفاصيل المهنية والشخصية والطبية، فضلا عن استعادة العلاقات والوقائع التي تنتمي إلى الذاكرة الشخصية. ومن ثم فإن السيرية ينتجها التفاعل بين (أنا) السارد والمرجع الواقعي القابل للإحالة خارج النص.
إنّ كثيرا من المفتتحات النصية في هذه الرواية تأثثت بالحكمة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مفتتح الفصل الثالث: (ما الذي يدفعنا أن نقتسم مع الآخرين عذاباتهم بمحض إرادتنا؟ … ص33) وهذا سؤال يفتح التجربة كلها على بعدها الوجودي، فالسارد يسأل عن معنى أن يحمل الإنسان ألم شخص آخر وكأنه ألمه الخاص. والأهم هو المقطع الذي يبدأ بـ: (واذا ما أردت أن اكون صريحا…ص38)، وهنا يحدث كشف سردي مهم جدا؛ لأنّ السارد يعترف بأن السؤال الذي وجهه إلى سائق سيارة الأجرة هو قناع نفسي، اخترعه السارد موضوعا جانبيا لكي يجد منفذا للكلام، وليخرج شيئا من الحمل الذي يثقل روحه. ويختتم السارد هذا حديثه مع ابنه بـ(تقدم مني وامسك كفي وقبلها ثم قبل راسي مثل ما اعتاد ان يفعل كل ليلة قبل ان ينام…ص42). وهذا انتقال من جهة الخطاب، فالسارد يبدو كأنه يكتب إلى ابنه، أو يستعيد لحظة موجهة إليه، فيصبح النص في جزء منه رسالة وجدانية مستترة داخل الرواية. وبهذا يكون لدينا ثلاث طبقات متداخلة: السارد الذي يعيش الحدث، والسارد الذي يستعيد الحدث، والسارد الذي يخاطب من داخل الذاكرة (الابن، الصديق، الطبيب…). وهذا ما يجعل السرد أكثر تعقيدا من مجرد (سيرة ذاتية) بالمعنى التقليدي. ولكن حين نكتشف أنّ مروان ياسين الدليمي (لمؤلف الحقيقي) هو السارد نفسه في هذه المقاطع، وليس شخصية روائية منفصلة عنه، ينبغي أن نعيد ضبط المصطلحات، فنحن أمام رواية ذات مكون سيرذاتي قوي، وربما أمام رواية سيرذاتية إذا توافرت بقية شروط المطابقة.
وحين تأتي صورة الزوجة بعد العملية على السرير المتحرك، مغطاة بالبطانية، شاحبة الوجه، لتشكل امتدادا للمشهد الطبي السابق، يقول (مروان) بمعنى واضح: إنه كان يمتلك إحساسا بما يدور داخل رأس زوجته، وإنه فهم ما تريد قوله من حركة بسيطة. وهنا نصل إلى نقطة دقيقة جدا في السيرية، وهي أنّ السارد يوثق علاقته بها، وأنّ معرفته بما تفكر فيه تأتي من تاريخ طويل من العيش المشترك؛ ولهذا تأتي الإحالة إلى سنة 1999 ذات دلالة كبيرة؛ إذ تتحول العملية الحالية إلى حلقة في مسار مرضي طويل، ويصبح جسد الزوجة الحاضر في المشهد محمولا بذاكرة السنوات السابقة. والعبارة التي تقارن بين صورتها سنة 1999، حين كانت على قدميها، وصورتها بعد العملية، حين أصبحت (نصف امرأة) تكشف عن ذاكرة شخصية حميمة لا يمكن فصلها بسهولة عن تجربة المؤلف نفسه. وهنا نضيف مفهوما مهما إلى قراءتنا السابقة، وهو الميثاق السيرذاتي العاطفي إن جاز التعبير، فالمرجعية في هذه الرواية تتجاوز الأسماء الحقيقية، والتواريخ المحددة، والأماكن الواقعية، والمهن والتجارب الشخصية، والأحداث القابلة للإحالة خارج النص، وتنحاز جدا إلى تفاصيل وجدانية حميمة: الخوف، السهر، مراقبة الزوجة، إشارات وجهها، مرضها القديم، والإحساس بما تفكر فيه دون أن تتكلم، وهذا يقوي كثيرا فرضية أن النص يستمد مادته من حياة مروان ياسين الدليمي نفسه. ولكنني لا يمكننا الجزم بأن الرواية سيرة ذاتية خالصة؛ لأن السيرة الذاتية بالمعنى التجنيسي الصارم لها شروطها، والرواية تحتفظ دائما بمساحة للتخييل وإعادة البناء. والأدق نقديا أن نقول: إن رواية (اكتشاف الحب) تنبني على ميثاق سيرذاتي واضح، تتطابق فيه هوية المؤلف والسارد، وتتعزز هذه المطابقة بسلسلة من الإحالات الزمنية والمكانية والشخصية، ولكنّ التجربة الواقعية يعاد تشكيلها روائيا لتتحول من واقعة شخصية إلى تجربة إنسانية قابلة للتأويل.
يبني المؤلف/ السارد ذاكرته السردية، فيعود إلى الحاضر على هيئة شظايا متداخلة، لا سيما حين يستعيد السرد تفاصيل الحياة في زمن احتلال (الموصل) من قبل داعش، ثم ينتقل إلى الإحصائية التي أنجزت عن إصابات السرطان بين عامي 1991 و2016، وسفره إلى لبنان والبحث عن مستشفى الجامعة الأمريكية لإجراء فحص الـPET SCAN) … ص95) فإنه يكشف عن ذاكرة تشكلت تحت ضغط الخوف، وأصبحت تستعيد الماضي كلما واجهت الحاضر سؤالا يتعلق بالموت والحياة. ولذلك تبدو الإحصائية، على الرغم من طابعها العلمي، امتدادا للحالة النفسية للشخصية؛ فمحاولة إحصاء الإصابات والبحث عن أسباب المرض ليست سوى محاولة أخرى للسيطرة على المجهول وتحويل الخوف إلى معرفة قابلة للفحص والقياس.
ويتعمق هذا البعد حين يستحضر السرد اتصال (مروان) بزميلة ناجية من المرض، وسماع زوجته ذلك الاتصال بنفسها لكي تطمئن وتتأكد من أن الشفاء ممكن. فالزميلة هنا لا تؤدي وظيفة إخبارية، وإنما تتحول إلى شاهد حي على إمكانية تجاوز المرض، وبذلك يصبح صوت الآخر مصدرا للأمل، وتتحول تجربة النجاة الفردية إلى احتمال يمكن أن تستند إليه الذات في مواجهة خوفها. وفي مقابل حضور المرض والموت، يستعيد السرد واقعة الولادة في مستشفى الخنساء عام 1999، بوصفها الولادة الثالثة بعد انتظار سنوات طويلة، فتظهر الولادة في بنية الذاكرة باعتبارها نقيضا للموت، بل باعتبارها استعادة لمعنى الحياة نفسها. ومن هنا فإن استدعاء هذه الذكرى لا يأتي اعتباطا؛ إذ تتجاور في وعي الشخصية تجربة الجسد المهدد بالمرض مع تجربة الجسد القادر على إنتاج الحياة، فينشأ بينهما توتر دلالي يجعل الموت والحياة قطبين متجاورين في الذاكرة.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في صورة الزوجة خلال رحلتها الأولى بالطائرة، حين تستيقظ دهشتها في وجهها الشاحب وهي تقول: (إنها تستطيع أن تلامس الغيم بإصبعها). فالصورة، في ظاهرها، تعبر عن دهشة إنسان يخوض تجربة الطيران للمرة الأولى، لكنها في سياق المقطع تتجاوز الوصف العابر لتتحول إلى صورة رمزية للتحرر من ثقل الأرض، ومن ثقل المرض والخوف والذكريات. إن الغيم الذي يبدو قريبا من إصبعها يقف في مقابل الأرض المثقلة بالاحتلال والحرب والمرض والموت، ولذلك تبدو لحظة الطيران وكأنها لحظة استثنائية تستعيد فيها الشخصية قدرتها على الدهشة، وعلى النظر إلى العالم من خارج الخوف. غير أن السرد لا يسمح لهذه اللحظة أن تستمر طويلا، إذ سرعان ما تعود الذاكرة لتفرض حضورها على مروان حتى وهو في بيروت، فلا يستطيع التخلص من روتين النهوض الصباحي الذي اعتاده منذ وصوله مع عائلته هاربا من الموصل، بعد نجاته من خطر الاغتيال على يد تنظيم القاعدة. وهنا تكشف العادة اليومية عن أثر الذاكرة في الجسد؛ فالمكان تغير، لكن الخوف لم يغادر صاحبه، وكأن النجاة الجغرافية لم تكن كافية لتحقيق النجاة النفسية.
أما الانتقال من (الموصل) إلى (أربيل) ثم إلى (بيروت) فيصبح انتقالا مكانيا لا يوازيه انتقال مماثل في الوعي؛ لأنّ الشخصية تغادر المكان الذي هدد حياتها، ولكنها تحمل ذلك المكان معها في ذاكرتها وعاداتها وردود أفعالها؛ ولذلك يتحول المكان إلى قوة فاعلة في تشكيل الوعي، إذ تستمر (الموصل) في إنتاج حضورها حتى بعد مغادرتها. وإذا كان (مروان) يعاني من فائض الذاكرة، فإن الزوجة تقف في الطرف المقابل، فتبدأ بفقدان قدرتها على التركيز، ويتسلل النسيان إلى ذاكرتها، حتى تبدو في أغلب الأوقات كأنها شخص تائه يراوح في مكانه ولا يعرف إلى أين يتجه. وهنا تتأسس مفارقة عميقة بين الشخصيتين: (مروان) لا يستطيع الإفلات من الماضي يبقي حاضرا ؛ لأنه يتذكره أكثر مما ينبغي، في حين تفقد الزوجة قدرتها على الإمساك بالماضي لأنها تنساه أكثر مما ينبغي، فيصبح عبئا آخر، يسلب الإنسان قدرته على تحديد موقعه واتجاهه. وبين فائض الذاكرة وفقدانها تتشكل أزمة الوجود في الرواية. ومن ثم يغدو السرد محاولة لاستعادة ما يتشظى في الذاكرة وتنظيمه، وفي الوقت نفسه محاولة لفهم حياة ظلت معلقة بين الخوف من الموت والرغبة في التشبث بالحياة. وبذلك تتداخل أزمنة المرض والحرب والهجرة والولادة والنجاة، فتظهر طبقات زمنية، تتراكب داخل الوعي (نولد ونموت عشرات المرات في مسيرة حياتنا، وبين الموت والميلاد، هناك لحظات نتحرك فيها، ونحن نحترق بغيوم داكنة سوداء، تظلل كل خطوة نخطوها … ص147، فيستدعي السرطان الخوف (وخلال فترة الانتظار لفت انتباهي وجوه الكثير من المراجعين العراقيين الذين جاءوا من بلد النفط والخيرات ليتلقوا العلاج في لبنان، فمن نجا منهم بحياته من نيران الحرب، اصطاده السرطان، فقد تحول العراق إلى لعنة سرطانية تطارد الجميع…ص147. ويستدعي الخوف القلق (لم نفهم الحالة العبثية التي وجدنا أنفسنا فيها؛ ولأنه لم يكن يسعى إلى أن يضعنا في دائرة مقفلة من الحيرة، قطع علينا تساؤلاتنا الداخلية وقال لنا، للأسف لم يكن هناك أي جدوى من رحلكم إلى لبنان … ص161، ويستدعي القلق الذاكرة، وتستدعي الذاكرة الرحلة بالطائرة ومعنى الدهشة والحياة، قبل أن تعيد الذاكرة (مروان) مرة أخرى إلى الخوف. هكذا، فإن حركة السرد ليست حركة زمنية مستقيمة، وإنما حركة ارتدادية، ينتقل فيها الحاضر إلى الماضي ثم يعود الماضي ليضغط على الحاضر، وتتحرك الشخوص باستمرار في المكان، ولكنها في الداخل تبدو عالقة في ما عاشته، فيكتسب التيه دلالتها الأوسع؛ لأنه يصبح صورة للإنسان الذي نجا من الخطر، ولكنه لم ينج تماما من آثاره. وعلى هذا الأساس، تجعل الرواية النجاة حالة ناقصة ومستمرة.
ويكتسب حضور الشاعر (بولص آدم) دلالة تتجاوز وظيفته بوصفه شخصية واقعية يستدعيها السرد؛ فذكر اسمه الصريح يحيل إلى مرجعية سيرية تدخل في نسيج الرواية، ويجعل الواقعة المروية واقعة قابلة للإحالة على عالم خارج النص، من دون أن تفقد وظيفتها التخيلية داخل البناء الروائي، فيتجلى التداخل الاجناسي بين الرواية والسيرة الذاتية، ولا سيما بعد أن فتح السارد هذا العالم على أسماء وأشخاص ووقائع يمكن أن تحمل ظلالا من المرجع الواقعي. وهكذا تكون السيرة مكونا متداخلا مع الرواية، ترفدها بمرجعيتها الواقعية، فيما تتولى الرواية إعادة إنتاج هذه المرجعية ضمن منطقها الفني: “لم تكن المكالمة الهاتفية التي أجريتها في ذلك اليوم مع صديقي الشاعر بولس آدم، المقيم في النمسا، مجرد تواصل عابر مع صديق، وإنما كانت، في سياقها السردي، محاولة مني لكي استحث روح التمسك بالرجاء… ص196. ويكشف المقطع الذي يرد في (مبنى القناة الفضائية، ومقهى جمكو، وقلعة أربيل، ووليد كاصد الزيدي، وإعدادية عمر بن الخطاب … ص225) عن مستوى آخر من مستويات التداخل الاجناسي بين الرواية والسيرة الذاتية، عبر استدعاء السارد لعناصر ذات حمولة مرجعية واضحة، تتمثل في المكان الواقعي، والشخصية المسماة صراحة، والذاكرة الشخصية التي تربط الحاضر بالماضي، فالسارد يحدد موقعه بدقة بعد أن يذكر تفاصيل مكانية تمنح السرد ملمحا توثيقيا، وتجعله يبدو قريبا من لغة استعادة التجربة الشخصية وتسجيلها. ويزداد هذا البعد السيري وضوحا مع ذكر الدكتور (وليد كاصد الزيدي) باسمه الصريح، إذ تتحول الشخصية من مجرد شخصية روائية محتملة إلى شخصية تحمل علامة إحالية، تستدعي وجودا خارج النص، وهو يضيف معلومة شخصية دقيقة: (تربطني به صداقة قديمة تعود أيام دراستنا في إعدادية عمر بن الخطاب في الموصل … ص225). وهنا يتسع المجال السردي ليشمل طبقة من الذاكرة الشخصية، إذ يستدعي الحاضر زمنا سابقا من حياة السارد، فتتجاور لحظة المونتاج في أربيل مع زمن الدراسة في الموصل. وتتجلى أهمية هذا التداخل في أن الرواية تستحضر الماضي عرضا داخل مسار الحاضر، عبر علاقة شخصية محددة، فتصبح السيرة الذاتية كامنة في بنية الرواية، بوصفها مادة تتسرب إلى النسيج الروائي عبر التفاصيل الشخصية والوقائع والأسماء والأمكنة.
الاختتام
يختتم مروان ياسين الرواية / مدونته الشخصية بحركة تحمل كثافة دلالية واضحة: (مدت يدها وأطفأت جهاز اللابتوب)، ويمثل هذا الإطفاء لحظة توقف في رحلة طويلة من الاستعادة والكشف، إذ كانت الشاشة طوال الوقت وسيطا بين المرأة (الحاضر) والغائب (الماضي). وتكتسب الحركة التالية اهميتها من علاقتها بالزمن: (اعتدلت بجلستها، ثم سحبت نفسا عميقا). وهذا يوحي باستعادة شيء من التوازن بعد انغماس طويل في القراءة، في حين يأتي النفس العميق بوصفه علامة على الخروج من عالم الأوراق الى عالم الواقع. ولكن المرأة تنظر الى الساعة فتكتشف أن الوقت صار الخامسة والنصف صباحا فتنتبه إلى أنها أمضت ما يزيد على اثنتي عشرة ساعة في القراءة من غير أن تشعر بانسلال الوقت. وهنا يتحول الزمن من خلفية للأحداث الى عنصر دلالي في المختتم، إذ امتدت القراءة طوال الليل، من دون أن تشعر بمرور الساعات، وهذا يعني أن الزمن النفسي الذي عاشته الشخصية داخل الأوراق كان مختلفا عن الزمن الخارجي الذي تقيسه الساعة. وبذلك يعيدنا المختتم بصورة خفية الى بداية الرواية، امرأة تواجه الغياب وتحاول أن تقنع نفسها بأن الرجل ما يزال في مكانه المعتاد، وهي ذاتها تنهي قراءة ما تركه الرجل وتكتشف أن الليل كله قد مضى، وبين اللحظتين تتحول الكتابة الى وسيط بين الفقد والوجود. أما الاسئلة التي فتحتها القراءة، فتظل خارج الشاشة، في وعي المرأة، والقارئ، فيتحول الحب الى تجربة اكتشاف مستمرة لما يعنيه الحب حين يصبح غيابا، وما تعنيه الكتابة حين تصبح الوسيلة الوحيدة لاستعادة من رحل، فتنتقل من الزمن الغائب الى زمن ما بعد الغياب. وتوكد العبارة التصديرية هذا الكلام حين يقول: (الانسان ليس خيالا عابرا). فالرجل الذي غاب لم ينته بانتهاء حضوره الجسدي؛ لأنه بقي في الكلمات، والذاكرة، والوعي، والرواية ذاتها. ولعل هذا هو الاكتشاف الأكثر عمقا الذي تنتهي اليه الرواية: يقاس الحب بما يتركه الحضور بعد أن يتحول الى غياب. وحين يهجم التعب فجأة، يستعيد الجسد حضوره بعد أن كان الوعي مستغرقا في القراءة، وكأن الجسد هو الذي يذكرها بأنها ما زالت في الحاضر، وما ارتخاؤها على مسند الكرسي وإرخاء يديها، إلا إعلان نهاية حالة التوتر والانشداد التي صاحبت القراءة، إذ ظلّت طوال تلك الساعات في مواجهة نص يفتح أمامها حضور الرجل من جديد، وحين انتهت القراءة لم يبق أمامها سوى جسد متعب وذاكرة مثقلة: (دون أن تعي بما حولها، أخذت تنظر صوب نقطة بعيدة إلى فراغ شاسع لا حدود له، سارحة بذهنها تحت سحابة من الأمنيات المستحيلة، التي كانت تترجى فيها أن يعود ولو ثانية واحدة، إلا أن حسرة قوية اعتصرت قلبها، مثل شوكة انغرست تحت ظفرها، عندما أيقنت من أنها وعلى الرغم من تقتها بإخلاصه ووفائه، لها طيلة حياتهما معا، إلا أنها لم تستوعب بما يكفي، ما كان يحمله لها من حب تفاجأت بهن لمّا قرأت أوراق الملف…ص231).
يدفعها هذا السرد نحو (نقطة بعيدة) تأخذها إلى (فراغ شاسع)، فيتحول النظر من فعل بصري (تتجه فيه العين نحو الخارج) الى فعل باطني (يتجه فيه الذهن نحو الداخل)، فتتحرك فيه الذكريات والامنيات؛ ولهذا السبب أتت عبارة (سارحة بذهنها) على شكل انتقال من العالم المحسوس الى عالم نفسي تتداخل فيه الحقيقة بالرغبة. وتبلغ هذه الحالة ذروتها في تعبير (الامنيات المستحيلة) الذي يكشف أن المرأة تتعامل مع زمن يستحيل الرجوع اليه. وتختزل أمنيتها في عودة الرجل (ولو ثانية واحدة) المسافة كلها بين الرغبة والواقع، ولكن تصطدم هذه الامنية بالحسرة التي شبهها السارد العليم بـ(الشوكة)، فتمنح الشعور بعدا جسديا، وصبح الفقد ألما محسوسا، وهذه النقلة من النفسي الى الجسدي تكشف قوة الصدمة التي أحدثتها القراءة، ويكتشف القارئ المفارقة في عيشهما معا سنوات، ومع ذلك لم تستوعب (بما يكفي) ما كان يحمله لها من حب؛ أي أنّ الكشف يتعلق بقصور المعرفة داخل الحياة المشتركة، فلا القرب الجسدي يعني بالضرورة اكتمال المعرفة العاطفية، ولا السنوات المشتركة كافية لإدراك المرأة العمق الحقيقي لمشاعر زوجها. وهذا ما جسّده عنوان الرواية (اكتشاف الحب)، فالاكتشاف يحدث بعد الحب (زمن الغياب)؛ أي بعد أن فقدت القدرة على العودة اليه وسؤاله، فتتحول الرواية من حكاية فقدان الى حكاية اكتشاف متأخر. وهذه المفارقة مؤلمة بقدر ما هي دالة؛ ولذلك يصبح هذا الاكتشاف مزدوجا: اكتشاف للرجل عبر اوراقه، واكتشاف للمرأة لقصور معرفتها بهذا الرجل.
نخلص في نهاية القراءة إلى أنّ رواية (اكتشاف الحب) التي تداخلت فيها السيرة الذاتية مع السرد الروائي، تروي كيف يمكن للمحنة أن تجعل الإنسان يرى الحب الذي كان مقيما في حياته من دون أن ينتبه إليه. إنها رواية عن الحب الذي يواجه المرض، والأمل الذي يجاور الخوف، والإنسان الذي يجد نفسه معلقا بين إرادة الحياة والقدر. ومن هذه المحددات، تستمد الرواية عنوانها ودلالتها الأعمق: فالاكتشاف الحقيقي هو اكتشاف الذات وهي تواجه المحن القاسية، وتتمسك بالحياة في أكثر لحظاتها وجعا.