نيجيرفان بارزاني.. قناة الثقة بين واشنطن وطهران – نوزاد محمد مصطفى

نوزاد محمد مصطفى

في عالمنا اليوم، لا تُقاس الشخصيات السياسية بما تملكه من صلاحيات، ولا تُقاس أهمية العواصم بحجمها أو عدد سكانها، ولكن بقدرتها على فتح الأبواب المغلقة، وإيصال رسائل لا تستطيع القنوات الرسمية إيصالها، وبمستوى الثقة التي تحظى بها لدى خصوم لا يجمع بينهم سوى الشك المتبادل. ومن هذه الزاوية، فإن ما كُشف عن دور رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني كقناة احترافية فاعلة ومؤتمنة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقيادة الحرس الثوري الإيراني، إذ لا يمكن النظر إلى الحدث بوصفه خبراً عابراً، ولكن مؤشراً واضحاً على وزن سياسي ودبلوماسي، تخطى حدود أربيل والعراق.

فبحسب المعلومات التي نشرتها “أكسيوس”، لجأت الإدارة الأميركية إلى نيجيرفان بارزاني في مرحلة شديدة الحساسية لمعرفة الموقف الحقيقي لقيادة الحرس الثوري من المسار التفاوضي مع واشنطن. والسؤال الأهم هنا ليس فقط ما الذي قيل في تلك الاتصالات، بل لماذا وقع الاختيار على نيجيرفان بارزاني تحديداً من دون غيره؟

في الدبلوماسية السرية، لا يكفي أن تعرف الأطراف، ولا يكفي أن تكون قريباً من مراكز القرار. المطلوب أن تكون موضع ثقة، وأن يعتقد كل طرف أنك قادر على نقل الرسالة كما هي، بلا تحريف أو استثمار أو تسريب. هذه ليست ميزة تصنعها مناسبة واحدة، ولا يمنحها منصب رسمي، إلا أنها تُبنى عبر سنوات طويلة من العلاقات المتوازنة والقدرة على التعامل مع الخصوم والحلفاء في آن.
نيجيرفان بارزاني راكم هذا النوع من الثقة على مدى سنوات. فهو يحتفظ بعلاقات متقدمة مع الولايات المتحدة والعواصم الغربية، وفي الوقت نفسه لم يغلق أبوابه أمام إيران، كما حافظ على علاقات وثيقة مع تركيا ودول الخليج، فضلاً عن موقعه داخل المعادلة العراقية واتصالاته المستمرة مع بغداد. هذه الشبكة المعقدة من العلاقات لم تتحول إلى عبء عليه، ولكنها أصبحت مصدر قوة ومنحته مساحة حركة سياسية نادرة.

أن تتمكن واشنطن من الاعتماد على رئيس إقليم كردستان للوصول إلى أحد أكثر مراكز القوة حساسية داخل إيران، فهذا يعني أن أربيل لم تعد تُرى فقط بوصفها عاصمة لإقليم اتحادي، بل كونها نقطة اتصال يمكن أن تلعب دوراً في لحظات تتجاوز بكثير حدودها الجغرافية. واختيار أربيل لهذا النوع من الأزمات، يصبح المكان جزءاً من الضمانات، ويصبح الشخص الذي يستضيف، أو يتوسط جزءاً من معادلة الثقة نفسها. ولهذا فإن دور نيجيرفان بارزاني، إذا قُرئ بعيداً عن المبالغات المحلية والحسابات الحزبية، يعكس قدرة دبلوماسية حقيقية على الوقوف في المساحة الضيقة بين خصمين كبيرين.
هذه المساحة هي أصعب مكان يمكن أن يقف فيه سياسي في الشرق الأوسط. فمن السهل أن تكون حليفاً لطرف واحد، لكن الأصعب أن تبقى مقبولاً لدى أطراف متناقضة المصالح. أن تتحدث مع واشنطن من دون أن تخسر باب طهران، وأن تتواصل مع طهران من دون أن تفقد ثقة الغرب، وأن تحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع أنقرة والعواصم العربية وبغداد، فهذا يحتاج إلى سياسة ترتكز على التوازن لا على كثرة الضجيج الإعلامي.

وهنا تكمن أحد أهم جوانب شخصية نيجيرفان بارزاني السياسية. فهو لا يبني حضوره على التصعيد، بل على تراكم العلاقات. ولا يقدم نفسه بوصفه خصماً دائماً لأحد، بل شخصية يمكن الركون إليها عندما تصبح الحاجة إلى الحوار أكبر من الحاجة إلى الخطابات.

في السياسة الدولية، هذا النوع من النفوذ هو الأهم والأكثر صعوبة في القياس. قد تمتلك دولة جيشاً كبيراً وثروة ضخمة، لكن لا يمكن الوثوق بها لفتح قناة واحدة عندما تحل الأزمة. وقد يمتلك إقليم أصغر بكثير من الدول الكبرى قدرة على الوصول إلى عواصم متخاصمة لأن قيادته نجحت في بناء الثقة مع الجميع.

لهذا تحولت أربيل من منطقة تتأثر بصراعات الآخرين إلى مساحة يمكن أن تمر عبرها محاولات احتواء تلك الصراعات، فإن ذلك يمثل انتقالاً واضحاً في طبيعة ودور الإقليم.

أما على المستوى العراقي، فإن مثل هذا الدور يجب ألا يُقرأ بوصفه منافسة لبغداد. على العكس، قدرة شخصية عراقية ورئيس إقليم اتحادي على فتح قناة بين واشنطن وطهران، يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة للعراق كله …