فِقْهُ السَّماع وبلاغةُ الاستماع عند الإمامِ أبي حامد الغزالي

 

 

د. جاسم محمد صالح الدليمي

 

 

 

 

 

ربما يكون الامام أبو حامد الغزالي (450 هـ – 505 هـ) أبرز من عالج قضية الموسيقى والغناء بين الحلال والحرام في التراث الفقهي الإسلامي واشتغل عليها بتأمل عميق ووعي مركب متوازن يجمع بين ضوابط الفقه وصرامة قواعده او اصوله في استنباط الاحكام وإصدار الفتاوى وبين الفكر الجمالي – القائم على الإحساس بمواضع الجمال في الكلمة والصوت والنغم – والتذوق الوجداني الراقي في تلقي الكلام الجميل صحبة اللحن الموزون ومقرونا بالنغم المنتظم ليقدم بذلك رؤيته الفقهية الناضجة مستوعبة الفقه علما والموسيقى فنا والغناء ذوقا. وفي تأملنا لفقه السماع عند الامام الغزالى لا نهدف الى بيان الآراء الفقهية التي عرضها في كتابه إحياء علوم الدين 2/268 وما بعدها – في إطار آداب السماع والوجد – التي تتناول قضية حلِّية الموسيقى والغناء أو حرمتهما فذلك أمر متروك لذوي العلم بمسائل الحلال والحرام وما يتصل بها فَهُم الأقدر بهذا الشأن والأولى بمعالجته.

وانما نحاول عرض آراء الامام الغزالي في الموسيقى والغناء – من خلال ما اصطلح عليه بلفظ السماع – والنظر فيها جماليا بوصف الموسيقى والغناء فنا له قواعده ونظامه التأصيلي وثقافته الأدبية وقيمته الذوقية بما يبين أصالة الفكر الجمالي الذي يقيمه الامام الغزالي في التلقي الإبداعي للسماع على مستوى الكلام والصوت واللحن والنغم. وأننا لا نقصد من فقه السماع الدلالة الشرعية للفقه التي تعني العلم بالأحكام الشرعية العملية إنما نقصد الدلالة اللغوية للفقه التي تعني فهم غرض المتكلم من كلامه فضلا عن المهارة في العلم بالشيء. ينطلق الامام الغزالي في معالجته لفقه السماع من فكر جمالي مدرك لفعل الكلمة والصوت والنغم في الوجدان ف(لا منفذ الى القلوب الا من دهليز الأسماع فالنغمات الموزونة المستلذة تخرج ما فيها وتظهر محاسنها أو مساويها فلا يظهر من القلب عند التحريك إلا ما يحويه) ومقر لوظيفة الموسيقى والغناء في الحياة وأثرها في الشعور والعاطفة الإنسانية فضلا عن تكوين المزاج النفسي والتوتر الشعوري لدى المستمع. وأن هذا الفكر الجمالي قائم على عناصر تكوينية أولها اللغة بمقوماتها الصوتية – جرس الحروف ورنين الكلمات والعبارات – ومعانيها الروحية الراقية المترفعة عن الشهوات المادية ، وثانيها اللحن الموزون والنغم المنظوم ، وثالثها الذائقة الجمالية والحس الفني ، ورابعها المقامات والاحوال التي عليها المستمع. وهو بذلك يحاول إقامة معادلة التوازن العقلي العاطفي الوجداني حيث الفقه وقواعده الصارمة بما يمثل الضبط العقلي للفتوى وحيث الموسيقى والغناء بما يثير العاطفة ويحفز الوجدان ويثمر أريحية الشعور فتستجيب الجوارح بالحركة وينشط المستمع للفناء في مدارج الرقي الروحي.

ونعتقد أن منشأ ذلك كله هو انتماء الامام الغزالي الى عالم التصوف وبهائه الروحي وثراء ثقافته وتأملاته المعمقة في الخالق جل شأنه فضلا عن رؤيته للإنسان وعلاقاته الوجودية مع الطبيعة والكون وسعيه الى إرساء معاني الحق والخير والفضيلة والجمال في الحياة. وهو ايضا محاولة أخلاقية قيمية ذات منحى اجتماعي سعى بها الامام الغزالي الى إقامة توافقات روحية تنسجم مع واقع الحياة المعاش في عصره حيث الموسيقى والغناء يشكلان عناصر مهمة في ثقافة المجتمع آنذاك وروافد جمالية تضيء عالم الانس والطرب والمسامرات الاجتماعية في مسار ذلك الزمن. وفي إضاءة المعنى اللغوي للسماع – من خلال معاجم اللغة – يتضح أنه مصدر الفعل سَمِعَ ، وسمِع الصَّوتَ أدركه بحاسّة الأذن والجمع أَسماعٌ ، والسَّمْعُ قوَّةٌ في الأُذُن بها تدرك الأَصوات ، والسَّمَاعُ الذِّكْرُ المسموعُ الحسَنُ الجميل ، من دلالات السَّماع الغناء “والسَّماعُ الغناء.

والمِسْمَعَة: القينة المغنِّية. ومَجْلِس السَّماع مجلس الغناء أما الاستماع فهو الإصغاء إلى الكلام لفهم المقصود. ولابد من ملاحظة الفرق الدلالي الدقيق بين معنى السماع وبين معنى الاستماع فالسماع عملية تتم دون جهد وعناء من السامع حيث تستقبل الأذن الأصوات من غير إرادة وقصد ، أما الاستماع فهو انتباه الانسان للأصوات التي يتلقاها بهدف فهم المسموع والإفادة منه. ومن مقتضيات الاستماع المفيد الإصغاء الجيد للمسموعات الصوتية – كلمة ونغما – والانصات اليها بوعي صاف وهو مستوى متقدم في الاستماع يثير وجدان المستمع وشعوره ليصل به الى حالة الوجد المعبرة عن المعاني الكامنة في ذاته والتي يرغب في الاتصال بها بل ويعيشها في لحظة الوجد والشوق. يدرك الامام الغزالي أهمية اللغة الموزونة – شعرا ونثرا- والصوت النغمي في التوصيل السمعي والتأثير الوجداني في نفس المستمع حيث أعدها من المؤثرات الأساسية في القلب وهو موضع الشعور والاحساس ف(السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه ولكن يحرك ما هو فيه فالترنم بالكلمات المسجعة الموزونة معتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب ….

وإذا كان – السماع – بلفظ رشيق وصوت طيب كان أوقع في النفس) إن الصيغة الصوتية التعبيرية الناشئة من الكلمة بجرسها الصوتي ومضمونها الدلالي والنغم الموزون تخلق حالة النشوة التي توصل المستمع الى الهياج والحركة بالجوارح وهذا من دلالات (مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر فيها تأثيراً عجيباً فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار حتى قيل مَنْ لم يحركُهُ الربيعُ وأزهارُه والعودُ وأوتارُه فهو فاسدُ المزاجِ ليس له علاج) وإن التوتر الشعوري الوجداني الذي صنعته الكلمة برنين حروفها وايقاع جرسها الصوتي والنغمة بجمال وزنها أشاع في فضاء الاستماع انتشاءً طربيا راقيا تطوف به روح المستمع ليفقد فيه السيطرة الواعية على جوارحه وحركاتها الراقصة ويمضي منتشيا بالوجد الذي حلَّ فيه. وربما نلحظ للإمام الغزالي ميلا نحو النغم واللحن في الإثارة الشعورية التي ينتجها الاستماع أكثر من أثر الكلمة – الشعر- حين يؤكد بقوله (ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار) بما يبين أن دور اللحن – الاوتار- مركزي في الإثارة او هو محوري في إقامة الانتشاء الطربي لدى المستمع.

وفي ضوء حالة الانتشاء هذه وبآثارها يقرر الامام الغزالي أن (مَنْ لَمْ يُحركْهُ السماعُ فهو ناقصٌ مائلٌ عن الاعتدالِ بعيدٌ عن الروحانيةِ زائدٌ في غِلَظِ الطبعِ وكثافتِهِ على الجِمالِ والطيورِ بلْ على جميعِ البهائمِ فإنَّ جميعَها تتأثرُ بالنغماتِ الموزونةِ …ولذلك كانتِ الطيورُ تقفُ على رأسِ داودَ عليه السلام لاستماعِ صوتِه) فكأنما الاستجابة للسماع تعني نضوج المستمع ذوقيا ورقة طبعه جماليا وإدراكه لأثر الكلمة والصوت والنغم في شحنه بطاقة شعورية طربية روحية يرتاح لها القلب وتهيج بها النفس. وأن هذه الاستجابة تحقق صورة الانسجام والتوافق بين المستمع وبين اللحن الذي وفر هذه الطاقة الشعورية التي يعيشها المستمع الآن وذلك (أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب… والألحان الطيبة مناسبة للطباع ونسبتها نسبة الحظوظ ….

فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل بعضها بعضا كان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب لمشاكلة المخلوق المخلوق). وقد يكون أثر اللحن أوقع في القلب وأبلغ في النفس من أثر الكلمة – وهذا يؤكد ميل الامام الغزالي نحو اللحن دون الكلمة – على الرغم من بلاغتها وجمال إيقاعها حيث يستعين الامام الغزالي بمقولة أحد الحكماء ليقرر هذه النتيجة ذات الصفة الموسيقية الطربية فيوضح أن (في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان فلما ظهرت سرت وطربت إليها فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة الظواهر) فكأن الكلمة بقدرتها على التوصيل فشلت في التعبير عن المعاني الشريفة المطوية بين جنبات القلب المحفوظة بالضمير والوجدان ونجح اللحن بنغماته الموزونة الطربية في إعلانها والتغني بها نشوة وطربا ، حيث الطرب خفة تصيب الانسان لشدة حزن أو سرور.

ومما تجدر الإشارة اليه ان الامام الغزالي على الرغم من استخدامه لفظ اللحن والالحان الموزونة في حديثة عن السماع وهو يريد الموسيقى والغناء إلا أننا نعتقد أنه لا يقصد لحنا متكاملا لشعر مغنى بصوت مغنٍ معروف في عصره – على كثرة المغنين والمغنيات في القرن الخامس الهجري الذي عاش فيه الغزالي – حيث لم يورد مثل هذا الاستشهاد على اللحن والالحان مثل ما فعل في الاستشهاد على مسائل اللفظ الجميل والصوت الحسن والآلات الموسيقية وطبيعة أصواتها ونغمتها وأحوال المستمع ومقامات السماع وغير ذلك مما أورده في اشتغاله التحليلي على الموسيقى والغناء فلعله لم يستمع الى الالحان المعروفة في عصره ولم يحضر مجالسها لأنها ذات مضامين دنيوية شهوانية أو ربما كانت نفسه تترفع عن سماع تلك الالحان او حضور مجالسها. يقدم الامام الغزالي رؤيته لفن السماع – الذي يعني في تصونا الاستماع – في إطار مجالين أساسيين هما مقامات السماع وأحوال المستمع. وربما فات الامام الغزالي الإشارة الى مقدمات السماع حيث يكون المستمع على استعداد نفسي وشعوري وهو يمضي الى مجالس السماع ليكون هذا الاستعداد النفسي بمثابة التوطئة الوجدانية والعتبة الروحانية لاستقبال عناصر السماع في الكلمة الدالة والصوت الشجي والنغم العذب واللحن الموزون. أما مقامات السماع فيضعها في ثلاثة مقامات حيث يقول (اعلم أن أول درجة السماع فهم المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ثم يثمر الفهم الوجد ويثمر الوجد الحركة بالجوارح) ونظن أنها مستويات في السماع – أقرب من كونها مقامات – متداخلة بعضها من ثمار بعض لكنه ليس من جنسه إنما يتأسس اللاحق على السابق. أولها الفهم – بآلياته المتدرجة – الذي يعني الاصغاء الى المسموع لأجل استيعاب معانيه بوضوح وتصورها بما يناسب ما في القلب من معان يرتاح لها ويرغب بها طلبا للأنس معها، واستقبال أنغامه بأريحية شعورية بغاية التلذذ بها وصولا الى حالة الوجد.

ولنا هنا أن نسأل من اين يأتي الفهم ؟ أو كيف يفهم المستمع ما يصغي اليه ؟ ونظن أن الفهم هو ثمرة معرفة المستمع باللغة ومحمولاتها الدلالية أو معانيها المعبرة عن مواقف إنسانية أو حالات وجدانية شعورية يعيشها المستمع الآن او عاشها في ماضيه. إن فهم المستمع لمعاني السماع وانفعاله بها بتوترات عاطفية عالية واستجابته لمسموعاته النغمية الموزونة ارتقى به الى مستوى الوجد المعبر عن الحب والشوق الى المحبوب والترفع عن شهوات الدنيا ورغباتها الفانية. والوجد في اللغة هو الشغف وما يصادف القلب ويرد عليه بلا تكلف وتصنع، ووَجَدَ فلانٌ وَجْدًا: حَزِن ، وفي التصوف الوجد حالَة وُجدانيّة من الغمّ والفرح، يشعر بها المرء بانقطاع عن وجوده وباتّحاد نفسه بالوجود الإلهيّ. والوجد المتلبس بالمستمع هنا هو انتاج انبعاثات الأنغام الموزونة والالحان الطربية تهيج به جوارحه فتنفلت من إرادته الى إرادتها بحركات منتظمة منسجمة مع الأنغام وايقاع اللحن الجميل. وذلك ثمرة الوجد وقطاف زرعه.

أما أحوال المستمع فيوزعها الامام الغزالي بين أربعة أحوال تتلبس بالمستمع بما يتناسب ومعاني الفهم الذي تحصل عليه من السماع. وأول هذه الأحوال هو سماع (بمجرد الطبع أي لاحظ له في السماع إلا استلذاذ الألحان والنغمات…. وهو أخسر رتب السماع) حيث يكون السامع غافلا عن معاني الفهم المثمرة للوجد لضعف مدركات إحساسه بعناصر السماع مجتمعة بل ظل أسير التأثر– الظاهري للسماع – بلذَّة المستوى الصوتي النغمي في إطار اللحن والنغم وهذا أدنى حال في مستويات السماع. وثاني الأحوال هي (أن يسمع بفهم ولكن ينزله على صورة مخلوق إما معيناً وإما غير معين وهو سماع الشباب وأرباب الشهوات وهذه الحالة أخس من أن نتكلم فيها) فالسامع هنا ينال قسطا من الفهم لمعاني السماع الصوتية النغمية واللغوية لكنه يجري تلك المعاني نحو صور متعينة بشهوات دنيوية حيث لاحظ له من اشراقات الروح النورانية تعلو به عن رغبات الجسد الفاني. وثالث أحوال المستمع (أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته لله تعالى وتقلب أحواله في التمكن مرة والتعذر أخرى وهذا سماع المريدين) فهذه حال يصغي فيها المستمع بفكر واع وقلب حاضر لتكوينات السماع بتأثيراتها الصوتية النغمية ومعانيها اللغوية محاولا التحرر من الرغبات الدنيوية التي تعيقه من السمو بانفعالاته الشعورية الوجدية نحو الرقي الروحي وتحقيق مقصده في معرفة الخالق سبحانه وتعالى.

أما ورابع أحوال المستمع هي (سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه السلام حتى دهشن وسقط إحساسهن وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه) لم تعد الأحوال والمقامات – في هذه الحال – ذات أثر في السماع بمعنى انها ليس من مستويات السماع أو من المعاني التي ينزلها المستمع على أحواله إنما طواها السماع بمعطياته النغمية واللحنية فصار المستمع ركنا في السماع وغاب عن نفسه واحوالها بدهشة جمال المسموع ، لتتضح وظيفة السماع في رقي الذوق وتهذيب الطبع وضبط السلوك وصولا الى السمو الروحي المؤهل لاستقبال الفتوحات الإلهية التي تعني قبولا للمسلك الذي سار فيه المستمع – المنتمي الى عالم التصوف – ومن جانب آخر نجد وظيفة السماع قد تجاوزت التلقي الحسي الى الاتساع في الادراكات السمعية – تجاوزا لمنفذ السمع – حتى كأن كلَّ جسد المستمع وما فيه اصبح مجرى للسمع ومنفذا يصغي لإرسالات النغمات الموزونة وينتشي فيها ومعها ومن ثم ذاب الادراك السمعي في ما يعتمل في ذاته من وجد وشوق لصالح الادراك البصيري اليقيني – تجاوزا لمنفذ البصر- حتى كأن كلَّ ما فيه صار يبصر ما يسمع منصرفا عن كل فهم ومعنى ما خلا الخالق الجميل الجليل عظم مقامه، ليتعالى بعد ذلك كله وبالسماع ذاته الى الانتقال نحو الشهود معنى روحيا تستقر عنده ذاته وتلقى البشارات بالقبول والتحقق العرفاني .