حمام محمد لـ الزمان : التناقض المثمر .. منطقة إبداعية

حاورته : ضحى عبدالرؤوف المل

من المنطقة الملتبسة والخصبة يتشكل مشروع «التناقض المثمر» الذي طرحه أ.د. حمام محمد من الجزائر، الذي لا يدّعي اكتشاف التناقض، ولا يضع نفسه في مواجهة تاريخ طويل من المنجز النقدي الذي درس التضاد والمفارقة والثنائيات، وإنما يحاول أن يغيّر زاوية النظر إليها. فالمسألة، في جوهرها، ليست في أن نثبت أن التناقض موجود؛ فهذا أمر يكاد يكون بديهيًا في التجربة الإنسانية والأدبية، وإنما في أن نتتبع رحلته داخل النص: من أين يبدأ، وكيف يتحرك، وما الذي يغيّره، ومتى يتحول من توتر دلالي إلى طاقة إبداعية تنتج ما يمكن تسميته “المعنى الثالث”.وهنا تحديدًا تصبح مهمة الناقد أكثر تعقيدًا. فهو لا يقف أمام النص ليعلن انتصاره عليه، ولا يمتلك حق اختراع معنى لا تسنده بنيته الداخلية، بل يدخل في علاقة اختبارية مع شبكة من العلامات والإشارات والتحولات. وقد يقوده التوتر بين الأدلة المتعارضة إلى معنى لم يكن ظاهرًا في القراءة الأولى، لكن هذا المعنى لا يصبح مشروعًا لمجرد أنه جديد؛ قوته تأتي من قدرته على العودة إلى النص، ومن إمكان تتبع الطريق الذي قاد إليه.

في هذا الحوار مع أ.د. حمام محمد ، نقترب من الأسئلة التي تقف عند الحدود الفاصلة بين النقد والفلسفة والإبداع: هل «التناقض المثمر» نظرية مكتملة أم مشروع مفتوح؟ ما الذي يجعل التناقض يثمر فعلًا؟ وكيف نميز بين المعنى الذي يولده النص والمعنى الذي يفرضه الناقد؟ وأين تنتهي سلطة التأويل؟ وهل يمكن لمفهوم نقدي مفتوح أن يحافظ على دقته دون أن يتحول إلى قالب جاهز؟
الأهم أن هذا الحوار لا يقدم «التناقض المثمر» بوصفه إجابة نهائية، بل يضعه في المكان الأكثر حيوية لأي فكرة نقدية: منطقة الاختبار. فالنظرية التي لا تحتمل السؤال تتحول إلى يقين، بينما الفكرة الحية تظل قابلة للاعتراض والمراجعة والتطوير.

ولعل جوهر المشروع كله يكمن هنا: أن التناقض لا يكون نهاية المعنى، بل ربما يكون اللحظة التي يتعلم فيها النص كيف يولّد معنى آخر.

ومع أ.د. حمام محمد أجريت هذا الحوار:

التناقض موجودًا منذ أقدم النصوص، فما الذي جعلك تشعر أن النقد الأدبي لم يستنفد بعد إمكاناته؟ أين وجدتَ المنطقة التي لم يُسلَّط عليها الضوء بما يكفي؟

نعم، قد يمكن أن نقول إن النصوص القديمة التي أتتنا مسافرة من جيل إلى جيل، دون هوية واضحة في البداية، وبعد التدوين وانتشار الكتابة، وصل الإنسان إلى مرحلة من الوعي والإدراك، فأصبح يكتب في فضاء يكاد يكون مجدِّدًا لتحديد سقوف التفكير البشري الأول، في ظل انعدام مظاهر التحضر كالبنايات، والأحداث، وانتشار الأمراض النفسية التي كانت كامنة وغير معروفة.

كتب الإنسان عن خوفه وفراره من نقطة إلى نقطة، فتمركزت لديه نقطة انطلاق ونقطة وصول، وما بينهما كانت المسافة كلها تناقضًا بين ملفوظات يستعملها في حياته، بعد الاتفاق المقدس، نظير سريان القواعد الإلهية المتطلبة للتجمع. وهذا ما يؤكد لديّ وجود التناقض، ووجوده في حواري في «ملتقى الحرف» لم يكن اكتشافًا له، وإنما كان إشارة إلى وجوده، وهذا أمر بديهي.

أما قولك إن النقد، بالنسبة إليّ، لم يستنفد مقوماته في اكتشاف الظاهرة التي أشرت إليها، فهذا يتعلق بمسألة فلسفية تليق بسؤال التوليد المتناصي في حقيقته، قبل التشكل. فإذا كانت كل الظواهر قد أُدركت، فإن هذا القول يكاد يكون محصورًا؛ لأن المعرفة لم تظهر كليةً إلا من خلال الأدوات التي أظهرتها، بالنظر إلى طبيعة المواد التي أوجدتها.

فإذا كان التناقض قد وُجد كحتمية يُشار إليها من خلال دوائر الألم واللذة، أو ما اصطلح عليه في التواصل اللغوي بالخير والشر، فهذا الإدراك حقيقي ولا مناص من الاعتقاد فيه. ومن يقول إنه اكتشف التناقض، فهذا قول مردود. وما تجدر الإشارة إليه هو أن استخدام التوافق بين المتعارضين قد ينتج طروحات إبداعية جميلة، قد تذهب إلى حد العجائبية.

وبالتالي، لا يتوقف الدرس، ولا التشكل، ولا المنهج عند مجرد رصد مسافة التواجد بين المتناقضين، كالحياة والموت. فقد تنبع حياة أخرى خارج مجال الجسد، وهي حياة تتحدد شدتها عند أقصى درجات القوة، ويمكن أن نسميها «منطقة الإبداع» أو «بؤرة الإبداع المثمر» الناتج عن عملية التعارض.

وهنا يتعلق الأمر بضبط المصطلح، وليس هناك غرابة عندما نشير إلى الإثمار في التناقض؛ فهذا أمر طبيعي. كالذي يقول، مجازًا: «السماء حزينة». فالفرق بين الحالتين هو إسقاط اللون ومظاهر الكآبة التي اتفق عليها السواد الأعظم من البشر، فأصبحت السماء حزينة من خلال تعارض المصيبة مع الجزع اللامعتدل، فتنشأ الكآبة.

وتفسير هذا علائقي؛ فهو حوار معنى متوالد من التعارض، من أجل تحقيق الإثمار، وبالتالي الانطلاق إلى جوهر جديد يخدم النص ويسبغه ذهبًا، إذا كان الكاتب مبدعًا، ذهبيًا، أي محيطًا بالمعارف العلمية الدقيقة، وله أطر من إبستيمولوجيا العلوم.

فالذي ينظر خلف التناقض يجب أن يكون في منطقة آهلة بالتساؤلات الفلسفية والمنطقية، وحتى السيكولوجية. وقد ذكرت في إجابة عن أحد الخبراء أنني أتعامل مع الإثمار بوصفه حالة ميكانيكية تنتج الدلالة وتفتح آفاقًا قد تنطلق منها أفكار جديدة تخدم قضية الأدب، وربما تزيد نظرية الأدب حجاجيةً واتساعًا.

ودون أن أخفي عليك شيئًا، فإن ما يهمني هو سؤال فلسفي يتعلق بما يجري بعد التناقض. فالناس يدركون أن السماء آية وموجودة، وأن الأرض آية وموجودة، لكنهم ينظرون إليهما نظرة عادية، رغم أنهما آيتان عظيمتان. ولكن ماذا يحدث لو سقطت السماء على الأرض فعلًا؟ ستكون نهاية العالم، وسيعرف العالم مشهدًا آخر يتجاوز الموت.

هنا تصافحني مفهوم «التناقض المثمر» في مجموعة الخزرجي «منتزه الغائبين»، وقد وجدته حاضرًا بكثرة. وما صنعه الكاتب كان كثيرًا، لكنه متروك للقارئ، لكونه موجودًا في «منتزه للغائبين». وهنا يقع جوهر التناقض وثمرته.

فعلى سبيل المثال، عندما أبدأ في عتبة تحليل الشخوص بأنواعها، لا أبحث عن التناقض مباشرة، بل أبحث عن منتوج التحولات الواقعة في المتن أو الذات أو الإدراك والوعي، مما يعطيني مسافة لزرع الثمرة.

وعندما أدرس الحدث، لا أكتفي برصد المفارقة بين ما توقعناه وما حدث، بل أبحث في الطاقة الدلالية التي تولدت من هذه المفارقة.
وأعود هنا إلى توضيح أن منطقة «التناقض المثمر» هي منطقة إبداعية تحمل الكثير من التفسيرات العلمية التي يفرزها الوعي والمصطلح المتعارض، فأصير أمام منطقة آهلة بالتأويلات والرؤى والانقسامات. ويستعمل الكاتب براءته الإبداعية ليدخل ما نتج إلى قيمة الإدهاش.

إنني مقتنع بأن الكاتب المبدع الذي يحسن التأويل وصياغة السؤال الفلسفي سوف ينتهي إلى تناقض مثمر.

وبهذا، فأنا أعتبر «التناقض المثمر» ليس مجرد مصطلح جديد لإعادة تسمية ظاهرة قديمة، وإنما قيمته الحقيقية تكمن في كونه «مقاربة» يمكن أن نختبر بها النص، وننتقل من سؤال: «أين يوجد التناقض؟» إلى سؤال أكثر إنتاجية: «ماذا يفعل التناقض بالنص؟».

وهنا، في تقديري، تكمن المنطقة التي لم يستنفد النقد الأدبي إمكاناتها بعد: ليس في اكتشاف التناقض بوصفه ظاهرة قديمة، وإنما في دراسة ما ينتجه التناقض من معنى، وما يفتحه من إمكانات تأويلية وجمالية وفكرية داخل النص.

 

 

 

 

 

 

– هل «التناقض المثمر» نظرية نقدية مكتملة في تصورك، أم أنه حتى الآن فرضية نقدية قابلة للاختبار والتطوير؟
لا يمكن الجزم بأن «التناقض المثمر» أصبح نظرية نقدية مكتملة؛ أمر صعب، لأنني أتعامل معه، في هذه المرحلة، باعتباره مشروعًا نقديًا في طور التشكّل، أو فرضية نقدية مفتوحة على الاختبار والتطوير، وإن كان يمتلك في الوقت نفسه ملامح نظرية يمكن أن تتبلور تدريجيًا من خلال التطبيق والتراكم.
ما دفعني إلى هذا التصور هو أن هناك خصائص جوهرية في العملية الإبداعية والأدبية ظلت، في تقديري، أقل حضورًا مما تستحق في بعض المقاربات النقدية. وليس المقصود أن الدراسات النقدية القديمة والمعاصرة لم تقترب من ظاهرة التناقض أو التضاد؛ بل إن هذه المفاهيم حاضرة فيها بوضوح، وإنما أرى أن ما لم يحظَ بالعناية الكافية هو ما يحدث بعد إنتاج التعارض: أي كيف يتحرك هذا التعارض داخل النص، وكيف يتفاعل مع عناصره، وكيف يمكن أن يتحول من مجرد تضاد إلى طاقة منتجة لمعنى جديد.
ومن هنا جاءت زاوية «التناقض المثمر». فأنا لا أقدمه بوصفه قطيعة مع التراث النقدي، ولا أدعي أن الدراسات السابقة لم تلتفت إلى هذه الظاهرة، وإنما أحاول أن ألفت النظر إلى منطقة أرى أنها لم تُدرس بما يكفي، وهي ديناميكية التناقض وآلية تحوله من حالة تعارض إلى حالة إثمار دلالي وجمالي.
وأنا لا أريد أن أبني مشروعي على مفاهيم جاهزة ثم أُخضع النصوص لها قسرًا، ولا أعيب الدراسات النقدية السابقة في حد ذاتها، وإنما أتحفظ على بعض الرؤى التي قد تغيب، أو تُغيَّب، عند مناقشة الظواهر الإبداعية، فتتعامل مع النص وفق قوالب مسبقة بدل أن تنطلق من حركته الداخلية.
لذلك أقول إن «التناقض المثمر» في أعماقه مشروع نظرية نقدية فكرية تقوم على تفكيك المعنى المتولد من التعارض، لا على مجرد رصد التعارض في ذاته. ويمكن أن يبدو، للوهلة الأولى، قريبًا من بعض قضايا تفاعل النصوص أو اندماجها، لكنني أرى أن القضية مختلفة؛ فلو كانت المسألة مجرد اندماج نصي لكان الأمر أكثر سهولة، أما هنا فنحن أمام عملية تبدأ باكتشاف التعارض، ثم تتبع حركته داخل النص، ثم البحث في كيفية إخضاع هذا التعارض لمسار إبداعي ينتج عنه معنى مثمر.
وبعبارة أخرى، لا يكفيني أن أقول: «هناك تناقض في النص». السؤال الذي أطرحه هو: ماذا فعل هذا التناقض؟ وإلى أين تحرك؟ وماذا أنتج؟ وهل غيّر من بنية المعنى أو من أفق التلقي؟ هنا تحديدًا أرى أن «التناقض» ينتقل من كونه عائقًا أمام الفهم إلى كونه أداة لإنتاج الفهم.
ثم بدأت أختبر هذه الفرضية في النصوص السردية، ولا سيما في القصة العربية. وهنا تأتي أهمية كتابي «التناقض المثمر في القصة العربية»، ودراستي التطبيقية لمجموعة «منتزه الغائبين» لميثم الخزرجي.
فالمقصود من التطبيق لم يكن إثبات أن كل نص يحتوي على تناقض هو بالضرورة «مثمر»، وإنما اختبار المفهوم نفسه: هل نستطيع أن نحدد لحظة التناقض؟ وهل نستطيع أن نرصد حركته داخل النص؟ وهل نستطيع أن نحدد الناتج الذي يخلّفه في بنية النص ودلالته وجماليته؟
إذا استطعنا فعل ذلك بصورة متكررة ومنهجية في نصوص مختلفة، فإننا نقترب من بناء نظرية. أما إذا اكتشفنا أن المفهوم لا يعمل إلا في حالات محدودة، أو أن حدوده غير واضحة، أو أنه لا يضيف شيئًا حقيقيًا إلى المفاهيم النقدية الموجودة، فعندها يجب أن نراجع الفرضية ونعدلها، وربما نتخلى عن بعض عناصرها. وهذه، بالنسبة لي، ليست نقطة ضعف، بل هي جوهر البحث العلمي.
لذلك أقول إن “التناقض المثمر” اليوم هو أقرب إلى “مشروع نظرية” منه إلى “نظرية مكتملة”.
وأنا أتعمد استخدام كلمة “مشروع”، لأنني أريد أن أترك الباب مفتوحًا أمام الباحثين الآخرين. فالنظرية التي لا تسمح للآخر بأن يعترض عليها أو يختبرها أو يعدلها تتحول إلى عقيدة نقدية، وأنا لا أريد لهذا المشروع أن يكون كذلك.

 

 

 

 

 

 

– ما المعيار الذي يجعلنا نقول إن التناقض «أثمر» فعلًا؟ هل يكفي أن ينتج تأويلًا جديدًا، أم يجب أن يغير بنية النص أو يعيد تشكيل فهمنا للشخصية والحدث والنهاية؟
يجب أن نعلم بأنه ليس كل تناقض في النص تناقضًا مثمرًا، وليس كل تأويل جديد دليلًا على أن التناقض قد أثمر. فالتناقض، في تصوري، يمر بحالة من الإثمار الدينامي؛ إذ يمكن أن يولّد معنى جديدًا قد يظهر للمرة الأولى. وليس من الضروري أن ينتمي هذا المعنى الجديد إلى النص انتماءً حرفيًا، فقد يؤول الكاتب هذا الإثمار في سياقه الإبداعي والمعرفي الذي كُتب فيه النص.
والمسألة هنا ليست في تغيير النص تمامًا، وإنما في محاولة الخروج إبداعيًا من إشكالية قديمة إلى إشكالية جديدة قد لا تنتمي إلى النص برمته، إذا كان التضاد فعليًا وواضحًا. أما إذا كان التناقض ممتدًا داخل جمل طويلة أو متشابكة، فقد يتعسر تحديد المعيار الذي يمكن من خلاله الحكم على إثماره.
وهنا نكاد نرى مقاربتين: مقاربة تزيد النص بريقًا إبداعيًا وتأويليًا، ومقاربة أخرى تريد أن تجعل من الإثمار مفهومًا فلسفيًا مغلقًا يمكن القياس عليه بصورة صارمة. ومن هذه الزاوية، لا أعتقد أن هناك معايير ضابطة بالمعنى الصناعي للمفهوم؛ لأننا لا نتعامل مع مشروع صناعي يمكن ضبط مخرجاته وفق مقاييس ثابتة. لقد ركزنا منذ البداية على أن الإثمار عملية ديناميكية إبداعية، تقوم على ما يملكه المؤلف من معارف وخبرات وقدرات تأويلية وإبداعية، وليست عملية عادية أو آلية.
فالإثمار، في تصوري، لا يصنعه مجرد وجود التناقض، وإنما يصنعه مبدع يمتلك القدرة على الخروج من المناورة التأويلية إلى أفق إبداعي جديد.لذلك، لا يكفي أن ينتج التناقض تأويلًا جديدًا فقط، وإنما يجب أن تكون هناك علاقة واضحة بين المألوف والتحول الذي يطرأ عليه. وإلا فإن التناقض يتحول إلى مجرد إرباك قد يهز المعنى، وفي هذه الحالة لا نتحدث عن «الإثمار»، بل عن اضطراب في البنية الدلالية.
أما عندما ننتقل من التوتر الناتج عن التعارض إلى حركة التحول، فإن الإثمار يأتي بوصفه صيغة تأويلية إبداعية تتشكل بعد توظيف المؤشرات الدلالية، أي بوصفه ناتجًا دلاليًا جديدًا يعيد تنظيم المعنى السابق أو يفتح أمامه أفقًا آخر.ومن هنا أؤكد أنني لا أكتفي بمجرد وجود تأويل جديد، بل أشترط أن يكون هذا التأويل داخليًا، أي أن تكون له علاقة مباشرة بعملية التحول التي حدثت بين المتعارضين داخل النص. وإلا وجدنا أنفسنا أمام إضافة إبداعية ثانوية إلى إبداع سابق، لا أمام إثمار حقيقي ناتج عن التناقض.
وفي الحالة التي يأتي فيها التسلسل الإبداعي من خارج التعارض النصي، ينبغي الانتباه، بخبرة نقدية دقيقة، إلى حركة التأويل ومصدرها: هل وُلدت من التناقض نفسه وتحولاته الداخلية، أم أضافها المبدع من خارجه؟ وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين التناقض الذي يثمر، والتناقض الذي يستعمله الناقد ذريعة لإنتاج تأويل لا علاقة عضوية له بالبنية المتعارضة في النص.
وعليه، فإن «التناقض المثمر» لا يقوم على مجرد وجود تعارض، ولا على مجرد إنتاج معنى جديد، وإنما على مسار متكامل يبدأ بالتوتر، ثم ينتقل إلى التحول، ثم ينتهي إلى إثمار دلالي أو إبداعي يمكن تتبع علاقته بالتناقض الأصلي.

 

 

 

– كيف نميز بين «المعنى الثالث» الذي ينتجه النص فعلًا، وبين المعنى الذي يخترعه الناقد من خلال تأويله؟
نجد أن الإجابة عن سؤالكم تدور حول مصطلحين: التفريق بين “اكتشاف المعنى” و”اختراع المعنى”
الناقد عندما يكون أمام نص، لا يجب أن يدّعي بأنه حر في كتابة ما يريد؛ لأن ذلك اشتغال غير مشروع على نص لا يملكه، وبالتالي فهو غير مؤهل لإضفاء معنى من ذاته كنوع من الاختراع. وعليه، يظل ذكياً في أن النص قد يقارب طرحه ويجانبه، ومع ذلك يبقى غير مؤهل للتصرف فيه بحرية. فالناقد يكشف العلاقات التي تسمح بالوصول إلى «المعنى الثالث».
_ إذاً، كيف يظهر “المعنى الثالث”؟
يظهر كمعنى متحوّل من متناقضين قامت بينهما علاقة إنتاجية، ومن شروطها أن يظل الناقد حريصًا على الرجوع إلى النص، ويعرف رحلة «المعنى الثالث» التي عادة ما تمر بمجموعة من العلاقات المترابطة في ظل التعالق والترابط النصي بين الرموز والعلامات التي تتعارض معها. كما أن التحول يكون مقيدًا بفهم العتبات، والنص، في قوته أو ضعفه، يضع حدودًا أمام الناقد.
ولما يعود الناقد إلى النص، عندما يعيش التوتر بسبب الأدلة المتعارضة، فقد يكون هذا التوتر نفسه هو الذي يولّد «المعنى الثالث». وفي الأخير، يجب أن يؤمن الناقد بأن «المعنى الثالث» ليس حقيقة نهائية، بل هو تأويل، وهو وليد مجموعة من الأدوات. ولكي نتميز بين معنى الناقد و«المعنى الثالث»، فإن «المعنى الثالث»، كما أشرت، يستند إلى عناصر كائنة داخل النص ومرتبطة به.
لا يظهر «المعنى الثالث» من علامة واحدة معزولة، فهو يتشكل من مجموعة من العلامات التي تتكرر أو تتفاعل أو تتعارض داخل النص. ولهذا، فلا يجب أن يكون التأويل مركزًا على جملة منفردة، بل تكون هناك شبكة من العلاقات. فلا يجب أن نقيس على شيء قاله أحد الشخوص، ولما نتمعن نجد أنه لا يقصده أصلًا، وبعملنا نكون قد وضعنا إبرة علاجية في غير محلها. فقد تكشف أفعال الشخصية صورة مختلفة. وقد يبدو الحدث في البداية بسيطًا، ثم تكشف النهاية أن له دلالة أخرى.
أما إذا أدى «المعنى الثالث» إلى إعادة فهم شخصية، أو إلى تفسير جديد لحدث، أو إلى إعادة قراءة عنوان، أو إلى تغيير دلالة النهاية، فهنا يصبح لدينا دليل أقوى على أن التناقض أنتج فعلًا معنى جديدًا.
بعبارة أخرى، أنا لا أنظر إلى «المعنى الثالث» كونه مقدسًا أو تأويلًا نهائيًا، بل أراه تأويلًا قابلًا للمناقشة. يمكن لباحث آخر أن يختلف معي، لكن عليه أن يختلف معي من داخل النص.
وهنا تصبح المسألة علمية أكثر.
إذا قلت إن التناقض بين صورتين لشخصية ما أنتج معنى ثالثًا، يستطيع باحث آخر أن يقول: لا، هذه العلامات لا تكفي. أو يستطيع أن يضيف علامات أخرى ويصل إلى نتيجة مختلفة. هذا الاختلاف لا يعني أن أحدنا اخترع المعنى بالضرورة، بل يعني أن النص الأدبي يحتمل تعدد القراءات.
المشكلة تبدأ عندما ينفصل التأويل عن النص. ولهذا أميز دائمًا بين «التأويل الممكن» و«التأويل الاعتباطي». التأويل الممكن هو الذي يملك سندًا نصيًا، وتدعمه شبكة من القرائن، ويستطيع أن يفسر لماذا ظهرت هذه العلامات وكيف ارتبط بعضها ببعض. أما التأويل الاعتباطي فهو الذي يبدأ من فكرة خارج النص، ثم يبحث عن أي علامة صغيرة ليبرهن عليها. وهذا النوع من القراءة لا أراه منتجًا في مشروع «التناقض المثمر».
ومن هنا أرى أن الناقد لا ينبغي أن يسأل فقط: «ماذا أستطيع أن أقول عن النص؟»
إذا كان «المعنى الثالث» يستطيع أن يُحدث تحولًا في فهم الشخصية، فهو معنى قوي. أما إذا كان المعنى لا يحتاج إلى النص إلا بوصفه ذريعة، فينبغي أن نشك فيه.
وأنا لا أقول إن الناقد محايد تمامًا؛ فالناقد يحمل ثقافته وخبرته ومفاهيمه وأسئلته، ولا يمكن إلغاء ذاتية القراءة بصورة كاملة. لكن يمكن ضبط هذه الذاتية بالمنهج. وهنا تأتي أهمية التطبيق في مشروع «التناقض المثمر». فأنا لا أريد أن أقول للقارئ: «هذا هو المعنى الثالث لأنني رأيته»، وإنما أريد أن أريه الطريق الذي سلكه النص حتى وصلنا إليه.و«المعنى الثالث» ليس إجابة ثالثة، وإنما قد يكون أحيانًا سؤالًا.

 

 

 

– قلت إن الناقد قد يكتشف أحيانًا شيئًا ربما لم ينتبه إليه الكاتب نفسه. إلى أي حد تمنح الناقد سلطة إنتاج المعنى، وأين تضع الحد الذي لا يجوز له تجاوزه؟
نعم، سؤال ذكي، مشكورة سيدتي. نعم، قلت قد يكتشف الناقد أشياء كثيرة لم ينتبه إليها الكاتب، وهي أشياء ربما يمكن إرجاعها إلى المستوى العلمي، وإلى الفارق بين الاثنين؛ لأن النصوص المتولدة بالنظرات القرائية القبلية كثيرة، وخاصة إذا غطتها أسئلة الفلسفة، سيعقد الأمر كثيرًا، وهي غطاء يحجب ما هو جميل من معاني النص. هذه أول نقطة تصنع الفارق.
كما أن اختلاف الرؤى والبيئات والمطالعة المستمرة قد تزيد من مدة تعبئة القراءة للمختلف، مما يشحن قوة رد عنيفة أو صادمة في محاولة الناقد أن يفرض تأويلًا ربما يراه هو مناسبًا بالنسبة له، وعند الآخرين هو فرط من الأحلام.
ولهذا، ما على الناقد إلا أن يعي أنه أمام نص يجب أن يطرح على نفسه عدة أسئلة، آخرها: هل النص أصيل، يعني من إنتاج الكاتب؟ وإذا كان حقيقيًا، فقد يصل إلى ذلك إذا اكتشف ملفوظات التعارض، وأنتج إثمارًا منطقيًا مرتكزًا على حقائق علمية، سواء كانت مجرَّبة بإحدى المناهج التجريبية أو المسحية.
دعني أقول أيضًا: يرى الناقد أحيانًا أنه أكبر بكثير من النص الذي يقرأه بسبب المعارف النقدية التي اكتسبها، أو يرجع الأمر لغروره بأن هذا النص أو هذا التعارض قد سُبق في النصوص القديمة. ويبقى هذا التقدير محل تساؤل، وهو ما أراه اليوم فارقًا في تناول بعض النصوص الجميلة التي عُزلت وتُركت، ونقاد يلجؤون إلى نصوص باذخة وشبابية تحمل الرفث والانزياحات الجيلية، دون توقف، بحكم تشجيع الحركة الجديدة. ومنهم من يحكم على الطفرة التي استنتجها على أنها إبداع لا يتكرر، فيتعلق بالنص، فيصير حامي الحمى، غير مدرك أنه يَطلسم مسيرة الناقد الجيد.
ولما ذكرت في الشطر الثاني عن سلطة المنح للناقد في إنتاج المعنى، فهذا يتعلق بثقافة النقد القرائية في مجالات كثيرة، ليس الأدب فقط واحدًا منها؛ لأن النص هو مزج من الكمال الاجتماعي. فالناقد ليس مؤهلًا لوضع حدود تخرج عن حدود العرف والثوابت، وبذلك أرفض، في اعتقادي، أن يُلقب الناقد بواضع الحدود، وإنما يستطيع أن يتبنى مهارات تدخل في جماليات التلقي، ويقر بها كما سميتها الحدود.
فالنقد دائم الخوض في بنية النص العميقة التي تختزل الفلسفة الاختراقية. فبالنسبة لي، ما دام أمر الخارقية مجازًا دينيًا وعلميًا، فإني لا أرى حدًا في ترتيب الإثمار، مثله كبراءات الاختراع؛ كل براءة لها مقاساتها.
ولعل الحد الذي ذكرته لكي لا يتجاوز الناقد الحد، فأنا في اعتقادي ليس هناك حد إلا ما ذكرته في إطار الأعراف والتقاليد المحترمة، سَوَاءً من قبل العامة ممن وضعوا الاتفاق المشترك.
وأنا على دراية بأن الاتفاق المشترك يبقى حقيقة ماثلة في المعنى، غير مدركة سياقيًا. فلا حدود أمام الإبداع، وقد أقر مولانا بأمر الخارقية بشرط استطاعة النفاذ بالعلم، وهذا هو الممكن في «التناقض المثمر»، الذي سوف يعطينا جماليات رُميت في الهامش منذ آلاف السنين على أنها شاذة أو معيبة أو خارج التصور.
وهنا أتحدث عن تلك الاستثناءات الواردة في الآداب العالمية، ولا سيما الهندية وغيرها. فالناقد المتمكن قرائيًا يستطيع أن يبدع بمهارات جمالية قد تصلح لأزمان، إلا أن يثبتها الاختراق العلمي مستقبلًا.

 

 

 

 

– ألا تخشى أن يتحول مفهوم «التناقض المثمر» إلى مصطلح واسع يستطيع الناقد أن يضعه على أي ثنائية في النص، ثم يعلن أنه اكتشف ثمرة؟
ما دام التأويل مفتوحًا على قوالب القراءة والفهم، فأعتقد أنه سيكون من المفيد إذا مرّ على ذلك، وبالتالي يكون قد شقّ آفاقًا بكيفية إطلاقه للإثمار؛ لأنه ليس متاحًا لكل ناقد أن يكون ناجحًا في سقي الفكرة حتى تثمر أمام المعيقات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية.
وبعد أن يتوسع المفهوم بهذه الطريقة، التي يبقى مجال الإثمار فيها مفتوحًا، يمكن أن ننطلق مرة أخرى بعد تطور القراءة والاستيعاب مع عصر النانو والتكنولوجيات المتناهية الصغر، خصوصًا أننا سوف نعاصر ناقدًا إلكترونيًا خارقًا، بمعلومات وتحليل بيانات رائدة يعجز عنها الناقد البشري. ولعل من أغرب الغرائب أننا لن نعد نرى ناقدًا يتحمل هذا التطور في التحليل البياني في الأنواع الأدبية، ولو قام الذكاء الاصطناعي بمحاولات لاكتشاف الإثمار، فلا يفلح إلا من زاوية البرمجة الخوارزمية.
وأهيب هنا بنقطة مهمة قد تؤخر الفهم، مفادها أنني أرى أن الخطر الأكبر على «التناقض المثمر» ليس أن يُرفض، وإنما أن يُقبل بطريقة فضفاضة، فيتحول إلى مصطلح يستطيع الناقد أن يضعه فوق أي ثنائية.
وأنا على يقين أن الناقد المتمكن لن ينسب إلى نفسه اكتشافًا خاض غيره في محيطه دون المرور عليه؛ لأن البناء النقدي للنصوص أشبه بحركة المجرات الكثيرة التي تدور في فلك وتسبح، فإننا نعرف قرارها. والناقد لا يملك سوى ما يدخل من حدقة العين من صور مادية أو ذهنية.
ولهذا، لا نأخذ بأن كل ثنائية هي «تناقض مثمر». وما أدرانا مستقبلًا أن تنفجر الثنائيات إلى فهومات لم ندركها إلا بعين مجردة، وتتعلق ببصيرة لا ينالها إلا الراسخون في العلم.
فالعلم متواصل، والتنبؤ متواصل، والفهم لم يبلغ مداه إلى حد كبير، وإلا كيف نرى الجلال في آياته، ونستصغر عظائم الأمور في الصور والملفوظات؟
شكرا لصحيفة الزمان على هذا الحوار الادبي الراقي..والشكر موصول للسيدة ضحى غبدالرؤوف المل.