

الرباط – عبدالحق بن رحمون
نعت الأوساط الثقافية المغربية والعربية الشاعر المغربي الكبير محمد السرغيني الذي توفي بفاس عن عمر ناهز 96 عاماً، بعد مسيرة شعرية حافلة امتدت لعقود في الشعر والنقد والتدريس الجامعي.
واستحضر مثقفون وأدباء مكانة السرغيني الذي غيبه الموت، الجمعة 14 آب (أغسطس) باعتباره مؤسس الشعرية المغربية وأحد الرواد الكبار للحداثة من خلال إسهامه الممتد لعقود في تحديث القصيدة المغربية، إلى جانب دوره في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس.
يذكر أن مسار محمد السرغيني العلمي بدأ بين فاس وبغداد والرباط وباريس. فقد تابع دراسته بالقرويين، ثم انتقل إلى العراق، حيث درس بكلية الآداب بجامعة بغداد وحصل على الإجازة في الآداب سنة 1959. وبعد عودته إلى المغرب، حصل من جامعة محمد الخامس بالرباط على شهادة في الأدب المقارن سنة 1963، ثم نال دكتوراه السلك الثالث سنة 1970، قبل أن يحصل على دكتوراه الدولة من جامعة السوربون بباريس سنة 1985.
من جهته، قال الناقد الادبي د. نجيب العوفي في نعيه : “يغمض محمد السرغيني جفنه ، لينام ويستريح قرير العين . ”
وأضاف العوفي “لقد تسنّم الرجل ذروة العمر ببهاء ومَضاء ، كما تسنّم في الآن ذاته، ذروة الشعر والإبداع، بذات البهاء والمَضاء ، ما وهنت العزيمة وإن وهن العظم، وما سكن الغناء والحُداء، وإن طال السّرى و السفر.
هو أب لكل الأجيال .
وأبرز الناقد العوفي أن السرغيني “شابّ متجدّد مع الأجيال، يُسامت بَنِيه وحفَدته في سباق الحداثة الشعرية بعتاقة وعظمة الكبار.” موضحا “لهذا، يصعب تصنيف محمد السرغيني زمنيا وجيليا واحتسابه على هذا الجيل دون سواه . ” موضحا فهو “فينيق” شعري متجدّد، موصول البعث و النشور باستمرار، يُمْهل ولا يهمل.
وقال العوفي “كما يصعب تصنيفه أدبيا واحتسابه على هذا الجنس الأدبي دون سواه .
فهو متنقّل من فنَن إلى فنَن، لكن يبقى الشعر ساحله وملاذه الأثير.” ، وخلص على روحه أطايب السلام .
وقال الشاعر الزبير خياط ، لـ (الزمان) “محمد السرغيني رائد القصيدة المغربية الحديثة وأحد أعمدتها يتوفاه الله إلى رحمته بعد أن بصم على مسيرة شعرية وأدببة ممتدة ومتنوعة. ”
وأبرز الخياط، لقد “كان شعر السرغيني مبنيا على رؤية إنسانية وعلى بناء فني رمزي يميل إلى فلسفة القصيدة والحفر في معانيها.
وأضاف الخياط في تصريحه لـ (الزمان) “قصائد السرغيني قصائد الفكر وزوايا التأمل في العالم.” وتابع الخياط ” التقيته في عكاظ وجدة وفي دورة تكريمه في المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون وقد كان رحمه ضمن لجنة تحكيم جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب التي شرفتني بالجائزة سنة 1994 .”
من جهته قالت الشاعرة المغربية أمينة البكوري، في تدوينة ” وداعا استاذي الجليل محمد السرغيني.. آه يا وجعي ويا وجع القصيدة.. حين يفضحها الغيااااب..”
من جهة أخرى، قال الشاعر محمد بنطلحة في نعي السرغيني.
قبل قليل ، من أمام منزل طائر الرؤى : معلمي وصديقي والشاعر الكبير د . محمد السرغيني
وأضاف “ليس بالضرورة للوداع ، ولكن ، بالأحرى ، لاستحضار ملكوت شعري شاسع وطاقة هائلة على الدنو من فاس – مدينتنا الثكلى – من أعلى قمم الاحتيال . حقا ، ذهب الذين يعاش في أكنافهم”

كما نعاه بيت الشعر بالمغرب الذي يرأسه الشاعر د. مراد القادري، مذكرا بمسيرته الإبداعية والأكاديمية وحصوله على جائزة الأركانة العالمية. ومشيرا إلى تمرده على القصيدة التقليدية ليمهد طريق حداثة الشعر المغربي.
وفي نعيه لرائد الحداثة الشعرية المغربية أشار الدكتور عبد الرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب إلى مكانة الشاعر الأديبة والأكاديمية وحصوله على جائزة المغرب للكتاب واسهامه رفقة شعراء جيله في صياغة المشهد الشعري المغربي الحديث.
وقد ساهم السرغيني ( 1930 – 2026 ) الذي أسس للقصيدة المغربية الحديثة مع جيله من الشعراء منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في الانتقال بالشعر المغربي من الأشكال التقليدية إلى تجارب الشعر الحديث وقصيدة التفعيلة. وتضعه دراسات نقدية إلى جانب أحمد المجاطي وعبد الكريم الطبال ومحمد الخمار الكنوني ومحمد الميموني ضمن أبرز الأصوات التي ساهمت في تأسيس الحداثة الشعرية المغربية.
وقد تجسدت حداثة قصائده في الاشتغال على الرمز والعمق الفكري مع رؤية إنسانية تقف مع الحق والعدالة.
كما توزع إنتاج السرغيني بين الشعر والنقد والرواية والمسرح والترجمة، ما جعله من المثقفين الذين تجاوز حضورهم حدود الكتابة الشعرية إلى فضاء أوسع من البحث الأدبي والفكري.
ومن أبرز أعماله الشعرية «ويكون إحراق أسمائه الآتية» الصادر سنة 1987، و«بحار جبل قاف» سنة 1991، و«الكائن السبئي» سنة 1992، و«من فعل هذا بجماجمكم؟» سنة 1994. كما أصدر أعمالا في النقد والدراسة، من بينها «محاضرات في السيميولوجيا» وكتاب «صلاح ستيتية: دراسة وترجمة».
وفي مجال الكتابة السردية أصدر رواية «وجدتك في هذا الأرخبيل»، فيما ارتبط اسمه في المسرح بعمل «أغنية القطار الشبح». كما انشغل بالترجمة والنقد الأدبي، وهو ما يعكس اتساع اهتماماته وتعدد مجالات اشتغاله.
والسرغيني كذلك من أبرز الأكاديميين الذين جعلوا من الجامعة المغربية فضاء للإبداع والبحث وتكوين الأطر الأكاديمية الفاعلة في تخصصاتها.
فقد عاد إلى المغرب ليبدأ مسارا أكاديميا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، حيث اشتغل أستاذا مساعدا منذ 1963، ثم أستاذا محاضرا سنة 1970، قبل أن يرتقي إلى أستاذ للتعليم العالي سنة 1985.
وتولى بين عامي 1986 و1991 منصب نائب عميد كلية الآداب بفاس، وهي الفترة التي ارتبط خلالها اسمه بشكل وثيق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله وبفضاء ظهر المهراز، الذي كان أحد أبرز مراكز الحياة الجامعية والثقافية والفكرية بالمغرب.
