

تُعَدُّ وحدةُ وخاصيةُ السرد في العمل الروائي العمودَ الفقريَّ في هيكليةِ وبناءِ الرواية، إن جازت العبارة. ويُعرَف السرد، ببساطة، بأنه الطريقة أو الأسلوب الذي يتبعه الكاتب أو الروائي لتقديم الأحداث؛ إذ يُعَدُّ الأساسَ الذي يبني عليه الكاتب عالم روايته، ويستخدمه لنسج أحداث القصة وتحديد أدوار شخصياتها.
لكن الذي لمستُه من خلال الكثير من الأعمال الأدبية المطروحة والمتداولة، أن أغلب هؤلاء الروائيين، وببساطة شديدة، لا يجيدون السرد ولا يتقنون الحبكة، ويطرحون بدلًا من ذلك دوائر حوارية وأحداثًا لا تُفضي إلى درامية منطقية، أو إلى نهاية سبقتها بداية أصلًا، بقدر ما هي تخمة في العبارات الرنانة أو التوصيفات الشوارعية التي تؤخذ من باب الحداثة والتجديد لروحية القوالب السردية القديمة. وهذا، حسب ما أمسكته في مثل هذه النصوص الروائية، يخاطب القارئ ويجعله في دوّامة متعمَّدة.
فيما يُصرُّ الكثير من الروائيين على وضع عشرات الصفحات في بدن الرواية لحوادث أكل عليها الدهر وشرب، وهي، في المجمل، ليست ذات مبعدة زمنية كبيرة عن الأجيال الحالية، ولم يأتِ بها الكاتب في كشف تاريخي جديد لحوادثها، أو إنارة زاوية مظلمة منها. فما ذنب القارئ في تذكيره بجريمة، أو انهيار، أو محادثات سياسية، أو مجاعة، أو حتى فوز رياضي في محفل ما؟
إن مثل هذه الحوادث لم تعد تشغل الجمهور المتعطش للجمال والإبداع، والباحث عن المتميز والساحر، ويمكنه أصلًا أن يطّلع على كمٍّ هائل من هذه المواد والمساجلات التاريخية عبر الكثير من الكتب المختصة بها.
إضافةً إلى ذلك، فإن هذه الروايات قد… وليس بعيدًا عن هذا وذاك، تُحيط بنا «الاستعراضات الثقافية»، وتقتحم علينا، بسماجتها، تذوّقنا الفني للعمل الروائي، حيث ليس لها داعٍ، ولا أجد لها موضعًا نافعًا في بدن الرواية.
إن العناصر الشخصية المتمثلة في نوعية الموسيقى السيمفونية المفضلة لديك، أو أسلوب كتابة أحدهم، أو حتى الطقوس التي تصاحبك أثناء زيارتك للمكتبة أو المقهى، لا تُشكّل نصًّا روائيًّا بقدر ما هي دعاية لنمط أو لصورة شخصية ترغب في إرسالها إلينا، كونك «مثقفًا» لا غير، والتي يتعمد أغلب كتّاب الأعمال الروائية إقحامها في منطقة اللاوعي لدينا.
«النصوص التسجيلية» التي تكون في جزء منها روتينًا من مرحلة ما في يوميات الكاتب، وقد يستعين الكاتب بتسجيل ذكريات أحد الأشخاص في الزمان والمكان نفسيهما، ثم يضيفها إلى متن عمله.
وقد اتسع هذا الأمر وتكرر في الروايات التسجيلية التي تدور أحداثها في حقبة الحرب إبان ثمانينيات القرن الماضي وما بعدها، ولا تزيد هذه الروايات، في كثير من الأحيان، على كونها سجلات لأحداث منقولة لما جرى في الواقع، وتخلو من أي حوارات أو نسيج بنيوي للحدث.
ويتكرر هذا الأمر في الروايات التي تناولت فترة العنف التي ترافقَت مع الاجتياح الأمريكي، وحقبة الاقتتال الداخلي، وما تشكّل من حكايات فرزها الواقع بكل صيغه وصبغاته.
ولا نلمس، إن صح القول، أي اجتهاد في تكوين ملامح السرد الروائي المعروف، أو الأخذ بإحدى مدارسه، أو حتى إحدى شُعَبه.
حين يشرع أحد الكتّاب في خلق روايته، يجب أن يفكر أولًا في نوعية اللغة ووزنها التي سوف يسطر بها أحداثه. وبالطبع، لا يمكن أن نغفل مقدرات الكاتب اللغوية والثقافية ونمط اتباعه إحدى المدارس الفنية في الكتابة، وهي متنوعة، ولا سبيل الآن إلى ذكرها وبيان تفصيلاتها وفروقها وميزاتها.
لكن حين تتبع، مثلًا، لغة الصحف أو غيرها، يستوجب أن تمرّ الرواية كلها بالنسق الكتابي والاصطلاحي ذاته، لا أن تتجول بين الأنماط الكتابية؛ فتطرح الفصل الأول بلغة بسيطة سلسة لا تحتاج إلى مراجع وتأويل في المُلَمّات وما تحمله من معنى، ثم تنتقل في الفصل الثاني إلى لغة البديع، بينما تُقحَم اللهجة العامية في حوارات الأشخاص داخل بنيان الحدث