

نوزاد محمد مصطفى
تعصف في الشرق الأوسط هذه الأيام التقلبات السياسية والأمنية، حيث تتغير التحالفات تبعاً للمصالح المتشابكة، وتتحول الحدود أحياناً إلى خطوط تماس بين مشاريع إقليمية متنافسة، وفي خضم هذه الأجواء، لا تُقاس أهمية القيادات السياسية فقط بما تمتلكه من سطوة، ومهارة ومكانة سياسية داخل حدود الخريطة الجغرافية لبلادهم. ولكن بقدرتهم على مد الجسور مع دول العالم كافة، والتحدث بلغة محايدة تستسيغها الأطراف المتباعدة والمتقاطعة أيديولوجياً، عبر توظيف الثقة السياسية إلى مساحة للحوار. وعلى وفق هذه الرؤية تحديداً، يمكن قراءة الدور المتنامي لرئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، الذي أصبح حضوره يتخطى الأطر التقليدية السياسية لإدارة رئاسة الإقليم إلى حنكة سياسية جديدة، تعبر عنها الممارسة الدبلوماسية الهادئة، بحيث تضع أربيل في موقع الجسر بين بغداد ومحيطها الإقليمي.
هذه الأيام المراقب السياسي الذي تابع زيارة السيد نيجرفان بارزاني إلى سوريا سيتبادر الى ذهنه، أن الزيارة معنية بمعالجة الفتور السياسي والريبة التي تكتنف علاقة قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع الرئيس السوري أحمد الشرع. وفعلًا، من مخرجات هذه الزيارة ترحيب مظلوم عبدي بالزيارة التي وصفها بالتاريخية، وعبر عن ثقته بأنها ستترك أثراً ايجابياً في الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا، وتوفير المناخ المناسب لحل القضية الكردية.
والأكثر أهمية تتحدث المعلومات عن نقل نيجيرفان بارزاني رسائل متبادلة بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس السوري أحمد الشرع، وشروعه في توفير مستلزمات نجاح الزيارة المحتملة للزيدي إلى دمشق، فمن غير المنطقي أن نصف الزيارة بممارسة سياسية روتينية. إذ من الضرورة بمكان أن تحظى الزيارة بقراءة عميقة تراعي الأحداث البالغة الخطورة في الشرق الأوسط، إذ الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، وأحداث لبنان، والعدوان على غزة، والأوضاع المرتبكة والقلقة في العراق وسوريا. فعادة خلف الرسائل التي يحملها القادة، توجد دائماً ملفات ومخاوف وحسابات، فضلًا عن تبريرات ودوافع اختيار نوع الشخصية لنقلها، إضافة لمسألة أكثر أهمية هي الثقة. فالرسائل الحساسة وفي الزمن الصعب لا يحملها إلا من يتمتع بالمؤهلات السياسية، ومرحب به من قبل دول العالم المختلفة في توجهاتها السياسية، ويكون متمتعاً بعلاقة تسمح له بأن يسمع، وأن يُسمع.
إن زيارة رئيس إقليم كردستان إلى دمشق تشكل بادرة عالية الجودة في تقريب وجهات النظر بينها وبين بغداد، ومثقلة بالمعاني السياسية، إذ تتجاوز العلاقة بين شخصيات أو حكومات. وأن نيجيرفان يقدم تصوراً مختلفاً لدور إقليم كردستان داخل العراق، فأربيل بحسب قناعاته ورؤاه لا ينبغي أن تكون منافسة لبغداد في السياسة الخارجية، بل أن تكون رافعة لها. ويمكن اعتبارها رصيداً مضافاً لنفوذ العراق وقدرته على الحركة.
وأن هذه النقطة شديدة الأهمية في بلد عانى طويلاً من الخلافات بين المركز والإقليم. فالعراق القوي ليس عراقاً تضعف فيه أربيل لكي تقوى بغداد، ولا عراقاً تبتعد فيه أربيل عن بغداد لتثبت حضورها. العراق الأقوى هو ذلك الذي يستطيع تحويل تعدديته الداخلية إلى مصدر قوة خارجية، بحيث تصبح علاقات بغداد وأربيل مجتمعة شبكة سياسية ودبلوماسية أوسع لحماية المصالح الوطنية.
كما هو معروف أن دول منطقة الشرق الأوسط، اعتادت على تفريخ الأزمات، وعدم الاستقرار، وباتت المناكفات السياسية الصفة السائدة بينها، فضلاً عن توقع حدوث المشاكل في كل حين، وضمن هذا المناخ يصبح تشبيك العلاقات بين هذه الأطراف، يعدّ نشاطاً سياسياً عظيماً. إذا ما علمنا أن أي فاعل سياسي يستطيع إشعال أزمة فيها بتصريح واحد، وإزاء ذلك تكون المقدرة على منع حدوث أزمة أو فتح باب للحوار يمثل شكلاً من أشكال القيادة الحكيمة والبصيرة، لقراءتها وتشخيصها الصائب للأزمات، وايجاد الحلول لها. وعلى هذا النحو يمكننا فهم أهمية الرئيس نيجيرفان بارزاني اليوم، ليس بالمواصفات السياسية التقليدية، ولكن بوصفه قائداً لاستراتيجية سياسية جديدة، وبممكناته وأهميته تستطيع فيها الرسائل أن تصل، والثقة أن تُبنى، والعراق أن يستعيد دوره، بوصفه دولةً تتحاور مع الجميع من أجل مصالحها المصيرية، فضلاً عن استقرار المنطقة.