الخيال العلمي لغة الجمال والمعرفة

  


 

فارس السردار

 

 

 

 

تعد الكتابة في الخيال العلمي اليوم فِعلا معرفيا يقوم على المواءمة بين الخيال والعلم. عبر لغة خاصة، وأدوات تعبيرية تستثمر منجزات المعرفة الإنسانية في بناء رؤى تستشرف المستقبل.. فهو يتجاوز ذلك ليعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان ومستقبله، عبر معطيات عصره وما تأتّى للحضارة الإنسانية من قدرة على تحويل ما تحقق من تراكم معرفي إلى واقع منجز، يتحرك بيننا ونستطيع استخدامه. في ظل ما يشهده العالم من فتوحات متسارعة تقنيا، التي لا يمكن إغفال تأثيرها على قيم وآليات تفكيره التي تجاوزت المعهود، فضلا عن تأثيراتها الواضحة على ما طرأ من تغيرات في السلوك والنظر إلى ما حولنا أخلاقيا وقيميا. وعليه أصبح هذا النمط الأدبي أداة للتفاعل العميق مع الواقع واستشراف للممكن، عبر رؤاه التي لم تعد افتراضية كما كان عليه في بداياته.

ويمكن تعريف الخيال العلمي بوصفه نمط سردي يستند إلى فرضيات علمية أو شبه علمية، وفي بعض الأحيان يرتقي إلى مسلمات، عبر استكشاف تأثيرات ما تحقق من تقدم علمي تكنولوجي على حياة الإنسان. ولعل ما يميز الخيال العلمي عن غيره من الأنماط السردية أنه لا يتنبأ بالمستقبل عبر وصفه، بقدر ما يبني نماذج افتراضية، انطلاقا من معطيات الحاضر، ولذلك فإن نجاحه يقاس بقدرته على الاقناع، لا بقدرته على التنبؤ. فهو أدب التفكير بالممكن، وهنا هو ليس خيالا منفلتا من أي قيد، وإنما على درجة من الانضباط؛ لأنه يتحرك ضمن حدود تفرضها المعرفة، حتى وإن كانت افتراضية، أو في طور التشكل، وفق أحدث الخبرات التكنولوجية وهي واحدة من وسائل البوح به.

ولأن الإنسان أنجز الكثير والكثير على مستوى المعرفة وتقناتها التي قلبت كثيرا من الموازين وغيرت من اتجاه البوصلة إلى غير ما كانت عليه قبل مائة عام، وظهرت بوصفها منجزات نسبت إلى القرن العشرين. بادئ ذي بدء عبر الأدب قبل أن تتحول إلى واقع مثل الأقمار الاصطناعية والغواصات والهواتف المرئية. إذ سبق الخيال العلمي إلى تخيلها قبل تحققها. لذلك بتنا الأن لا يمكن أن نغض الطرف عمّا يطرحه كاتب الخيال العلمي على الرغم من إسرافهم بعض الشيء فيما يقدمونه من رؤى تثير الدهشة وتحفز التساؤل، لا سيما وأن المتصدر لمثل هكذا طرح لا يمكن أن يمضي قدما دون امتلاكه لوعي متقدم لما يطرأ في الأفق العلمي من منجز في عموميات الفروع العلمية، وما تنجزه مختبرات البحث العلمي، فضلا عن قدرة عالية على التخيل المنظم، الذي يمكنه من وضع هذا المنجز داخل بؤرة صراع درامي سردي يستغل ما في المنجز من قدرة على الإدهاش والسبق، كما أنه يُمكِنه من كشف خصائصه العملية القابلة للاستخدام والتنفس في البيئة القادمة، وضرورة تبنيه.

إن الخيال العلمي لا يبتكر عوالم جديدة من الفراغ كما فعل في السابق عبر الاساطير والحكاية الشعبية التي استندت إلى السحر والكائنات الخارقة، وإنما يبنيها من معطيات لاحتمالات أو أسئلة مفتوحة. ولعل هذا ما يفسر المقولة الشائعة لغابريل غارسيا ماركيز بأن “الواقع كثيرا ما يبدو أغرب من الخيال، غير أن الخيال يظل متقدما عليه؛ لأنه لا يخضع منذ البداية لما يفرضه الواقع من قيود منطقية أو مادية”. ويفتح المجال أمام تصور احتمالات قد تصبح مع الزمن جزءا من الواقع نفسه. ومن هنا لا يكون الخيال العلمي هروبا من الواقع، وإنما استباقا له واختبارا لإمكاناته الكامنة. حاولت الخروج من المختبر بعد أن صقلت لها نتوءاتها. وهو بهذه الحالة يحتاج إلى قدرة على الربط بين الواقع والممكن لدى المتلقي من القراء. فالمختبر لا يستطيع أن يقدم كل ما يمكن أن يتوصل إليه إلى المتلقي كاتبا كان أم قارئا، والسبق الزمني لمنجز عالم الرياضيات مقارنة بتحويله فيزيائيا قد يحتاج إلى عقود طويلة من الزمن ليتحول إلى واقع ملموس. وهذه بحد ذاتها ميزة تمنح التعاطي مع الخيال العلمي دراميا قدرة على الإدهاش والإبهار؛ لأن الكاتب سيحاول استحضار كل ذلك لرسم صورة مستقبل يزخر بجملة من الإنجازات التي تصب في رسم عالم آخر. وهذا لا يعني خلو الكتابة في مجال الخيال العلمي من ملاحظات تتمثل في افتقار بعض الاعمال للعمق الأدبي، وضعف الحبكة، والاعتماد على قوالب نمطية، وانفصال بعضها عن القوانين العلمية الواقعية، عبر استخدام الشخصيات نفسها وأدوات الحبكة دون تجديد أو اهتمام بالفكرة التكنلوجية على حساب المشاعر الإنسانية. وبعض الاحيان ينظر اليه بوصفه أدبا هروبيا لا يواجه مشكلات المجتمع، إضافة إلى العبث العلمي عبر تقديم نظريات وهمية مستحيلة فيزيائيا. على أنها حقائق لتسيير القصة. وكذلك ما يظهره من تقديس أعمى للتكنلوجيا عبر الترويج عن قدرتها على إيجاد حلول سحرية دون مناقشة أبعادها الأخلاقية أو مراعاتها.

ولو أننا فعّلنا سؤالا كأن يكون “ماذا لو” تحقق لنا اتصال مع عوالم أخرى أكثر تقدما من حضارتنا؟، أو ماذا لو أعادت ثورة علمية صياغة النظام العالمي؟ أو ماذا لو دخل كوكب الأرض مرحلة انهيار بيئي كامل؟ أو ماذا لو امتلك الذكاء الاصطناعي زمام القرار وتحكم بمصائرنا عبر الروبوتات؟ وهذا كله بالنسبة للعقل المعاصر قارئا أو مشاهدا لا يخلو من تشويق ومتعة؛ لأنّه يتجاوز ذلك ليطرح أسئلة فلسفية وأخلاقية معقدة ترتقي إلى ما توصل إليه الإنسان المعاصر من وعي، فالعلم على الرغم من محاولاته تفسير الظواهر والسيطرة على قوى الطبيعة، ما زال لا يمتلك رؤية شمولية، وفي الأغلب يقود التقدم في مجال معين إلى نتائج ومطبات غير متوقعة في مجالات أخرى؛ لأنه قائم على التجربة ومبدأ الصواب والخطأ.

ولعل الروائي العراقي محسن الرملي يلخص خصوصية هذا الجنس الأدبي بقوله: ” إن معظم الروايات في العالم تقوم على الذاكرة، وتتناول ما مضى، في حين أن رواية الخيال العلمي تتجه إلى المستقبل، وإن كانت، في جوهرها، لا تنفصل عن معطيات العلوم ولا عن رصيد التجربة الإنسانية الذي يستند إليه الكاتب. وهذا ما يؤكد أن استشراف المستقبل لا يعني القطيعة مع الماضي، بل إعادة قراءة منجزاته في ضوء احتمالات لم تتحقق بعد”. من هذا المنطلق يسعى كاتب الخيال العلمي إلى فهم ردود فعل الإنسان لسياقات غير مألوفة يجد نفسه فيها. فهو يضع شخصياته في ظروف استثنائية ويعزلها عن بيئتها الأصلية ليكتشف طبيعة سلوكها حين تواجه المجهول. ومتى كان الإنسان غير مواجه للمجهول؟ فمنذ لحظة ظهوره ولحد الآن نجده محكوما بقانون التحدي والاستجابة؛ لأن مثل هكذا ظروف تظهر أنماطا متعددة من التفاعلات، تعاون، تضامن، صراع، هيمنة، تراجع، وهو ما يمنح النص بعدا إنسانيا عميقا. وتشير دراسات عديدة في علم النفس وعلم الاعصاب إلى أن الانسان قد يُظهِر في ظروف الخطر والضغط عن قدرات وأداء تفوق مستواه المعتاد بفعل استجابات فسيولوجية معروفة.

في تجربة الكتابة الأدبية ضمن هذا النمط، يصبح خلق الفضاء السردي عنصرا أساسيا لكاتب الخيال العلمي، إذ يكون هذا الفضاء كوكبا بعيدا أو محطة فضاء، أو جزيرة معزولة، أو حتى عالما مهددا بكارثة كبرى، وفي الأحوال جميعها، يشكل هذا الفضاء مختبرا إنسانيا تختبر فيه القيم والقدرات، وتعاد صياغة العلاقات، وتطرح فيه الأسئلة المتعلقة بالبقاء والمصير والجدوى، وهو ما يجعل الخيال قريبا من الفلسفة التي انشغلت منذ نشأتها بأسئلة الوجود والمعنى. وأمام هكذا قدر مصيري فمن غير المعقول أن تجد الكاتب يستخف بمعطيات العلم، والإرث القيمي والأخلاقي، أو يلوي ذراعيهما تحت أي طائل. ولكن عليه دوما الانطلاق من بديل علمي يلوح له من نافذة المستقبل، ليبشر بقدرته على التحقق عند اكتمال اشتراطاته.

وشهدت الكتابة في الخيال العلمي تحولات ملحوظة في مكانتها عبر الزمن، ففي بداياتها كان ينظر إليها على أنها أدب بسيط أو شعبي، ولاسيما لارتباطها بالمجلات الرخيصة التي كانت تستهدف جمهورا واسعا، ولكنّ هذا التصور بدأ يتغير مع ظهور أعمال أدبية مهمة مثل رواية “فرانكشتاين” للكاتبة ماري شيلي، (1818) والتي يعدها النقاد إحدى البدايات المؤسسة للخيال العلمي الحديث، وهي تطرح سؤالا مبكرا حول حدود العلم وأخلاقياته، إلى جانب أعمال جول فيرن وهيربرت جورج ويلز، التي جمعت بين المغامرة والتأمل العلمي، ومع مرور الوقت اتسع أفق هذا الأدب وأصبح أكثر نضجا وعمقا مما دفع النقاد إلى إعادة تقييمه بوصفه نوعا أدبيا قادرا على التعبير عن قضايا معاصرة معقدة.

وفي عصرنا هذا، أصبح الخيال العلمي جزءا من الثقافة العالمية، عبر ما تبنته السينما العالمية والتلفاز والألعاب الرقمية من نصوص، وبات وسيلة فعالة لمناقشة قضايا مثل الذكاء الاصطناعي أو تغيّر المناخ أو أفكار مثل الانتقال الآني كما يصوره أدب وسينما الخيال العلمي التي ما زالت بعيدة عن إمكانيات الفيزياء، بغية تجاوز سرعة الضوء أمام ما هو عليه الكون من اتساع، وهو ما يعكس قدرته على محاولة مواكبة التحولات الكبرى التي يعيشها الإنسان وما فيها من تحديات.

لعل من أهم ما يميز الكتابة في الخيال العلمي أنه أخذ يركز على تأثير التقنيات على الإنسان وما تسلطه من ضغط، فهو يسأل ماذا يمكن أن نفعل؟ وماذا سيحدث لنا إذا فعلنا ذلك؟ وهنا يكمن عمقه الحقيقي؛ لأنه يعيد توجيه الاهتمام من الخارج إلى الداخل، ومن الوسيلة إلى الغاية ومن الإنجاز إلى معناه. وفي المحصلة يمكن القول إن الخيال العلمي أصبح مساحة فكرية رحبة، تتيح للإنسان أن يتأمل ذاته، ويعمق علاقته بالعلم، فهو يجمع بين دقة العلم وحرية الخيال؛ ليقدم رؤية مركبة تساعد على فهم الحاضر واستشراف المستقبل عبر هذا التفاعل، إذ تجاوز الخيال العلمي اليوم حدود التنبؤ بالمستقبل، ليصبح وسيلة لفهم الحاضر واختبار احتمالات الغد. إنه الأدب الذي يجعل المعرفة مادة للخيال، والخيال مختبرا للأسئلة الكبرى التي ما زال الإنسان يطرحها على نفسه كلما اتسعت حدود العلم واتسعت معها حدود المجهول.

وفي الختام، تظل الكتابة في الخيال العلمي واحدة من أهم الأدوات التي يمتلكها الإنسان المعاصر في سعيه الدائم نحو ترسيخ المعرفة وقيمها والتبشير بها، وفهم ما يعنيه أن يعيش الإنسان في عالم يتغير باستمرار.

“*” جرت مناقشة هذا الموضوع ضمن إطار جلسات حوارية عقدت في منزل الدكتور جزيل الجومرد في الموصل.