في الطريق إلى بيت ولادة… حين يصبح الأدب وسيلة لإعادة كتابة التاريخ

قراءة في كتاب محيي الدين اللاذقاني

 

أمل الجبوري

 

 

هناك كتبٌ تمنحنا معرفة جديدة، وهناك كتبٌ تهز يقيننا بما كنا نظنه معرفة. أما كتاب «في الطريق إلى بيت ولادة» للدكتور محيي الدين اللاذقاني، فهو ينتمي إلى ذلك الصنف النادر من الكتب التي لا تضيف إلى ذاكرة القارئ معلومات جديدة فحسب، بل تعيد تشكيل علاقته بالتاريخ نفسه، وتدعوه إلى أن يراجع ما استقر في ذهنه من صور وأحكام، وأن يقرأ الماضي بعين الباحث لا بعين المريد.

منذ الصفحات الأولى أدركت أن الكاتب لا يصحب قارئه في رحلة سياحية إلى قرطبة، ولا يبحث عن بيت ولادة بنت المستكفي بوصفه أثرًا معماريًا ضاع بين الأزقة القديمة. كان واضحًا أن بيت ولادة ليس إلا مفتاحًا، وأن الرحلة ليست إلى منزل امرأة خلدها الشعر، بل إلى بيت حضارة كاملة، وإلى ذاكرة أمة لا تزال أسيرة قراءات متناقضة؛ بين خطاب رومانسي جعل من الأندلس فردوسًا مفقودًا، وقراءات استشراقية كثيرًا ما اختزلت تاريخها في حكاية سقوطها.

إن محيي الدين اللاذقاني لا يكتب التاريخ كما اعتدنا أن نقرأه في كتب المؤرخين، ولا يكتبه بوصفه أرشيفًا للأحداث أو تسلسلًا للأسماء والسنوات، بل ينسجه كما تُنسج الرواية الكبرى؛ حيث تتجاور السياسة مع الشعر، والفقه مع العشق، والموسيقى مع الفلسفة، واللغة مع العمران، حتى يشعر القارئ أنه لا يقرأ كتابًا في التاريخ، وإنما يدخل إلى عالم حيّ، يسمع فيه وقع أقدام العابرين في أزقة قرطبة، ويرى ظلال ولادة وابن زيدون والمعتمد وابن حزم وهي تتحرك أمامه، لا بوصفها شخصيات خرجت من الماضي، بل بوصفها أسئلة ما تزال حاضرة في زماننا.

ولعل أجمل ما في هذا الكتاب أنه لا يطلب منك أن تصدقه، بل يدعوك إلى أن تفكر معه.

إنه لا يمنحك أجوبة جاهزة، وإنما يوقظ فيك فضيلة الشك، ويعيد إليك شهوة البحث، ويذكرك بأن التاريخ ليس نصًا مقدسًا، بل حوارًا دائمًا بين الوثيقة والعقل، وبين الرواية والنقد.

وهنا تكمن، في تقديري، عبقرية هذا العمل.

فاللاذقاني لا يبحث عن بيت ولادة…

إنه يبحث عن طريقة جديدة لقراءة التاريخ.

من أكثر الفصول التي استوقفتني في هذا الكتاب تلك التي يخرج فيها زرياب من صورته التقليدية التي حفظناها في كتب التراث بوصفه الموسيقي العبقري الذي غادر بغداد إلى الأندلس، ليظهر أمامنا بوصفه أحد كبار صناع الحضارة الأندلسية.

لسنا هنا أمام مغنٍ حمل معه مقامًا جديدًا أو آلة موسيقية مختلفة، بل أمام رجل نقل إلى قرطبة أسلوبًا كاملًا في الحياة.

يقرأه اللاذقاني باعتباره مؤسسًا لثقافة الذوق، والأناقة، والإتيكيت، وتنظيم المجالس، والعطور، والأزياء، حتى ليذهب إلى أن أثره الحضاري في عصره كان، من بعض الوجوه، أعظم من أثر أشهر بيوت الأزياء العالمية الحديثة.

إنها مقارنة جريئة، لكنها ليست مبالغة أدبية، بقدر ما هي محاولة لإعادة تعريف معنى الحضارة.

فالحضارة ليست القصور وحدها، ولا الفتوحات العسكرية، ولا ازدهار الاقتصاد، وإنما هي أيضًا طريقة الإنسان في الجلوس، والحديث، واللباس، والأكل، والاستماع إلى الموسيقى، واحترام الجمال في تفاصيل حياته اليومية.

ولهذا يلفت اللاذقاني النظر إلى أن قرطبة عرفت، منذ زمن زرياب، مواسم للأزياء عند ضفة الوادي الكبير، في الموضع الذي يعرف اليوم باسم بوابة الجسر، حيث كان الناس يتبارون في أناقتهم كما يتبارون في الشعر والغناء، قبل أن تطور جاريته متعة، ثم ولداه، هذا الإرث الحضاري الذي أصبح جزءًا من هوية المدينة.

وهنا يتجاوز الكاتب مجرد السرد التاريخي، ليقدم قراءة حضارية عميقة؛ فزرياب، في نظره، لم ينقل الغناء من بغداد إلى الأندلس فحسب، بل نقل مؤسسة ثقافية كاملة، امتدت من الموسيقى إلى العطور، ومن الذوق الاجتماعي إلى هندسة المائدة، ومن الأزياء إلى تقاليد المجتمع القرطبي المخملي الذي أصبحت ولادة بنت المستكفي واحدة من أجمل ثماره.

ولعل ما يثير الإعجاب في هذه القراءة أنها تنقلنا من فهم الحضارة بوصفها سياسةً وسلاحًا، إلى فهمها بوصفها أسلوبًا في العيش.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تصبح قرطبة، في زمن ازدهارها، المدينة التي يقصدها العلماء والأطباء والفلاسفة والشعراء من أنحاء العالم، كما يقصدها عشاق الجمال.

لكن اللاذقاني لا يسمح لنا بالبقاء طويلًا في هذه الصورة المضيئة.

فما إن يكتمل المشهد حتى يبدأ في طرح السؤال الذي سيلازم الكتاب كله:

كيف تسقط الحضارات التي بلغت هذا المستوى من الرقي؟

وكأن الكاتب يريد أن يقول إن انهيار الحضارات لا يبدأ يوم تسقط أسوارها، بل يوم يتسرب الوهن إلى أخلاق السياسة، ويصبح التنافس على السلطة أقوى من الإيمان بالمشروع الحضاري.

ومن هنا تبدأ رحلته الحقيقية…

رحلة إعادة قراءة رجال الأندلس، وشعرائها، وملوكها، وفقهائها، بعيدًا عن الأساطير التي نسجها التاريخ، أو صنعها الشعر

حين يتحول التاريخ من رواية محفوظة إلى سؤال مفتوح

إذا كان اللاذقاني قد قدّم زرياب بوصفه صانعًا للحضارة لا مجرد موسيقي، فإنه ينتقل بعد ذلك إلى المهمة الأصعب: تفكيك الصور الذهنية التي رسختها كتب الأدب والتاريخ عن أشهر شخصيات الأندلس.

وهنا يكمن، في تقديري، جوهر هذا الكتاب.

فالكاتب لا يدخل إلى التاريخ ليهدم الرموز، كما يفعل بعض دعاة المراجعات الصاخبة، ولا ليعيد إنتاج الروايات التقليدية التي ألفناها، وإنما يدخل إليه بعين الباحث الذي يؤمن بأن احترام التاريخ لا يكون بتقديسه، وإنما بإعادة مساءلته.

ولهذا لا يقرأ اللاذقاني الشخصيات الأندلسية بوصفها تماثيل رخامية، بل بوصفها بشرًا صنعوا التاريخ، وتأثروا به، وأخطأوا كما أصابوا.

ولعل أول من يخضع لهذه القراءة هو ابن زيدون.

فهذا الشاعر الذي بقي في الذاكرة العربية رمزًا للحب العذري، وصاحب القصيدة التي حفظتها أجيال كاملة:

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا…

يخرج في هذا الكتاب من الإطار الرومانسي الذي ألفناه.

لا لأن اللاذقاني يريد أن ينتقص من مكانته الشعرية، وإنما لأنه يرفض أن يحجب الشعرُ الإنسانَ.

فالكاتب يذكرنا بأن ابن زيدون لم يكن عاشقًا فقط، بل كان أيضًا رجل دولة، وسياسيًا عرف دهاليز السلطة، وتقلبات البلاط، ومجاملاته، وتحالفاته.

وهنا يستعيد القارئ شخصية أكثر تركيبًا وواقعية، بعيدًا عن الصورة المثالية التي صنعتها القصيدة.

إنها ليست محاكمة لابن زيدون، بل تحرير له من أسطورة اختزلته في قصة حب، بينما كان واحدًا من أكثر رجال عصره تعقيدًا.

 

ويمضي اللاذقاني أبعد من ذلك حين يتوقف عند شخصية المعتمد بن عباد.

وربما لا توجد شخصية في تاريخ الأندلس حظيت بما حظي به المعتمد من تعاطف المؤرخين والأدباء.

ملك شاعر، أحب اعتماد الرميكية، وانتهى أسيرًا في أغمات، يرثي مُلكًا ضاع، وأيامًا لن تعود.

غير أن اللاذقاني يرفض أن يقف عند هذه الصورة المؤثرة.

إنه يسأل سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه يقلب طريقة القراءة كلها:

هل يكفي أن يكون الحاكم شاعرًا حتى نعفيه من مسؤوليته السياسية؟

ومن هنا يبدأ تفكيك الرواية التقليدية.

فالمعتمد، كما يقدمه اللاذقاني، لم يكن مجرد ضحية ليوسف بن تاشفين، بل كان، شأنه شأن غيره من ملوك الطوائف، شريكًا في صناعة الانقسام الذي أضعف الأندلس ومهّد لسقوطها.

ويعيد الكاتب قراءة غدره ببني جهور، وتحالفاته مع ألفونسو السادس، ودفعه الجزية، وموقفه من سقوط طليطلة، بعيدًا عن القراءة العاطفية التي غلبت على كثير من كتب الأدب.

ولا يعني ذلك، بالطبع، إلغاء مكانة المعتمد الشعرية، وإنما إعادة التوازن بين الشاعر والحاكم، بين الجمال والمسؤولية.

ومن أجرأ ما يطرحه اللاذقاني تشكيكه في الرواية الشائعة التي تجعل من المعتمد صاحب المبادرة الوحيدة في استدعاء المرابطين.

فهو، بالعودة إلى المصادر، يبين أن الدعوة لم تكن قرارًا فرديًا، وإنما كانت ثمرة مشاورات واسعة شارك فيها كبار قضاة الأندلس وأمراؤها، وكان المتوكل بن الأفطس من أبرز الداعين إليها، عبر رسالته التي حملها أبو الوليد الباجي قبل سقوط طليطلة بسنوات.

وهكذا ينجح الكاتب مرة أخرى في تحرير التاريخ من سطوة الجملة البلاغية، وإعادته إلى فضاء الوثيقة.

غير أن أكثر الشخصيات حضورًا في هذا الكتاب، في تقديري، هو ابن حزم.

وليس لأن اللاذقاني يكتب عن صاحب «طوق الحمامة»بوصفه أشهر من كتب عن الحب في التراث العربي، وإنما لأنه يعيده إلى موقعه الطبيعي: ضميرًا فكريًا لحضارة كانت تقترب من منعطفها الأخطر.

إن ابن حزم، في هذا الكتاب، ليس فقيهًا ظاهريًا فحسب، ولا عاشقًا يفسر طبائع القلوب، بل عقلٌ نقديّ قاوم انهيار المعايير، وتمسك بفكرة الدولة، وواجه، بقلمه، ما رآه انحرافًا في السياسة، وهيمنة للمصالح الضيقة على المشروع الحضاري.

ولعل أجمل ما يفعله اللاذقاني هنا أنه يعيد قراءة «طوق الحمامة» نفسه بعيدًا عن القراءة الرومانسية السائدة.

فحتى عنوان الكتاب يكتسب عنده معنى جديدًا.

فالحمام الزاجل، في قرطبة وإشبيلية، لم يكن مجرد صورة شعرية، بل كان البريد السري للعشاق، ووسيلة تواصل بين البيوت السياسية، والعائلات الكبرى، في مجتمع كانت العلاقات الإنسانية فيه متشابكة إلى حد يصعب الفصل فيه بين الحب والسياسة.

ومن خلال هذا التفصيل الصغير، ينجح اللاذقاني في إعادة بناء عالم كامل.

ومن أكثر الفصول إثارة تلك التي يعالج فيها العلاقة بين ابن حزم وابن النغريلة.

فهو لا يختزلها في خلاف شخصي، بل يقرأها بوصفها انعكاسًا لتعقيدات المجتمع الأندلسي، حيث عاش المسلمون واليهود والمسيحيون داخل فضاء ثقافي واحد، يتشاركون اللغة، ويتنافسون على النفوذ، ويتحاورون، ويختلفون، ويؤثر بعضهم في بعض.

وهنا يغادر الكتاب حدود التاريخ السياسي، ليدخل إلى تاريخ الأفكار واللغات.

ويستعين اللاذقاني في هذا السياق بأحد أهم الأصوات الأكاديمية في دراسات الأندلس، الباحثة الأمريكية الكوبية ماريا روزا مينوكال، التي ترى أن ابن حزم لم يكن مجرد عالم مسلم، بل أحد العقول التي صنعت الفضاء الثقافي الذي مهد، على المدى البعيد، لنهضة أوروبا.

بل إنها تذهب، في قراءة رمزية بالغة الدلالة، إلى أن الدولة الأموية في الأندلس لم تنتهِ، من الناحية الحضارية، يوم سقطت عاصمتها، وإنما يوم غاب ابن حزم عن الحياة سنة 1064م؛ وكأن الحضارات لا تموت عندما تخسر جيوشها، بل عندما تفقد عقولها الكبرى.

ومن خلال مينوكال يفتح اللاذقاني نافذة أخرى على أثر العربية في تطور الثقافة العبرية.

فهي ترى أن ازدهار الشعر العبري في الأندلس لم يكن ممكنًا لولا الجرأة التي أبداها دوناش بن لبرط، القادم من بغداد، حين دعا شعراء اليهود إلى أن يكتبوا بالعبرية وفق الأوزان العربية، وأن يكسوا لغتهم بزخارف البلاغة العربية.

كانت فكرة ثورية في زمانها.

فالعبرية، كما يشرح اللاذقاني، خرجت بذلك من حدود اللغة الطقسية إلى رحابة الأدب، وأصبحت، بفضل احتكاكها بالعربية، لغة قادرة على إنتاج شعر يضاهي أجمل ما كتب في الأندلس.

ولعل هذه الصورة وحدها تكفي لندرك أن الحضارات العظيمة لا تخشى التأثير في الآخرين، لأنها تكون واثقة من نفسها، قادرة على العطاء، قبل أن تكون منشغلة بالدفاع عن ذاتها.

ويمضي محيي الدين اللاذقاني في رحلته الفكرية، فيفتح نافذة أخرى لا تقل إدهاشًا عن كل ما سبق، حين يستدعي شهادة الباحثة الأمريكية الكوبية ماريا روزا مينوكال، صاحبة أحد أهم الكتب المعاصرة عن حضارة الأندلس، والتي لا ترى في ابن حزم مجرد فقيه أو أديب، بل أحد العقول التي أسست للفضاء الثقافي الذي مهّد، على المدى البعيد، لعصر النهضة الأوروبية.

بل إنها تذهب، في قراءة حضارية آسرة، إلى أن الدولة الأموية في الأندلس لم تسقط، بالمعنى الثقافي، يوم فقدت سلطانها السياسي، وإنما يوم غاب ابن حزم عن الدنيا سنة 1064م؛ وكأن الحضارات لا تنهار حين تتهاوى أسوارها، وإنما حين تفقد العقول التي كانت تمنحها روحها.

ومن خلال هذه القراءة يضيء اللاذقاني أثر العربية في نهضة الثقافة العبرية، فيشير إلى أن دوناش بن لبرط، القادم من بغداد، كان أول من أدرك أن اللغة العبرية لن تخرج من حدود المعبد إلى فضاء الأدب إلا إذا استعارت البنية الإيقاعية والجمالية للشعر العربي. ومن هنا جاءت دعوته إلى أن يكتب الشعر العبري على الأوزان العربية، وأن تتزين العبرية بزخارف البلاغة العربية، وهو ما تلقفه بعد ذلك صموئيل بن النغريلة وجيل كامل من الشعراء اليهود في الأندلس.

إنها ليست قصة تأثر لغة بلغة أخرى، وإنما صورة نادرة من صور الثقة الحضارية؛ حين كانت العربية تمنح، ولا تخشى أن تعطي، لأنها كانت واثقة من قدرتها على التجدد.

وللتدليل على هذه السطوة الحضارية، يستحضر اللاذقاني شهادة مدهشة للمثقف القرطبي المسيحي بول ألفار (Paulus Alvarus)، الذي كتب، في منتصف القرن التاسع الميلادي، متحسرًا على انصراف أبناء دينه عن اللاتينية، فقال:

«إن المسيحيين يعشقون قراءة الأشعار والقصائد العربية، ويدرسون الفقهاء والفلاسفة العرب، لا من أجل الرد عليهم أو مجادلتهم، وإنما من أجل اكتساب عربية جيدة… إنهم ينفقون الأموال الطائلة في جمع المكتبات العربية، ويحتقرون الأدب المسيحي، ويعدونه غير جدير بالاهتمام.»

ليس هذا النص مجرد مرثية للاتينية، بل شهادة تاريخية على أن العربية كانت، في ذلك العصر، لغة العالم؛ لغة الفلسفة والطب والفلك والرياضيات والموسيقى والشعر، والوعاء الذي تلتقي فيه الثقافات المختلفة.

وأنا أقرأ هذه الصفحات، لم أستطع أن أمنع نفسي من المقارنة بين تلك اللحظة الحضارية، وبين ما آل إليه واقعنا اليوم.

في قرطبة القرن التاسع، كان غير العرب يتسابقون إلى تعلم العربية لأنها كانت مفتاح المعرفة.

أما اليوم، فقد أصبح كثير من العرب أنفسهم ينظرون إلى لغتهم بوصفها عبئًا ينبغي التخلص منه، أو لغةً لا تصلح إلا للتراث، بينما تُنفق الأسر والدول أموالًا طائلة لتعليم أبنائها اللغات الأجنبية.

ولا اعتراض، بالطبع، على تعلم اللغات؛ فكل لغة نافذة جديدة على العالم.

لكن المأساة تبدأ حين يكون تعلم الآخر مقرونًا بالتخلي عن الذات.

فالعربية لم تكن يومًا عائقًا أمام المعرفة، بل كانت، لقرون طويلة، الجسر الذي عبرت منه المعرفة إلى العالم.

كانت لغةً تتسع للفلسفة كما تتسع للفقه، وللكيمياء كما تتسع للشعر، وللطب كما تتسع للتصوف.

أما اليوم، فقد أخذت تنسحب، شيئًا فشيئًا، من الجامعات، ومن المختبرات، ومن مراكز البحث، حتى غدت غريبة في بعض أوطانها، لا لأن اللغة ضعفت، وإنما لأن أهلها تراجعوا عن حمل مشروعها الحضاري.

ولعل هذه المقارنة هي، في نظري، واحدة من الرسائل الخفية التي يتركها اللاذقاني بين سطور كتابه.

حين يروي كل طرف تاريخه

وأنا أفرغ من قراءة هذا الكتاب، عادت إلى ذاكرتي زيارتي لغرناطة، ثم إلى قصر الحمراء، حيث كنت ضمن وفد أكاديمي، نستمع إلى شرح إحدى المرشدات الإسبانيات.

كانت تتحدث بثقة عن تاريخ المكان، لكنني كنت ألاحظ، في أكثر من موضع، كيف تُعاد صياغة الوقائع بما يخدم السردية الوطنية الإسبانية المعاصرة.

وحين اعترضت على أحد التفسيرات التاريخية، ابتسمت وقالت بهدوء:

«كل بلد يروي التاريخ كما يراه.»

ظلّت هذه العبارة تلازمني طويلًا.

نعم، لكل أمة حقها في أن تكتب تاريخها.

لكن ليس لأحد الحق في احتكار الحقيقة.

ولا يجوز أن تتحول السردية الوطنية، أو الدينية، أو الأيديولوجية، إلى بديل عن الوثيقة، أو إلى ذريعة لإقصاء الروايات الأخرى.

ومن هنا، فإن القيمة الكبرى لكتاب «في الطريق إلى بيت ولادة» لا تكمن في أنه يقدم رواية عربية مضادة، بل في أنه يدعونا، نحن أولًا، إلى مراجعة الرواية العربية نفسها، وإلى التحرر من الكسل المعرفي الذي جعلنا نكرر ما كتبه السابقون، من غير أن نعود إلى المصادر، أو نقرأها بعين جديدة.

إنه كتاب يحرر العقل من سلطة الرواية الواحدة.

ولا أظن أن حضارة تستطيع أن تتجدد، إذا كانت تخشى مراجعة ذاكرتها

؟بيت ولادة .. ام بيت الحضارة

بعد أن أغلقت الكتاب، لم يعد السؤال الذي رافقني هو: أين كان بيت ولادة بنت المستكفي؟

بل أصبح سؤالًا آخر:

كم بيتًا آخر ما زلنا نبحث عنه في تاريخنا؟

وكم شخصية ما زلنا نعرفها من خلال الأسطورة، أكثر مما نعرفها من خلال الوثيقة؟

لقد أدركت، مع الصفحات الأخيرة، أن محيي الدين اللاذقاني لم يكن يبحث عن بيت ولادة وحده.

كان يبحث عن بيت الحضارة العربية.

ذلك البيت الذي شُيِّدت جدرانه بالشعر كما شُيِّدت بالعلم، وبالفلسفة كما شُيِّدت بالعمارة، وباللغة كما شُيِّدت بالسياسة.

بيتٌ عظيم…

لكن شقوقه بدأت تظهر يوم ضاقت السياسة بالعقل، وضاقت السلطة بالنقد، واستبدلت الأمة الحوار بالتعصب، والمعرفة بالتقليد.

ولعل أعظم ما يفعله هذا الكتاب أنه يذكرنا بأن الحضارات لا تُبنى بالانتصارات العسكرية وحدها، ولا تُقاس بطول عمر الدول، وإنما بما تتركه من أثر في العقل الإنساني.

فالدولة الأموية في الأندلس زالت، لكن موسيقى زرياب بقيت، و**«طوق الحمامة»** ما زال يُقرأ بعد ألف عام، وشعر ولادة وابن زيدون ما زال يوقظ العشق، وابن رشد وابن طفيل وابن حزم ما زالوا يحاورون العالم بلغات شتى.

أما الجيوش التي عبرت تلك الأرض، فقد أصبحت هوامش في كتب التاريخ.

وهكذا يذكرنا محيي الدين اللاذقاني بأن الثقافة هي العمر الأطول للحضارات، وأن اللغة هي وطنها الأخير.

ولذلك فإن «في الطريق إلى بيت ولادة» ليس كتابًا عن الأندلس بقدر ما هو كتاب عن كيفية قراءة الأندلس.

وهذا هو الفارق بين الكتاب الذي يضيف معلومة، والكتاب الذي يغيّر طريقة التفكير.

ولعلنا، نحن العرب، أحوج ما نكون اليوم إلى هذا النوع من الكتب؛ كتب لا تدعونا إلى البكاء على الماضي، بل إلى مساءلته، ولا تدفعنا إلى تمجيد الحضارة، بل إلى فهم أسباب عظمتها وأسباب أفولها معًا.

فالحضارات لا تموت يوم تُهزم جيوشها، ولا يوم تُرسم حدودها باتفاقيات السياسة، بل تموت يوم تكف لغتها عن أن تكون لغةً لإنتاج المعرفة، ويغدو الأدباء والعلماء والمفكرون غرباء في أوطانهم، وتصبح الكلمة أقل قيمة من السلطة، والعقل أقل شأنًا من العصبية.

وهنا، ربما، تكمن الرسالة الأعمق التي خرجت بها من هذا الكتاب؛ أن الطريق إلى بيت ولادة… ليس طريقًا إلى الماضي، بل طريقٌ إلى المستقبل، لأن الأمم التي لا تعيد قراءة تاريخها، لن تعرف كيف تكتب تاريخها القادم.