قراءة في رواية (و. ا . ك) .. الواقع بوصفه تمثيلا متحولا

الواقع بوصفه تمثيلا متحولا

قراءة في رواية (و. ا . ك) لناهض الرمضاني


 

 

د. جاسم خلف الياس

 

 

 

بعيدا عن إشكالية التجنيس في رواية (و. ا. ك) لناهض الرمضاني الصادرة عن دار غدير للطباعة والنشر، ط1، 2005، وقريبا من التركيب النحوي المتشكّل من أربع مفردات )الشرق، أرض السحر والعجائب… ص5.( ووظيفته في تجاوز الوصف، نكتشف منذ البداية وعي الشخصية بالمكان، وتمثّله في الذهن عبر صور جاهزة وموروثة. فتحوّل (الشرق) من اسم مكان إلى هوية دلالية، و(أرض السحر والعجائب) إطار تخييلي يحكم طريقة الرؤية؛ لذلك، نهض هذا التركيب على الانتقال من الواقع إلى المتخيل. وعزز هذا التحوّل عبارة (كأنه ينظر إلى لوحة استشراقية… ص5)؛ لأنّ الشخصية رأت الشرق عبر صور سابقة، ونظرت إلى الواقع وكأنها تعيد إنتاج لوحة مرسومة من قبل: الرمال، النخيل، القرية، الدخان، الطرق غير المعبدة. فتأسست علاقة ملتبسة بين الواقع وصورته، فالمكان محمل بتمثيلات ثقافية سابقة. ويبدو أنّ هذه العلاقة مهمة جدا في تشكيل الرواية؛ لأنها فتحت الطريق أمام القارئ، لمعرفة نوع العلاقة بين الواقع وتمثيله، فهل هي علاقة تفارق أم تماثل؟ ولماذا كررت الشخصية مفردات الحلم والدهشة والوصول في كثير من المواضع: (هل تحقق الحلم؟… ص5( ، )ربما اقترب حلمه الغامض من التحقق… ص5). إذن نحن أمام شخصية، وصلت إلى المكان وهي تحمل مشروعا حلميا عبر انتقالها من عالم إلى عالم آخر، فالمطار تغيّر حسب وصفها (كان الزمن والرمل والبحر قد عملوا عملهم في المبنى…ص5) والطريق) مترب مليء بالمطبات…ص5(، والسيارة عبارة عن (سيارة جيب قديمة مكشوفة…ص5). إذن هناك تجسّدت مفارقة الحلم/ الواقع، وعاشت الشخصية هذه المفارقة وهي ترى المكان ساحرا، في الوقت الذي يواجه علامات البلى والفقر والخراب. ولكنّ الوصول من (الباب الخلفي( ثم (مؤخرة الطائرة( ثم (بوابة المطار القديم( يمثل حركة السردية فاعلة في تقديمها من بوابة ينتمي فيها كل شيء إلى الهامش، وحينما تخرج بلا إجراءات، ترى السيارات القديمة، الطريق الترابي، المطبات، الغبار. وهذا ما جعل الوصول مشكوكا فيه؛ أي أنّ الشخصية لم تصل إلى (الجنّة الشرقية) التي تخيلتها، وإنما دخلت إلى فضاء يقع بين الحلم والخراب. وتشتد المفارقة في عبارة (بناية المطار تذكره بالحرب العالمية الثالثة…ص5). وهي غير مألوفة؛ لذلك تستحق التوقف والتمعن في تأويلها. فالحرب العالمية الثالثة لم تحدث، حسب الواقع التاريخي المعروف، ولذلك فإن إحالتها هنا تخلق زمنية تخييلية خاصة بالرواية، فتنتمي إلى عالم مستقبلي أو متخيل. والأهم من كل هذا، أن المطار أصبح أثرا من آثار حرب لم تحدث، إذ تداخل المستقبل مع الماضي، والتاريخ مع الاحتمال، وهذا خلق نوعا من الزمن السردي الاحتمالي؛ لأنّ المكان يحمل آثار مستقبل متخيل، في حين تستعيد الشخصية ماضيها في محطات القطار والحافلات والسفن والمطارات.

ويعد تحفيز هذه الرحلة للذاكرة من أشد ما في المفتتح النصي من فاعلية، فحينما تقفز إلى ذهن الشخصية تلك الصور، نراها تنتقل إلى سلسلة من الارتدادات: (تذكّر نقاط التفتيش وبوابات المدن والدول، تذكّر معاناته الأشد في حصوله على تأشيرة الدول السياحية وشبه السياحية ودول الإرهاب، تذكّر أنه هنا قريب من خط الاستواء، وأنّ المطر لا يأتي في فصل الشتاء فقط، عليه الآن أن يغير الكثير من مفاهيمه، تذكّر تلال الكتب التي اقتناها أو ورثها واضطر ليبيعها قبل سفره…. ص5-6). وهكذا، يصبح الوصول إلى (مسعدة) مجموع ما تحصّل له في المحطات، والحدود، ونقاط التفتيش، وبوابات الدول، والتأشيرات، وبيع الممتلكات، التخلي عن الأهداف؛ أي أنّ الشخصية وصلت وهي محملة بكل الأمكنة السابقة، فتحوّل السفر من حركة في الأمكنة إلى حركة في الذاكرة والهوية. ومثّل الوصول تحررا مؤقتا من نظام الحدود ) خرج من بوابة المطار القديم بلا إجراءات …ص5.( ويعد هذا التفصيل من أهم المفاتيح السردية التي صوّرت تلك المعاناة مع الحدود والتأشيرات، وكأن الرواية تقيم مفارقة بين المغلق والمفتوح. فيصرخ هاني الحافظ: (أخيرا ها هي مسعدة)، ويبدو أنّ قصدية الراوي من هذا التأخير، تتمركز في الوظيفة السردية التي أبقت الشخصية في حالة اقتراب من المكان (موضوع الحلم)، وعدم ظهوره منذ البداية في هذا المفتتح الذي جاء فيه: (ربما اقترب حلمه الغامض من التحقق …ص5.( وهذا ما جعل المكان مكانا مؤجل الدلالة. ليختتم المفتتح بمفارقة، يعلن فيها الراوي لحظة انكسار التوقع حين يحس (بشيء غريب على خده. لم تكن دمعة. سقطت قطرة أو أخرى. “رغم الصيف، فالسماء تمطر”… ص5). ولأنّ لا مطر في الصيف كما هو متعارف عليه، فينبغي أن يقرأ المطر على أنّه علامة سردية، وجملة (لم تكن دمعة …ص5) جعلت المطر يدخل في علاقة مباشرة مع البكاء؛ لأنّ الشخصية على وشك البكاء، ولكن النص ينقل البكاء من جسد الإنسان إلى السماء. وربما تسمح لنا المخيّلة أن نقول: إنّ هذا الفعل نوع من تبادل الوظائف بين الإنسان (الذي لا يبكي) والطبيعة (التي تبكي). وهذا يمنح اللحظة طابعا عجائبيا، ينبثق من الواقع نفسه. وحسب التمثيل السردي للعالم، يمكننا أن نقدمه عبر ثلاث طبقات: العالم كما تخيلته الشخصية، والعالم كما يظهر أمام عينيها، والعالم كما يتشكل سرديا عبر المفارقة والذاكرة والعجائبي. وهذا يعني أن الرواية تكشف آلية إنتاج صورته، فالشرق في البداية صورة ذهنية، ثم أصبح مكانا ماديا، ثم تحوّل إلى فضاء ملتبس بين الواقع والحلم، وانتهى إلى ظاهرة عجائبية؛ أي أن المكان تحرّك دلاليا ) شرق متخيل ، شرق مستشرق ، شرق واقعي متداع ، شرق حلمي، شرق عجائبي). وهذا – حسب ظني – هو القوة الفاعلة التي شكّلت العالم باستمرار عبر عين الشخصية وذاكرتها وحلمها، والمسافة بين ما توقعته وما رأته فعلا. الشخصية التي ظلّ الراوي يتكتم على اسمها، ويرفض ضمنا كشف هويتها حتى بعد أن تمثّلت صورة المكان ومسار الرحلة، إذ أبقى القارئ داخل وعي شخصية مجهولة، )هذا ما تبادر إلى ذهنه ، نزل بحذر، تلفت حوله بدهشة ، هل تحقق الحلم؟…ص5) وهنا حجب الراوي الاسم، ومنحنا الوعي؛ كي نعرف الشخصية عبر إدراكها للعالم قبل أن نعرف اسمها؛ لأنّ الأولوية ليست لـ(من هو؟)، وإنما لـ(كيف يرى؟(. وهذا ما جعل (الشخصية = هاني) أقرب إلى عين سردية منه إلى شخصية مكتملة الملامح، إذ مثّل القادم من الخارج، والغريب، والوافد؛ ولذلك فإن تأخير اسمه جعل حضوره متطابقا مع موقعه، إنسان بلا هوية مكانية بعد. وما تأخير الراوي في الكشف عن اسمي الاستاذ (هاني الحافظ) والاستاذ (مفتاح) إلا تأسيس لاستراتيجية سردية تجعل الهوية نتيجة للحركة في المكان، فـ(هاني) يمثّل وعيا غريبا يتأمل المكان، و(مفتاح) يمثّل علامة مكانية وجسدية تنتمي إلى العالم الذي يصل إليه الوافد. ومن ثم لا يحدث الكشف عن الشخصيتين إلا بعد أن ينجز السرد تحولا أوليا في تمثيل المكان، من صورة استشراقية متخيلة إلى فضاء واقعي ملتبس تتداخل فيه الذاكرة والحلم والعجائبي، وبذلك يصبح الكشف عن الهوية فعلا تأويليا يعيد القارئ عبر قراءة ما سبق، فتتحول التفاصيل السابقة من مجرد مشاهد للرحلة إلى أجزاء من سيرة شخصية، ويتحول اللقاء بين (هاني) و(مفتاح) من جهة و(هاني) و(كامل الرفاعي) من جهة أخرى، من لقاء عابر إلى نقطة تقاطع بين عالمين: عالم الوافد وعالم المكان.

وصل هاني الحافظ إلى (مسعدة)، ونام يوما كاملا من شدة التعب، النوم بوصفه فاصلا سرديا بين مرحلتين، إذ يمثل انقطاعا مؤقتا (هاني) القادم من الخارج، الذي عاش طويلا في محطات السفر والحدود والتأشيرات والانتظار، و(هاني) الذي يحتاج إلى نوم طويل حتى يستعيد جسده من آثار الرحلة، ولكن الراوي جعل استيقاظه بداية لرحلة أخرى أكثر تعقيدا، انتهت رحلة جغرافية، وبدأت رحلة داخل مؤسسة، ثم يلتقي بصديق قديم (زيد) يمنحه فرصة لاستعادة شيء من عالمه السابق. ولهذا يرتب الشخوص بطريقة تكشف تدريجيا شبكة العالم الجديد، ومنها، شخصية هاني الوافد، وزيد الذي شكّل الصلة بالماضي، وكامل الذي شكّل بوابة الدخول إلى المؤسسة بالنسبة إلى (هاني)، و(محمد السيد) و(روجر)، اللذان سيأتي ذكرهما لاحقا. وكلهم يعملون في فضاء تحكمه منظومة رقابية حديثة؛ ولهذا السبب يوجهون التحذير إلى هاني من أن كل ما يفعله يخضع للتسجيل والتصوير والنقل، وهذه المفارقة مهمة؛ لأنّ التكنولوجيا التي يفترض أن توسع حرية الإنسان في التواصل، تصبح في الرواية وسيلة لتقليص حريته. وكلما ازدادت قدرة الإنسان على الاتصال، ازدادت في الوقت نفسه قدرة السلطة أو المؤسسة على مراقبته. ومن هنا يصبح التحذير الذي يتلقاه هاني بمثابة إعلان مبكر عن طبيعة العالم الذي دخل إليه، عالم يحتفظ بمراقبة الفعل ويجعله قابلا للاستدعاء في أي وقت.

تتحوّل الذاكرة في جملة (منذ أيام المواطنة… ص18) إلى سجل، فتحمل بعدا دلاليا فاعلا، إذ تبدو وكأنها بداية تاريخ طويل من التسجيل والتوثيق والتصنيف. وهنا يصبح (هاني) أمام مفارقة جديدة، تتمثّل في معاناته من الحدود والتأشيرات لكي يصل إلى (مسعدة)، ولكنه بعد وصوله يكتشف أن الحدود لم تختف، وإنما تغيّر شكلها، وأصبحت الحدود معلومات محفوظة وسجلات وتوقيعات وعقودا. ومن هنا بدأت تشتد الديستوبيا التي أشار إليها المؤلف (قد تكون هذه الرواية أول دستوبيا عربية… الغلاف الخلفي للرواية) وهي تصور العالم منظما وعقلانيا من الخارج، لكنه يتبنّى في داخله القمع، والمراقبة، ومصادرة الحرية، وتشويه الإنسان، وتحويل الحياة إلى نظام مغلق. إذ باشرت مؤسسة ( (W.A.C – وهذه الأحرف مختصر لـ(وورلد اسوسيشن فور ذا ادفانز منت أوف أرب كلتشر) (واك)…ص9)- في تثبيت اسم الاستاذ (هاني الحافظ) داخل سجلاتها، بعد أن أخذ يوقّع مستسلما، ويعيّن بنفسه لحظة انتقاله من الحرية إلى الالتزام، وكأن حلم الوصول وضعه أمام واقع جديد لا يملك تجاهه إلا الاستسلام. وهذه المفارقة تلخص واقع الإنسان الذي يبحث عن مكان ينتمي إليه، فكشف بعد أن وصل، أن المكان – ربما- يسلب شيئا من حريته وخصوصيته وهويته. وبمهارة سردية من الروائي ناهض الرمضاني، وظف الراوي الفيلم الذي مثّلت فيه مارلين مونرو وسلفستر ستالون بوصفه تشكيلا موازيا للواقع الذي تتحرك فيه الرواية، فتحوّل الحديث عن الفيلم إلى وسيلة غير مباشرة لتمرير أسئلة الروائي وأفكاره حول السلطة والحقيقة والأنوثة وهيبة الدولة. فعندما يقول: (سيشاهده الجميع رغم أنف الحكام… ص33)، فإن العبارة تتجاوز الفيلم نفسه، لتؤسس لموقف من علاقة الفن بالسلطة، إذ أصبح العمل الفني قوة قادرة على اختراق إرادة الحاكم، والوصول إلى الجمهور على الرغم من محاولات المنع أو التحكم. ثم ذهب الوصف إلى تعميق هذه المفارقة حين ذكر(قضية تضغط على الحكومة الآلهة التي تقف محتارة وهي تحاول إنقاذ هذه الشابة التي تمثل هيبة الدولة الأعظم… ص33)، فتحوّلت الشابة إلى رمز للدولة وهيبتها، في حين أظهر الحكومة في صورة العاجز عن حماية هذه الهيبة. وبذلك نقل الراوي الصراع من مستوى الحكاية السينمائية إلى مستوى سياسي وفكري، فكشفت الأزمة ضعف السلطة حين وجدت نفسها عاجزة أمام قوة تتجاوز أدواتها. وتتضح المفارقة أكثر في قوله: (التناقض بين شخصية الحاكم الراكع أمام الأنوثة وجبروته… ص34)، وهنا جمع الراوي بين السلطة والخضوع، ليكشف أن الحاكم، مهما امتلك من قوة، يظل قابلا للانكسار أمام الرغبة والأنوثة التي تأخذ بعدا رمزيا، فهي قوة قادرة على زعزعة مركز السلطة وتقويض صورتها المتعالية. أما السؤال: (الحقيقة! ولكن أين هي الحقيقة. هل تدعي أنك تعرف ما هي الحقيقة… ص38)، فمثّل ذروة التحول من وصف الفيلم إلى المساءلة الفلسفية؛ فالفيلم أصبح ذريعة لفتح سؤال الحقيقة ذاتها، وكأن الراوي خرج بالقارئ من فضاء المشاهدة إلى فضاء الشك، وبقدر ما يبدو أنّ الفيلم في الظاهر موضوعا للسرد، فهو في العمق تصورات ورؤى تمثّل العالم وأزماته الفكرية والسياسية.

ويستمر الراوي في توظيف أفكار الروائي، وإدخالها في وعي الشخصية وأصواتها وذكرياتها، وهي تتوزع داخل السرد وتتشكل عبر مواقف مختلفة. ففي الخطبة الدينية، يعبر الراوي عن موقف نقدي من الخطاب الذي يكرر نفسه حين يقول: (أليس هناك مواضيع أخرى غير الماء الطاهر والماء الطهور؟ ألم يحفظ الجميع هذه الأشياء؟ إنهم يتوضؤون خمس مرات كل يوم منذ طفولتهم… ص43). وينصرف السؤال هنا إلى ما يكشف الملل من التكرار، والرغبة في خطاب ديني يلامس أسئلة الإنسان وواقعه. وتستدعي أغنية (عزاز.. والله عزاز) ذاكرة هاني الحافظ، فتتحول الأغنية إلى محفز لاستعادة موت أبيه، وبذلك يوظف الروائي ذاكرة الشخصية الضيقة إلى الذاكرة الأوسع، فيأتي السؤال: (أما التغيير، فليست الأيام مسؤولة عنه بأية حال… ص52) ليحمل تأملا في فكرة التغيير وعلاقته بالزمن والمسؤولية، وكأن الراوي يضع القارئ أمام سؤال: هل يحدث التغيير بفعل الأيام، أم بفعل الإنسان؟ ويتعمق هذا التساؤل في قوله: (ولكن أين ذهب كل ذلك العنف؟ لا بل من أين جاء أصلا ولماذا؟ أين ذهب الجلادون الذين أثاروا رعب واشمئزاز العالم برمته؟ هل يعقل أنهم هم أنفسهم سكان هذه البلدة البسطاء؟ من أين جاءوا إذن؟ المدينة الآن تعيش بسلام وبساطة، لا علاقة لها ولا لأهلها بكل ما يجري في الخارج… ص53). وهنا يطرح سؤالا عن صناعة الجماعات الإرهابية التي تمارس القتل والنهب والسلب، ثم يجري لاحقا دمجها في مشهد السلم، وكأن الماضي قد محي ولم يعد ثمة من يسأل عن هوية الجلادين ومصير أفعالهم. ويكتشف السؤال (أين ذهب الجلادون؟) مفارقة التحول من العنف إلى السلام، ويضع القارئ أمام احتمال أن يكون بعض من مارسوا العنف بالأمس هم أنفسهم من يعيشون اليوم في ظل هذا السلام. وهكذا تتحول ذاكرة العنف إلى سؤال عن مصدر الشر والمسؤولية الجماعية، وقدرة المجتمعات على التعايش مع ماضيها وكأن شيئا لم يكن. والسؤال الفاعل في هذه القراءة (هل تنبّأ – بمقصدية عالية- ناهض الرمضاني بما حدث في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين؟). ربما.

وأكّد الراوي في هذا المقطع السردي (هذا ما فرضه واقع تلك الدول. من تصرف بعقلانية وابتعد عن إثارة المشاكل، فاز بصداقة العالم الحر ورعايته. ومن تصرف بصبيانية وحماسة فارغة، دفع بلده إلى حافة الجوع والخراب… ص61) على بثه – عبر صوت الراوي أو الشخوص- رؤية سياسية تقوم على نقد تعامل الدول الكبرى، وجعل مصير البلدان الصغيرة مرهونا بمدى انسجامها مع ما يسميه (العالم الحر). وتحمل هذه المعادلة سخرية ضمنية من مفهوم الصداقة والرعاية؛ لأنها توحي بأنهما مشروطتان بالطاعة السياسية، في حين الذي يتصرف بصبيانية وحماسة فارغة، يدفع بلده إلى حافة الجوع والخراب. وهذه القرارات هي التي جعل الشعب يدفع ثمن خيارات السلطة، فأصبح (الشتائم “الرئاسية” أمر مباح، لا بل أمر مستحب… ص63). وبمهارة سردية ثانية ربط الراوي حديثه عن الكيتارات وعزف زيد وأغانيه الأخيرة، بالكلام السابق، إذ اعترض (هاني) على فكرة مخاطبة العواطف، ورأى أن المشروع ينبغي أن يخاطب عقول الناس لا عواطفهم، (إننا نحاول تحريك طبقة أعمق في ذواتهم … ص70). وكشفت هذه المفارقة تحوّلا فاعلا في تمثيل الواقع الذي أصبح بنية وعي تحتاج إلى إعادة تشكيل. وكشف موقف هاني أن التغيير الحقيقي يحدث عبر إعادة إنتاج صورته داخل الوعي. فالعاطفة تمثل استجابة مباشرة للواقع، في حين العقل يعيد تأويله وتفكيك آلياته، فيتقدّم الواقع وهو قابل لإعادة التمثيل. وهنا تحوّل هاني من شخصية تعيش الواقع إلى شخصية تسعى إلى إعادة صياغة الوعي بالواقع. وظهر البريد الإلكتروني بوصفه تقنية محدودة الاستخدام داخل مؤسسة (واك)، إلى جانب البريد العادي الذي وصل إلى هاني من أخته (مريم)، مصحوبا بالكتب والمجلات. وكشفت هذه الثنائية عن تحول في طبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم، فالبريد الإلكتروني مثّل بداية انتقال الرسالة من صورتها المادية إلى صورتها الرقمية، في حين مثّل البريد العادي امتدادا لعالم إنساني حميم، تجسدت فيه الرسالة أثرا ماديا للغائب. ولكن (روجر) لا يتعامل مع البريد الإلكتروني إلا بالرسائل النمطية الجاهزة، إذ يجري تصويرها وإرسالها إلى القاهرة لتعاد صياغة مسارها البريدي. وفي المقابل، تحمل رسالة مريم شيئا مختلفا تماما؛ فهي تتحدث عن البيت، والحديقة، والعصافير، والزوج الطبيب، وتعبه مع المرضى؛ لذلك أصبح البريد العادي تمثيلا لعالم شخصي حي، في حين أصبح البريد الإلكتروني تمثيلا لعالم مؤسسي آلي. ولأنّ رسالة اخته (مريم) استحضرت عالما غائبا عنه، فالبيت والحديقة والعصافير تحوّلت من عناصر واقعية إلى علامات، وظفتها الذاكرة لتستعيد الوطن والحياة السابقة والعلاقات العائلية. وهنا تحوّل الواقع إلى مكان مستعاد عبر التمثيل اللغوي الذي انتجته الرسالة؛ لذلك أصبح في الرواية واقعا بين المكان الذي يعيش فيه هاني، والمكان الذي يستحضره الخطاب. وانسجم هذا بصورة مباشرة مع مفهوم الواقع بوصفه تمثيلا متحولا؛ لأنه لم يبق في صورته الأصلية، وإنما انتقل من المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى اللغة، ومن اللغة إلى وعي الشخصية؛ لأنّ هكذا تحوّل في الواقع الخارجي ربما يتحوّل إلى سؤال وجودي، ويضع هاني في عدم معرفة استمراره في الجلوس طويلا في المكان، على الرغم من أنه لم ينجح في اصطياد أي سمكة، (لم يكن يدري تماما سبب استمراره الطويل على الجلوس الساكن كل هذه المدة في مثل هذا المكان، ورغم أنه قد فشل تماما في اصطياد أي سمكة حتى الآن، إلا أنه ما زال مواظبا على الحضور مع المجموعة في كل مرة يحضرون فيها إلى الشاطئ لصيد السمك…ص85). وتبدو هذه الحادثة بسيطة في ظاهرها، ولكنها تحمل قيمة رمزية كبيرة، إذ تحوّل الصيد إلى تمثيل لحالة انتظار، وكأن الفعل الظاهري أخفي وراءه بحثا عن شيء آخر لم يستطع تحديده، والسمكة التي لم يصطدها هاني يمكن قراءتها تمثيلا لشيء يتعذر الإمساك به: الحقيقة، أو المعنى، أو الهدف، أو الخلاص. وهكذا انتقل الواقع من مستوى الحدث إلى مستوى الرمز، وهذا هو جوهر التمثيل المتحوّل للوعي إلى دلالة جديدة، وبلغ ذروته حين اصطحب روجر (هاني) إلى المطار، ثم أخرج مسدسا وطلب منه إطلاق النار، وهنا انتقلت الرواية فجأة من واقع يومي إلى واقع مختلف يتصل بالعنف والتدريب والسلطة. وحين أصاب (هاني) الهدف، انكشف جانبا غير متوقع من شخصيته، أو على الأقل عن إمكانية كامنة في داخله. ومنذ هذه اللحظة بدأ الواقع في التحوّل داخل وعي (هاني)، إذ بدأ في تخيّل نفسه قادرا على مواجهة روجر وكامل ومقاومة المؤسسة، ولكن الأهم أن هذه المقاومة لم تتحقق فعليا، وإنما ظهرت في صورة حلم، تجاوز قتل الأشخاص إلى المؤسسة، وهذا يعني أن وعي هاني انتقل من رؤية السلطة في صورتها الفردية إلى إدراكها تشكيلة مؤسسية. ولكن الراوي لم يمنح هذا الحلم فرصة للتحقق، إذ استيقظ هاني بعد معالجته من ضربة شمس. (أغمض عينيه وهو يحلم .. يحلم بقتل المؤسسات. التقطه مفتاح بعد ساعات.. عالجوه من ضربة شمس خفيفة… ص98). وهذه النهاية أعاد الحلم كله إلى منطقة ملتبسة بين الواقعي والمتخيل. فهل كان هاني يحلم فعلا؟ أم أن تجربة إطلاق النار أطلقت في داخله رغبة كامنة في المقاومة؟ وهل الحلم مجرد نتيجة لضربة الشمس، أم أن ضربة الشمس نفسها أصبحت ذريعة سردية لإعادة الحلم إلى الواقع؟ ومثّل كل ما ذكرنا تشكيلا متحوّلا لا يستقر على صورة واحدة؛ لذلك فإن إطلاق النار مثّل لحظة انتقال في تمثيل الشخصية لواقعها؛ أي انتقال هاني من موقع المتلقي للسلطة إلى موقع المتخيل لمواجهتها، ولكنّ الراوي سرعان ما قوّض هذا الانتقال بإعادته إلى فضاء الحلم، وأكّد على أن الواقع الروائي يتشكل من التوتر المستمر بين ما يحدث فعلا وما يتخيله الإنسان ممكنا.

اجتمع أساتذة المؤسسة ليشاهدوا الشاشة وهم يتناقشون في عمل وليمة جماعية لتجدد عقودهم، يشاهدون فوز أحد اللاعبين الرياضيين بجائزة البيسبول التي تبلغ مئة مليون دولار، وأخذوا يقارنونها بمرتباتهم، وهذه المقارنة هي مقارنة قيمية وحضارية. فالكاتب لا يسأل كم يكسب اللاعب؟ بقدر ما يسأل ضمنيا، ما قيمة المعرفة في عالمنا؟ وما موقع الأستاذ والمثقف في سلم القيم الاجتماعية؟ ومن هنا نشأ الإحساس بالغبن؛ إذ رأى الأستاذ نفسه، وهو الذي يفترض أن يمثل العقل والمعرفة، في موقع اقتصادي واجتماعي متراجع أمام صناعة الترفيه والرياضة. ولكن أحد الشخوص نقل هذه المفارقة إلى سؤال أشمل يتعلق بموقع الإنسان العربي في العالم”(لو كان لدينا ذرة حظ واحدة لما خلقنا عربا وفي هذا الزمان بالذات…105). وتمثل هذه العبارة نقطة تحوّل فاعلة في الرواية، إذ تجاوزت الشكوى الراتب أو من ضيق العيش إلى الهوية والمصير. ويمكننا قراءة العبارة تعبيرا عن وعي مأزوم بالانتماء، وليس موقفا عنصريا أو احتقارا للذات العربية. فالشخوص شعروا بأنهم ولدوا في فضاء تاريخي وسياسي جعلهم في موقع المتلقي، في حين تحرّك الآخرون في مركز الفعل العالمي. وتجسّد هذا الإحساس بالعجز في صورة لاعب الشطرنج (الذي فقد كل القطع ولم يبق لديه إلا الملك يحركه يائسا على الرقعة محاولا تأجيل النقلة الأخيرة… ص106). وتحمل هذه الصورة طاقة رمزية عالية. فالشطرنج نموذج للعالم، وفقدان القطع يعني فقدان أدوات الفعل والتأثير. أما بقاء (الملك) وحده فيشير إلى أن الشخصية أو الجماعة لم يعد لديها سوى الوجود الرمزي، في حين فقدت القدرة على المبادرة والمناورة. والأكثر فاعلية في التلقي والتأويل أن (الملك) يلعب محاولا تأجيل النقلة الأخيرة. وهنا تتحول اللعبة من استراتيجية إلى انتظار للمصير، ويمكن أن تكون هذه الاستعارة مفتاحا لقراءة النص كله: مجموعة من المثقفين يشعرون بأنهم يعيشون ما بعد الخسارة، لكنهم لم يصلوا بعد إلى لحظة إعلانها النهائي. وكثرت فيما بينهم الـ(لو) التي تركتهم مع أحلامهم، حتى تحوّلت (لو) من أداة لغوية إلى منظومة نفسية وثقافية، فهي لغة الاحتمال الذي لم يتحقق؛ ولذلك فإن الشخوص يعيشون بين واقع مغلق وماض متخيل ومستقبل مؤجل، وأحلام حوّلها السياسيون إلى شعارات وخطب بعد أن وظفوها خطابيا؛ كي تبقى الأحلام حية في اللغة، ولكنها عاطلة في الواقع. ومن هنا نشأت المفارقة بين الكلام والفعل في الواقع العربي.

وبعد حديث الراوي عن الإحباط الحضاري والاجتماعي، يأتي النزيف الجسدي لـ(محمد السيد) وكأنه ترجمة مادية للنزيف المعنوي، فـ(الأستاذ) لم يحتمل أكثر من ذلك الكم من التناقض بين ما يعرفه وما يعيشه، ومن هذه الزاوية أمكننا النظر إليه نموذجا للمثقف المنهك. ومثّل أخذ الدفتر الذي تركه (محمد) وقراءة (هاني) له، انتقالا من الجسد الغائب إلى النص الحاضر، فهو موجود جسديا في مكان آخر، ولكنه حاضر في دفتره. أما النظارة فتكتسب دلالة رمزية محتملة؛ فهي أداة الرؤية، بينما الدفتر هو أداة الكتابة. وكأن النص يضع أمامنا ثنائية: الرؤية / الكتابة ، وهذا يفتح النص على بعد ميتا سردي؛ لأننا نقرأ كتابة شخصية داخل كتابة أكبر، أي أن النص يحتوي نصوصا أُخر في داخله: قصائد ويوميات تكشف عن حياته السابقة والحالية، وذات فاعلية عالية جدا؛ لأنها جعلت الدفتر أرشيفا للذات. فالقصيدة مثّلت الجانب الانفعالي، واليوميات مثّلت الجانب التوثيقي. وبينهما تشكلت صورة الإنسان الذي سعى إلى حفظ وجوده بالكتابة؛ لذلك فالدفتر شهادة مضادة على زمن لم يستطع (محمد) أن يغيره، وهنا يصبح فعل الكتابة مقاومة للنسيان.

أما المختتم النصي للرواية، فكشف اكتمال التحوّل الداخلي في شخصية (هاني)، الذي رأى المدينة تمثيلا لواقع مأزوم، فقدت فيه القيم الكبرى معناها. فمقاومته للسلطة حوّلت الأحلام إلى شعارات، وتجلّت في الحوار مفاهيم الحرية والكرامة والأبوة والرجولة، التي تحوّلت بدورها إلى مصطلحات مشوهة، كما في قوله: (هل تقبل أن تبيع حريتك …ص127)، و(أن تعيش محافظا على كرامتك…ص127)، وصولا إلى السخرية من مفهوم الرجولة: (الرجولة؟ لا زلت مضحكا، قد نكون أزواجا، نعم قد نكون آباء نعم، قد نكون ذكورا، ربما، أما أن نكون رجالا فهذا وهم. لم يعد هناك رجال، ولا رجولة، هناك ذكور، نحن ذكور صدقني…ص130). وبذلك تجلّت في الرواية انفصال المفاهيم عن واقعها. ومن هذا الوعي تشكّل قرار الرحيل، الذي أتى متزامنا مع ذبول (مسعدة) وانحسار حركتها: (تذبل مع الشمس المائلة، السوق بدأ يخلو من المشاة تدريجيا، كان تَعِبا من تجواله الطويل حول المدينة وداخل أزقتها…ص135). فتجاوز التعب الإرهاق الجسدي إلى تعب نفسي ووجودي من واقع لم يعد قادرا على تقديم إجابات مقنعة. لذلك قرر هاني الرحيل (غدا مع الفجر، ولن أرى هذه المدينة بعد ذلك أبدا…ص135). ويبدو أنّ الفجر، في هذا السياق، علامة على بداية جديدة، فيما أصبح الرحيل فعلا احتجاجيا أكثر منه مجرد مغادرة للمكان.

واتخذت السخرية من الواقع العربي صورتها الأكثر مرارة في مشهد مدفع الإفطار(ربما كانت مدافع رمضان هي المدافع الوحيدة التي لا زال العرب يستعملونها… ص136). فالمفارقة اختزلت حالة العجز العربي، وحوّلت صورة المدفع من دلالة القوة والمواجهة إلى طقس رمضاني، في إشارة ساخرة إلى واقع فقد قدرته على الفعل. وعندما دخل (هاني) و(كامل) إلى المكان الذي تجمّع فيه أساتذة مؤسسة (واك)، أجاب عن سبب رحيله قائلا: (قررت ألا أصبح جزءا من هذه المؤسسة. أنا أحس أنني جزء من آلة كبيرة، هائلة الحجم، تنتج الجهل كل يوم…138). ثم انتقل الروائي على لسان الشخوص من نقد الواقع إلى نقد المؤسسات التي تسهم في إعادة إنتاجه. فالمؤسسة، التي يفترض أن تكون فضاء للمعرفة، تحوّلت في وعي هاني إلى آلة لإنتاج الجهل، وهذا ما جعل رفضه لها موقفا فكريا وأخلاقيا، ثم اتسع هذا الرفض، وشمل العلاقة مع الغرب، فرأى (هاني) أن التخلف نتيجة البنية التاريخية التي تعيد إنتاج نفسها: (أنشأونا هكذا، وهم يعدوننا لننشئ من بعدنا بنفس الطريقة … ص138)، ثم لخّص هذه العلاقة بقوله: (سرعة تأخرنا تقاس بسرعة تقدمهم…139). ومع ذلك رأى أن الخلاص يبدأ من التفكير؛ لأن مقاومة التبعية لا تكون إلا بإعادة بناء الوعي.

في السحور، وبعد أن اقتنع الجميع بأن (دولنا جميعا تدفع لتمويل “واك”…ص142)، أصبح الرحيل حتميا، فغادر (هاني) محملا بالغضب والخذلان، لكنه في الوقت نفسه حمل رغبة في التحرر من منظومة رفض أن يكون جزءا منها. وهكذا شكّلت نهاية الرواية موقفا فكريا، فغادر هاني؛ لأنه رفض الاستمرار في واقع رأى فيه أنّ الحرية والكرامة والرجولة فقدت معناها، والمعرفة تحوّلت إلى وسيلة لإنتاج الجهل. وبهذا الفعل السردي، اختزل الاختتام النصي جوهر الرواية في مفارقة، تجسّدت في (الرحيل يعني رفض الاستسلام)، و(هاني) لم يغادر المدينة إلا وقد ترك وراءه سؤالا مفتوحا عن إمكانية استعادة الإنسان لحريته وكرامته، وقدرته على مقاومة الضعف الذي (ينخر الوطن العربي روحا وجسدا). وشكّل اختياره الفجر موعدا للرحيل رمزا لبداية محتملة، تقوم على الوعي والتفكير ورفض أن يتحول الإنسان إلى جزء من آلة تعيد إنتاج الجهل والتبعية.

وفي مختتم هذه القراءة، تبدو الرومانسية أكثر توترا واحتقانا، تشكّلت من داخل الجرح لا من خارجه، واستمدت طاقتها التعبيرية من الحزن والغضب والخذلان والاغتراب. فالروائي واجه العالم من موقع الذات التي شعرت بثقل ما أحاط بها، فتحوّلت مشاعرها المكبوتة إلى غضب تعبيري، وتحوّل حزنها إلى احتجاج، وأصبح الألم وسيلة للكشف عن اختلال العلاقة بين الذات وواقعها، وإن القيمة التعبيرية لهذا المنحى الرومانسي تكمن في قدرته على تحويل الانفعال الفردي إلى طاقة تتجاوز حدود الذات. فالغضب والحزن طريقتان في رؤية العالم، وموقفان من واقع يثير القلق والرفض؛ لذا، فإن هذه الرومانسية انبثقت من الإحساس العميق بالجرح، وبحثت في اللغة عن منفذ لهذا الألم المتراكم. وهي، بهذا المعنى، كشفت لنا عالما مضطربا، وعرّت ما في الواقع من قسوة واختلال. ومن ثم تحوّل الانفعال إلى فعل تعبيري، واجه الواقع من عمق الألم.