تطواف‭ ‬الغريب‭ (‬30‭)‬-حسن النواب

أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬ساعات‭ ‬كان‭ ‬زمن‭ ‬الرحلة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬ESPRANC‮»‬‭. ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬حجزنا‭ ‬مكان‭ ‬إقامتنا‭ ‬مسبقًا‭ ‬في‭ ‬شقةٍ‭ ‬مفروشة‭ ‬تطلّ‭ ‬على‭ ‬ساحل‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬وصلناها‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬الظلام‭. ‬انطلقت‭ ‬الحافلة‭ ‬بنا‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬التاسعة‭ ‬صباحًا،‭ ‬ولم‭ ‬نصل‭ ‬إلا‭ ‬عند‭ ‬السابعة‭ ‬والنصف‭ ‬مساءً‭. ‬وجدنا‭ ‬المنطقة‭ ‬شبه‭ ‬نائمة،‭ ‬فاستغرقنا‭ ‬في‭ ‬نومٍ‭ ‬عميق‭ ‬حتى‭ ‬الساعة‭ ‬العاشرة‭ ‬صباحًا‭. ‬حين‭ ‬تركتُ‭ ‬الشقة‭ ‬لأستطلع‭ ‬ما‭ ‬حولها،‭ ‬واجهني‭ ‬البحر‭ ‬بزرقته‭ ‬الباهرة،‭ ‬ورصيفٌ‭ ‬أنيق‭ ‬توزّعت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مناطقه‭ ‬مصاطبُ‭ ‬للراحة‭ ‬وألعابٌ‭ ‬للأطفال‭. ‬ولمحتُ‭ ‬حافلة‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬أمتار‭ ‬من‭ ‬الشقة،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬جلس‭ ‬على‭ ‬مقاعدها‭ ‬كوكبةٌ‭ ‬من‭ ‬الزائرين‭. ‬عرفتُ‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬الحافلات‭ ‬تطوف‭ ‬بهم‭ ‬أرجاء‭ ‬المدينة‭ ‬بالمجان‭. ‬تناولنا‭ ‬الفطور‭ ‬وخرجتُ‭ ‬مع‭ ‬عائلتي‭ ‬نتجوّل‭ ‬في‭ ‬المدينة‭. ‬شعرتُ‭ ‬من‭ ‬تجهم‭ ‬وجوههم‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬اقترحتها‭ ‬لم‭ ‬تعجبهم،‭ ‬بل‭ ‬سمعتُ‭ ‬ابنتي‭ ‬تطلب‭ ‬مني‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬فورًا‭. ‬كان‭ ‬المقرّر‭ ‬أن‭ ‬نبقى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام،‭ ‬وقد‭ ‬جئتُ‭ ‬بهم‭ ‬حتى‭ ‬نرى‭ ‬البحيرة‭ ‬الوردية‭. ‬عند‭ ‬كشكٍ‭ ‬صغير‭ ‬يرشِد‭ ‬الزائرين‭ ‬إلى‭ ‬أماكن‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬سألتُ‭ ‬سيدةً‭ ‬في‭ ‬الأربعين‭ ‬كانت‭ ‬تتولى‭ ‬مهام‭ ‬المرشدة‭ ‬السياحية‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬البحيرة‭ ‬الوردية‭. ‬أجابتني‭ ‬بابتسامةٍ‭ ‬عريضة‭ ‬أنها‭ ‬ستتكفّل‭ ‬بالاتصال‭ ‬بسيارة‭ ‬أجرة‭ ‬تنقلنا‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭. ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬سوى‭ ‬دقائق‭ ‬حتى‭ ‬توقفت‭ ‬أمامنا‭ ‬سيارة‭ ‬تاكسي‭ ‬حديثة‭. ‬صعدت‭ ‬العائلة‭ ‬متبرّمة،‭ ‬بينما‭ ‬الدم‭ ‬أخذ‭ ‬يغلي‭ ‬في‭ ‬عروقي‭. ‬كان‭ ‬السائق‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬المنطقة‭ ‬وينحدر‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬أيرلندية،‭ ‬بشوشًا‭ ‬بوجهٍ‭ ‬أبرش،‭ ‬ومن‭ ‬نبرة‭ ‬صوته‭ ‬شعرتُ‭ ‬بالراحة‭ ‬لوجودنا‭ ‬معه‭. ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬طريقٍ‭ ‬حوليٍّ‭ ‬تحفّ‭ ‬جانبيه‭ ‬أشجارٌ‭ ‬عملاقة،‭ ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬الطبيعة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬مفاتنها‭ ‬شيئًا‭ ‬فشيئًا،‭ ‬والمركبة‭ ‬تنطلق‭ ‬نحو‭ ‬رابية‭ ‬عالية‭ ‬جدًا‭. ‬غاباتٌ‭ ‬من‭ ‬شجر‭ ‬السرو‭ ‬لا‭ ‬نهايات‭ ‬لها‭ ‬تغطي‭ ‬وجه‭ ‬الأرض،‭ ‬وعلى‭ ‬قمة‭ ‬المرتفع‭ ‬انتشرت‭ ‬مراوح‭ ‬بيضاء‭ ‬بزعانف‭ ‬عملاقة‭ ‬تدور‭ ‬على‭ ‬مهل‭. ‬أخبرنا‭ ‬السائق‭ ‬أن‭ ‬عددها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬مروحة،‭ ‬وأن‭ ‬حركة‭ ‬هذه‭ ‬الزعانف‭ ‬تنتج‭ ‬طاقة‭ ‬كهربائية‭ ‬تغذي‭ ‬المنطقة‭ ‬بأسرها،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تصدّر‭ ‬الفائض‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬بيرث‭ ‬مقابل‭ ‬ثمن‭ ‬زهيد‭. ‬طلبت‭ ‬ابنتي‭ ‬من‭ ‬السائق‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬قليلاً،‭ ‬وهبطت‭ ‬من‭ ‬المركبة‭ ‬لتلتقط‭ ‬صورًا‭ ‬لتلك‭ ‬المراوح‭ ‬العملاقة‭. ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬مزاج‭ ‬العائلة‭ ‬قد‭ ‬تحسّن‭ ‬قليلًا،‭ ‬فشعرتُ‭ ‬بالرضا‭ ‬على‭ ‬نفسي‭. ‬ولما‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬البحيرة‭ ‬الوردية‭ ‬صدمنا‭ ‬أن‭ ‬الماء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ورديًا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬بنيًا‭. ‬فتجهمت‭ ‬وجوه‭ ‬العائلة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬حين‭ ‬أخبرهم‭ ‬السائق‭ ‬أن‭ ‬البحيرة‭ ‬تفقد‭ ‬لونها‭ ‬الوردي‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الخريف‭. ‬شعرتُ‭ ‬بالذنب،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬التدقيق‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬الشقة‭ ‬بشأن‭ ‬البحيرة‭ ‬الوردية،‭ ‬والتي‭ ‬عرفتُ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتاب‭ ‬سياحي‭ ‬أن‭ ‬موجها‭ ‬الأزرق‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الوردي‭ ‬قبل‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬نتيجة‭ ‬طفيلياتٍ‭ ‬تسكن‭ ‬أعماقها،‭ ‬تفرز‭ ‬مادة‭ ‬كيميائية‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الوردي‭ ‬حالما‭ ‬تمتزج‭ ‬بالماء‭. ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطفيليات‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬السبات‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الخريف،‭ ‬وهو‭ ‬الوقت‭ ‬الخطأ‭ ‬الذي‭ ‬اخترته‭ ‬لزيارة‭ ‬البحيرة‭. ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬الشقة‭ ‬بوجوهٍ‭ ‬قانطة،‭ ‬ولم‭ ‬نتناول‭ ‬وجبة‭ ‬الغداء،‭ ‬بينما‭ ‬عادت‭ ‬ابنتي‭ ‬الأخرى‭ ‬تلحّ‭ ‬بطلب‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بيرث‭. ‬عند‭ ‬الظهيرة‭ ‬خرجتُ‭ ‬وحدي‭ ‬أتسكع‭ ‬على‭ ‬رصيفٍ‭ ‬مجاور‭ ‬للبحر،‭ ‬فاستوقفني‭ ‬إعلانٌ‭ ‬عن‭ ‬رحلة‭ ‬بحرية‭ ‬ستنطلق‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭. ‬عدتُ‭ ‬أهرول‭ ‬نحو‭ ‬الشقة‭ ‬وطلبت‭ ‬منهم‭ ‬اللحاق‭ ‬بي‭ ‬بسرعة‭. ‬استجابوا‭ ‬لندائي،‭ ‬فاشتريت‭ ‬التذاكر‭ ‬للعائلة،‭ ‬وانطلق‭ ‬المركب‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الواحدة‭ ‬ظهرًا‭. ‬كان‭ ‬معنا‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬المركب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬زائرًا‭ ‬جلّهم‭ ‬من‭ ‬أستراليا‭. ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬الإبحار‭ ‬أصبح‭ ‬المركب‭ ‬يمخر‭ ‬في‭ ‬قبةٍ‭ ‬زرقاء‭ ‬تحتوينا‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الجهات،‭ ‬وقد‭ ‬تناثرت‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬صخورٌ‭ ‬بركانية‭ ‬هائلة‭ ‬ازدحمت‭ ‬فوقها‭ ‬قطعانٌ‭ ‬من‭ ‬حيوانات‭ ‬الفقمة‭ ‬للتشمس‭ ‬والراحة‭. ‬اقترب‭ ‬المركب‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬الصخور،‭ ‬فهبطت‭ ‬عشرات‭ ‬الفقمات‭ ‬وحوَّطت‭ ‬المكان‭ ‬وهي‭ ‬تطلق‭ ‬صيحات‭ ‬الترحيب‭ ‬بنا‭. ‬كان‭ ‬المشهد‭ ‬مثيرًا،‭ ‬جعل‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬طقسٍ‭ ‬مزيج‭ ‬بين‭ ‬الخوف‭ ‬والدهشة،‭ ‬لكني‭ ‬شعرتُ‭ ‬برضاهم‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬البحرية‭. ‬تصاعدت‭ ‬صيحات‭ ‬العائلة‭ ‬فرحًا‭ ‬حين‭ ‬شاهدت‭ ‬أسماك‭ ‬الدولفين‭ ‬تنطّ‭ ‬أمام‭ ‬المركب‭ ‬بحركاتٍ‭ ‬بهلوانية‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الرشاقة‭. ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬أدهشنا‭ ‬جميعًا‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬رجال‭ ‬المركب‭ ‬قفز‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬وأخذ‭ ‬يقلّد‭ ‬حركة‭ ‬أسماك‭ ‬الدولفين‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬أمتار‭ ‬منه‭. ‬استمر‭ ‬يعوم‭ ‬معها‭ ‬دقائق‭ ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬المركب‭ ‬وسط‭ ‬ذهولنا‭. ‬ولم‭ ‬تمضِ‭ ‬سوى‭ ‬دقائق‭ ‬حتى‭ ‬قدّم‭ ‬لنا‭ ‬هذا‭ ‬البحّار‭ ‬مفاجأة‭ ‬أخرى؛‭ ‬إذ‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬كيسٍ‭ ‬قماشيٍّ‭ ‬سميك‭ ‬سمكةً‭ ‬صغيرة‭ ‬ميتة‭ ‬وراح‭ ‬يلوّح‭ ‬بها‭. ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬لحظات‭ ‬حتى‭ ‬تجمعت‭ ‬طيور‭ ‬الباز‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬تهبط‭ ‬رويدًا‭ ‬رويدًا‭ ‬لتحطّ‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬المركب،‭ ‬بينما‭ ‬اقترب‭ ‬منها‭ ‬البحّار‭ ‬ليطعمها‭ ‬وجبة‭ ‬السمك‭ ‬الميت‭. ‬حين‭ ‬عاد‭ ‬المركب‭ ‬مع‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭ ‬إلى‭ ‬الساحل،‭ ‬شعرتُ‭ ‬بغبطة‭ ‬العائلة‭ ‬لهذه‭ ‬الرحلة‭ ‬البحرية‭ ‬الساحرة‭ ‬التي‭ ‬عوّضت‭ ‬رحلتنا‭ ‬الخائبة‭ ‬إلى‭ ‬البحيرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬وردية‭ ‬أبدًا‭.‬

يتبع‮…‬‭  ‬

حسن‭ ‬النواب