
أكثر من عشر ساعات كان زمن الرحلة إلى منطقة «ESPRANC». كنا قد حجزنا مكان إقامتنا مسبقًا في شقةٍ مفروشة تطلّ على ساحل المدينة التي وصلناها مع حلول الظلام. انطلقت الحافلة بنا من مدينة بيرث عند الساعة التاسعة صباحًا، ولم نصل إلا عند السابعة والنصف مساءً. وجدنا المنطقة شبه نائمة، فاستغرقنا في نومٍ عميق حتى الساعة العاشرة صباحًا. حين تركتُ الشقة لأستطلع ما حولها، واجهني البحر بزرقته الباهرة، ورصيفٌ أنيق توزّعت في بعض مناطقه مصاطبُ للراحة وألعابٌ للأطفال. ولمحتُ حافلة تقف على بُعد أمتار من الشقة، سرعان ما جلس على مقاعدها كوكبةٌ من الزائرين. عرفتُ فيما بعد أن الحافلات تطوف بهم أرجاء المدينة بالمجان. تناولنا الفطور وخرجتُ مع عائلتي نتجوّل في المدينة. شعرتُ من تجهم وجوههم أن المنطقة التي اقترحتها لم تعجبهم، بل سمعتُ ابنتي تطلب مني العودة إلى مدينة بيرث فورًا. كان المقرّر أن نبقى ثلاثة أيام، وقد جئتُ بهم حتى نرى البحيرة الوردية. عند كشكٍ صغير يرشِد الزائرين إلى أماكن السياحة في المدينة، سألتُ سيدةً في الأربعين كانت تتولى مهام المرشدة السياحية عن الطريق المؤدي إلى البحيرة الوردية. أجابتني بابتسامةٍ عريضة أنها ستتكفّل بالاتصال بسيارة أجرة تنقلنا إلى هناك. لم تمر سوى دقائق حتى توقفت أمامنا سيارة تاكسي حديثة. صعدت العائلة متبرّمة، بينما الدم أخذ يغلي في عروقي. كان السائق من أهالي المنطقة وينحدر من أصول أيرلندية، بشوشًا بوجهٍ أبرش، ومن نبرة صوته شعرتُ بالراحة لوجودنا معه. أخذنا في طريقٍ حوليٍّ تحفّ جانبيه أشجارٌ عملاقة، ثم بدأت الطبيعة تكشف عن مفاتنها شيئًا فشيئًا، والمركبة تنطلق نحو رابية عالية جدًا. غاباتٌ من شجر السرو لا نهايات لها تغطي وجه الأرض، وعلى قمة المرتفع انتشرت مراوح بيضاء بزعانف عملاقة تدور على مهل. أخبرنا السائق أن عددها أكثر من ألف مروحة، وأن حركة هذه الزعانف تنتج طاقة كهربائية تغذي المنطقة بأسرها، بل إنها تصدّر الفائض إلى مدينة بيرث مقابل ثمن زهيد. طلبت ابنتي من السائق أن يتوقف قليلاً، وهبطت من المركبة لتلتقط صورًا لتلك المراوح العملاقة. بدا أن مزاج العائلة قد تحسّن قليلًا، فشعرتُ بالرضا على نفسي. ولما وصلنا إلى البحيرة الوردية صدمنا أن الماء لم يكن ورديًا، بل كان بنيًا. فتجهمت وجوه العائلة مرة أخرى حين أخبرهم السائق أن البحيرة تفقد لونها الوردي في فصل الخريف. شعرتُ بالذنب، إذ كان ينبغي التدقيق مع إدارة الشقة بشأن البحيرة الوردية، والتي عرفتُ من خلال كتاب سياحي أن موجها الأزرق تحوّل إلى اللون الوردي قبل عشرات السنين نتيجة طفيلياتٍ تسكن أعماقها، تفرز مادة كيميائية تتحول إلى اللون الوردي حالما تمتزج بالماء. لكن لم يخطر في ذهني أن هذه الطفيليات تلجأ إلى السبات في فصل الخريف، وهو الوقت الخطأ الذي اخترته لزيارة البحيرة. عدنا إلى الشقة بوجوهٍ قانطة، ولم نتناول وجبة الغداء، بينما عادت ابنتي الأخرى تلحّ بطلب العودة إلى بيرث. عند الظهيرة خرجتُ وحدي أتسكع على رصيفٍ مجاور للبحر، فاستوقفني إعلانٌ عن رحلة بحرية ستنطلق بعد نصف ساعة. عدتُ أهرول نحو الشقة وطلبت منهم اللحاق بي بسرعة. استجابوا لندائي، فاشتريت التذاكر للعائلة، وانطلق المركب في الساعة الواحدة ظهرًا. كان معنا على ظهر المركب أكثر من عشرين زائرًا جلّهم من أستراليا. بعد نصف ساعة من الإبحار أصبح المركب يمخر في قبةٍ زرقاء تحتوينا من جميع الجهات، وقد تناثرت في بعض المناطق صخورٌ بركانية هائلة ازدحمت فوقها قطعانٌ من حيوانات الفقمة للتشمس والراحة. اقترب المركب من إحدى الصخور، فهبطت عشرات الفقمات وحوَّطت المكان وهي تطلق صيحات الترحيب بنا. كان المشهد مثيرًا، جعل العائلة في طقسٍ مزيج بين الخوف والدهشة، لكني شعرتُ برضاهم عن هذه الرحلة البحرية. تصاعدت صيحات العائلة فرحًا حين شاهدت أسماك الدولفين تنطّ أمام المركب بحركاتٍ بهلوانية في منتهى الرشاقة. لكن الذي أدهشنا جميعًا أن أحد رجال المركب قفز إلى البحر وأخذ يقلّد حركة أسماك الدولفين التي كانت على مقربة أمتار منه. استمر يعوم معها دقائق ثم عاد إلى المركب وسط ذهولنا. ولم تمضِ سوى دقائق حتى قدّم لنا هذا البحّار مفاجأة أخرى؛ إذ أخرج من كيسٍ قماشيٍّ سميك سمكةً صغيرة ميتة وراح يلوّح بها. وما هي إلا لحظات حتى تجمعت طيور الباز الضخمة في السماء، ثم بدأت تهبط رويدًا رويدًا لتحطّ على حافة المركب، بينما اقترب منها البحّار ليطعمها وجبة السمك الميت. حين عاد المركب مع غروب الشمس إلى الساحل، شعرتُ بغبطة العائلة لهذه الرحلة البحرية الساحرة التي عوّضت رحلتنا الخائبة إلى البحيرة التي لم تكن وردية أبدًا.
يتبع…
حسن النواب